الملف السياسي: كلما وطأت القوات الإسرائيلية بعض مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، اتجهت الاهتمامات إلى التداعيات الإقليمية لهذه الاعتداءات. وكانت السياسة الإسرائيلية، قد اعتمدت ما بات يعرف بعمليات الباب الدوار. وفادها التوغل داخل إحدى المناطق الخاضعة بالكامل لسيطرة السلطة الفلسطينية، ثم الخروج منها بعد العبث فيها تدميرا للمنشآت وتجريفا للممتلكات وسفكا للدماء، والتحول إلى منطقة أخرى كي تمارس الفواحش ذاتها مجددا. تكرارية هذا المشهد أدت على مدار الوقت إلى خفض التوقعات بشأن تفاقم الوضع المضطرب في الإطار الفلسطيني الإسرائيلي نحو انفجار أعم وأشمل على الصعيد العربي الإسرائيلي.. ومما تردد بهذا الخصوص أن الجانب الإسرائيلي لا ينوي توسيع دائرة المواجهة، بدليل محدودية عملياته في المكان والزمان .وكل ما في الأمر أنه يقوم بغارات انتقامية هدفها تذكير الطرف الفلسطيني بموازين القوى التي تحكم العلاقة، التفاوضية وغير التفاوضية، معه. غير أن الاجتياح الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية الذي بدأ في 29/3 الماضي أحدث تحولات فارقة في التقديرات، رفعت مستوى الانشغال باحتمال توسع دائرة القتال من العمليات الجراحية العدوانية الإسرائيلية المحدودة، إلى الحرب العربية الإسرائيلية الشاملة.. وذلك نظرا للعوامل التالية: ـ النطاق الكبير لهذا الاجتياح كونه طال معظم المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، ووصل إلى التدمير الكامل لكل ما يتعلق بالسلطة الفلسطينية ورموزها، بما في ذلك المقر الرئاسي وحشر الرئيس ياسر عرفات في غرفتين والتداول المكثف بشأن مصيره بين القتل والطرد والاعتقال، وهو تطور لا سابقة له منذ بداية عملية التسوية ونشوء السلطة الفلسطينية. ـ القوة الهائلة المستخدمة في الاجتياح، التي لا تستخدم إسرائيليا إلا في حالة الحرب الموسعة بالفعل وهو إجراء واكبته تحركات إسرائيلية لا نعرفها إلا في هذه الحال، كاستدعاء الاحتياط والحملة الاعلامية التعبوية الداخلية للرأي العام والاغلاق الكامل للمناطق التي تم اجتياحها وتنمية دور الاعلام الخارجي، ووصف عرفات بالعدو بما يرتبه هذا الوصف من أساليب للتعاطي معه (فالعدو يقتضى الملاحقة حتى آخر مدى ممكن). هامش السماح الأمريكي الواسع لحركة الحملة الإسرائيلية، فالمواقف التي اتخذتها واشنطن في غمرة الاجتياح لم يكن لها سوى معنى واحد، هو التضامن مع إسرائيل ومساندتها تحت زعم أنها إنما تدافع عن نفسها وأن واشنطن ليست بصدد معارضة مسار هذه العملية. ـ التهديدات الإسرائيلية الصريحة بأن حملتها الجارية (لا حدود جغرافية لها) وما تبع ذلك من توجيه ما يشبه الإنذارات الى الحكومتين السورية واللبنانية بضرورة كبح حزب الله وإلا تعرضتا للانتقام العسكري الإسرائيلي. ولعله من الجائز ـ نظريا على الأقل ـ اعتبار أن هذا الاجتياح بطبيعته النوعية المكثفة، ينطوي على رد إسرائيلي عسكري بليغ إزاء المبادرة السلمية العربية الشاملة الصادرة عن قمة بيروت التي اختتمت أعمالها عشية بدايته، الأمر الذي حث البعض على طرح فرضية جوهرها أنه ينبغي للعرب مباشرة فعل عسكري من الطبيعة ذاتها، عوضا عن عروض السلام المتكررة بلا جدوى مع الكيان الصهيوني العدواني. هذا علاوة على أن الرأي العام العربي أضحى، بفعل جماع العوامل المذكورة، مستفزا إلى أقصى الحدود.بحيث تطرق إلى حديث الحرب كضرورة تستدعيها فكرة الانتصار لفلسطين من ناحية، والدفاع الوقائي عن الذات أمام دولة عدوانية تتحداه جهاراً وتصفع مبادرات نظمه السلمية من ناحية أخرى، ولعل الصمود الفلسطيني الأسطوري، قيادة وشعبا، في وجه الاجتياح، فضلا عن الروح الاستشهادية التي ترجمها الفلسطينيون عمليا قبيل وأثناء هذا الاجتياح لعل هذه العناصر فعلت في دفع الشعوب العربية للارتقاء بمطلبها إلى طور المواجهة الشاملة، على محمل أن أبناء فلسطين إنما يدافعون في خندقهم المتقدم عن مصير الأمة وكرامتها ومقدساتها، فلا يليق بالأمة الوقوف في صفوف المتفرجين.. مهما كانت النتائج . كل هذه العوامل متضافرة جعلت لهذا الاجتياح دلالة مباشرة على صعود نبرة الحرب الشاملة، ومبررا للتفكير في إمكانية إنجرار المنطقة إلى اشتباك عربي إسرائيلي خارج رحاب الضفة وغزة والقدس. ومع ذلك، فإن التأمل في الجولات العسكرية العربية الإسرائيلية، ينتهي بنا إلى نتائج متضاربة بخصوص هذه الإمكانية.بصيغة أخرى، فإن خصائص الاجتياح الإسرائيلي المتفاعل والعوامل المصاحبة له، لا تعني إحتمال تحوله إلى مواجهة أوسع نطاقا بصورة حتمية لقد اجتاحت إسرائيل الأراضي اللبنانية عام 1978 ثم غزت تلك الأراضي وصولا إلى بيروت ذاتها عام 1982 ومارست عملياتها العسكرية مرارا هناك بعد ذلك، بدون أن تقع الحرب الشاملة، وفي تاريخ أسبق غزت إسرائيل مصر وإحتلت سيناء وقطاع غزة أثناء العدوان الثلاثي الشهير ـ مع فرنسا وبريطانيا عام 1956 ـ ولم تنجر دول عربية أخرى إلى المواجهة بالمفهوم العسكري! جرى ذلك على الرغم من أن حال العروبة والنظام العربي والإئتلاف من حول فلسطين، كان أفضل نسبيا مما يحيط بالجولة الإسرائيلية الحالية .كما كان النظام الدولي أكثر مواتاة للعرب منه في المرحلة الراهنة، وذلك لوجود الحليف الدولي (الإتحاد السوفييتي) الذي كان بوسعه تخفيف غلواء التعسف الأمريكي في مساندة العدوانية الإسرائيلية ومناصرتها بكل السبل . والشاهد أن إسرائيل لا تعبأ بالظواهر المعبرة عن الغضب العربي .بل ومن المقدر أن قرارها بالإجتياح الأخير تم بعد حسابات دقيقة لنشوء مثل هذه الظواهر، كالاحتجاجات السياسية والاعلامية والتظاهرات الشعبية وغضبة الرأي العام العربي على كل الصعد، لكنها بخبرتها ودراستها للمعطيات العربية تستصبر حدود هذه التحركات الشكلية، وتدرك أنها تعيش في بيئة عربية (إقليمية) تسمح لها بالاعلان بفعلتها الشائنة في حق الشعب الفلسطيني ذلك أن حسابات الحرب الشاملة تدور عادة بعقلانية مفرطة، وليس ثمة من معالم عربية تدل على أن الدول العربية، المدعوة بدول الطوق أو غيرها، بصدد التحول إلى الخيار العسكري لنجدة هذا الشعب، أفلة في الأجل المنظور. وللإنصاف، فإن مثل هذا التحول يقتضي على نحو مسبق تغيرات هائلة في حال النظام العربي وفي مفهوم الصراع مع إسرائيل وفي التصورات العربية حول الخطر الذي تمثله إسرائيل على كل طرف عربي من جهة ثم على مجموع الأمة العربية من جهة ثانية، ثم إنه يقتضي مع هذا وذاك استيعاب الدول العربية، وحدات النظام العربي، للعلاقة بين انعكاسات الاعتداءات الإسرائيلية على هذا الطرف أو ذاك وبين ما يعرف نظريا ـ وثبت عمليا لغير مرة ـ بالمصير العربي المشترك، وفي حقيقة الأمر، فإن أي ظفر تحققه إسرائيل على طرف عربي ـ كالفلسطينيين الآن ـ يخصم من الرصيد المادي والمعنوي لمجمل القوى العربية كما أن استفرادها بأي طرف عربي ـ كما هو الحال أيضا مع الفلسطينيين ـ يحط من قيمة الجامع القومي العربي بين يدي أبنائه، وبين يدي القوى الدولية). نقول ان التحول إلى الحرب الشاملة يقتضي التغيرات المذكورة، وليس هناك في الأفق عسكريا ضد الجانب الفلسطيني وهي مطمئنة إلى سقف رد الفعل العربي وبصفتها قوة قامت على العدوان والعنف وعاشت عليه وبه، فإن إسرائيل دولة لا تردعها المسيرات والاحتجاجات ومظاهر الغضب المؤقته لقد إعتادت على ذلك .أما بالنسبة للأبعاد القانونية لإنتهاكاتها وجرائمها فإنها تدرك أن الحليف الأمريكي كفيل بها. على أن استبعاد قرار الحرب الموسعة من الحسابات العربية، بسبب الافتقار إلى مؤشراتها الحقيقية ـ غير الشكلية ـ لا ينبغي له أن يصل بنا إلى استبعاد نشوب هذه الحرب بالمطلق .لأن إسرائيل قد ترى أن الظروف الموضوعية عن حسابات من جانبها خاطئة أو صحيحة، مواتية لمثل هذا القرار .وهكذا فإنها قد تبادر بتوسيع نطاق إجتياحها للأراضي الفلسطينية إلى عمليات أكبر عسكريا، تطال أطرافا عربية أخرى .ولعل سوريا ولبنان هما المرشحان الأبرز لهكذا تحرك عدواني.. إما للفت الأنظار عما يجري من إبادة جماعية في فلسطين، أو لتطويع هذين الطرفين لشعائر التسوية الإقليمية كما تريدها، وإما للهروب إلى الأمام من نتائج الصمود الفلسطيني على جبهتها الداخلية وإعادة ترميم ما فسد من حال هذه الجبهة، وإما لتحقيق هذه الأغراض معا. كأن الحرب الشاملة لتحرير الأراضي العربية المحتلة أو لإنقاذ الفلسطينيين أو مشاركتهم في المواجهة الدائرة، لا تبدو خيارا عربيا قائما أو محتملا حتى إشعار آخر .لكن هذه الحرب قد تفرض عليهم أو بالأحرى على بعضهم بمبادرة إسرائيلية. ـ كاتب فلسطيني