الملف السياسي: في إطار المشروع الصهيوني لإقامة دولة إسرائيل أدارت الدولة العبرية جولات 1948، 1956، 1967، وحاربت عام 1973، ثم غزت لبنان عام 1982، وبدأت عدوانا واسع النطاق على شعب فلسطين يوم 29 مارس الماضي، يعتبر بداية حرب ممتدة طويلة الأمد متنوعة الأهداف والمراحل. ويدير شارون هذه الجولة السادسة باعتبارها أولى مراحل خطته الخمسية الممتدة حتى عام 2006 الخاصة بالاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، والتي تستهدف إخماد كل صور المقاومة الفلسطينية وإيجاد قيادة بديلة لسلطة عرفات تقبل الاستسلام والتبعية لإسرائيل، ثم ضرب بنية حزب الله في الجنوب اللبناني واقتلاع الوجود السوري من سهل البقاع الغربي وشرق لبنان، ودعم الاستيطان في الجولان. ولقد اتخذت إسرائيل قرارها بإعادة احتلال الأراضي «أ» التي سلمت للسلطة الفلسطينية، وهي لا تتجاوز 18.1% من مساحة الضفة الغربية وغزة، والقتل «الوقائي» لمنظمي وعناصر العمليات الاستشهادية، في شهر سبتمبر 2001. وقد وضعت الخطة مجموعة رأسها الميجور جنرال جيورا أيلاند مدير الخطط في رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، وحددت ثلاث أسبقيات متتالية لأهدافها، أولها إخماد الانتفاضة الفلسطينية، وفرض هدنة ممتدة يستسلم فيها عرفات أو خلفه لواقع جديد على الأرض، ويتم فيها تصفية المقاومة الفلسطينية، وتهجير عناصرها النشطة الباقية، قسرا أو طواعية، إلى دول الجوار أو إلى دول أخرى في أوروبا وأمريكا اللاتينية وغيرها. والأسبقية الثانية هي التصعيد المتدرج للتوتر العسكري ثم إدارة حرب إقليمية على الجبهة الشمالية لإسرائيل لتدمير مواقع حزب الله والقوات السورية جنوب وشرق لبنان. والأسبقية الثالثة هي الاستعداد لقيام بعمليات محدودة على الجبهة الجنوبية مع مصر إذا تدخلت في الحرب على الجبهة الشمالية لإسرائيل. ومن ثم أعاقت إسرائيل الاستجابة لتفاهمات جورج تينيت المبرمة منذ يونيو الماضي وكذا توصيات تقرير لجنة السناتور ميتشيل المقدمة في أبريل 2001، وأفسدت جولات الجنرال أنطوني زيني الفاشلة!!! وعندما زار ديك تشيني نائب جورج بوش المنطقة أخيرا في مارس الماضي حضر خلال زيارته المشئومة اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي الأمني المصغر برئاسة آرييل شارون وكان أشد تطرفا من الوزراء الإسرائيليين أنفسهم في ضرورة قمع الانتفاضة بأقصى سرعة. ومن المعروف أن ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ومستشار الأمن القومي كوندوليزا رايس يتبارون سويا في خدمة مصالح إسرائيل، وقد شجع الثلاثة شارون على المضي قدما في خطته لاغتيال قادة وعناصر المقاومة الفلسطينية دون تفرقة بين حماس والجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أو القوة 17 ، أو وحدات الشرطة والأمن الوقائي التي بدأ شارون تدميرها ونزع سلاحها في اجتياحه للضفة الغربية لنهر الأردن بعد أن بلغ تعداد رجالها أربعين ألفا وإن ظل تسليحهم متواضعا إلى حد كبير. سير عمليات العدوان بتواطؤ أمريكي يستمر آرييل شارون في عدوانه المخطط على البنية التحتية للمقاومة الوطنية، ولاستكمال تدمير البنية الأساسية في فلسطين المحتلة، مدعيا أن إسرائيل تشارك مباشرة في المرحلة الثانية لحملة بوش الدولية. ذلك أن الرئيس الأمريكي لم يطلب بعد وقفا فوريا للعمليات الحربية في المناطق المحتلة، واكتفى بالدعوة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق «أ» في أقرب وقت ممكن، كما أنه اتهم القيادة الفلسطينية الحالية برعاية الإرهاب، ومن ثم فإن شارون يعطل مثل هذا الانسحاب حتى الآن بدعوى ضرورة تحقيق أهم أهداف العملية الحربية في الضفة الغربية لنهر الأردن، وربما في غزة كذلك، إذا سمحت الظروف الإقليمية والدولية. ويدرك شارون بخبثه المعهود أن الرئيس بوش لا يتعجل تنفيذ الانسحاب إلى أوضاع ما قبل بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ولا يزال يتجاهل عامدا أعمال التطهير العرقي والإبادة الجماعية في القدس الشرقية وبعض مناطق فلسطين المحتلة. ولا يقيم آرييل شارون بالطبع وزنا لقراري مجلس الأمن رقمي 1402، 1403 اللذين يطلبان الانسحاب الإسرائيلي الفوري من المدن الفلسطينية، ووقف إطلاق النار والتزام إسرائيل بقواعد القانون الدولي، وعدم الاستخدام الأعمى للقوة، ويعود ذلك ببساطة ووضوح إلى أن القرارين لم يحددا توقيتات أو آليات للتنفيذ. كما يطمئن شارون إلى استعداد واشنطن لإحباط محاولة وزراء خارجية العرب الدعوة إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لمواجهة رفض إسرائيل التام للامتثال لقرارات المجلس بوقف عدوانها الحالي، ولإصدار قرار ملزم ضد الدولة الصهيونية يستند إلى مواد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة المخصص لمواجهة تهديدات السلام وخرقه وأعمال العدوان وبخاصة المادتين 41 ، 42 من ذلك الفصل اللتين تسمحان للمجلس باستخدام القوة العسكرية والمقاطعة الاقتصادية الشاملة والحصار الدبلوماسي لفرض قراراته. ويتوقع بعض وزراء الخارجية العرب من الآن أن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض إذ ذاك، وهنا قد تسعى المجموعة العربية إلى طلب انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار صيغة «الاتحاد من أجل السلام» التي طبقت في زمن الحرب الكورية، وذلك لمحاولة عقاب إسرائيل التي تحتمي بالولايات المتحدة اليوم وغداً لتتهرب من إدانتها بارتكاب معظم جرائم النظام العام الدولي. ويجد شارون تأييدا متزايدا من غالبية مواطنيه لعملية «الجدار الواقي» ضد الضفة الغربية لنهر الأردن، وللاحتلال المؤقت للأراضي الفلسطينية بهدف القضاء على المقاومة، وإخضاع وتطويع ياسر عرفات. أما جنرالات الجيش الإسرائيلي، ومن بينهم شاؤول موفاز رئيس الأركان، الذي سيترك منصبه بعد أسابيع قليلة، فإنهم يعلنون صراحة أن الجيش يحتاج إلى شهر أبريل بأكمله لإنهاء عملية الجدار الواقي، بينما يؤكد الجنرال موشيه يعلون رئيس الأركان القادم أنه لا يجب رسم حدود معينة لدولة إسرائيل على الإطلاق في المدى القريب والمتوسط سواء مع فلسطين أم سوريا ويكفي ما حدث على الحدود الجنوبية لإسرائيل مع مصر!!! غياب الاستراتيجية الإسلامية هي محنة حقيقية ألا نملك استراتيجية إسلامية منسقة لإدارة الصراع العربي الإسرائيلي وبخاصة لإنقاذ الشعب الفلسطيني من مخطط التطهير العرقي والإبادة الجماعية، ولمنع إسرائيل من تهويد القدس بكاملها، ورضينا بلجنة ضعيفة الأداء لا تزال تبحث عن خطة عملية للدفاع عن القدس الشريف. ثم جاءت القمة الإسلامية الأخيرة في كوالالمبور في بداية أبريل الجاري لتكتفي باعتبار الهجمات الإسرائيلية نوعا من إرهاب الدولة، ولتكرر أن الإرهاب ليس مرتبطا بدين معين أو ثقافة بذاتها، ولتطالب المجتمع الدولي بتحمل مسئولياته لوضع حد للعدوان العسكري الإسرائيلي وانسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة. وهكذا عجزت القمة الإسلامية عن اتخاذ قرار حاسم أو مجرد توصية بشأن تجميد العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والثقافية بل والعسكرية بين إسرائيل وبعض الدول الإسلامية!!! ومن جهة أخرى تزايدت التهديدات الأمريكية لإيران، ومطالبة الشعب الإيراني بتغيير نظامه السياسي، وتوعد الرئيس الأمريكي إيران باعتبارها إحدى دول محور الشر المزعوم، وحذرها من تكرار إمداد بعض المنظمات الفلسطينية بالسلاح مثلما فعلت مع حزب الله في الجنوب اللبناني، وحاولت في صفقة السلاح الشهيرة على متن السفينة كارين ـ أ التي مارست إسرائيل القرصنة البحرية ضدها في مياه البحر الأحمر وخليج العقبة. واكتفت إيران حتى الآن باقتراح وقف تصدير البترول والغاز إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لمدة شهر واحد بقرار تتخذه الدول العربية والإسلامية، وهو أمر ترفضه أو تتحفظ عليه غالبية تلك الدول. كذلك لا تزال دول إسلامية عديدة معنية بنفي تهمة تشجيع الإرهاب أو إيواء عناصره في وجل شديد من امتداد الضغوط الأمريكية إليها! البحث عن استراتيجية عربية كانت ردود الفعل العربية على العدوان الإسرائيلي بطيئة ومتراخية على المستوى الرسمي فيما خلا الموقف المصري الذي بدأ بتجميد الاتصالات السياسية والاقتصادية والثقافية مع إسرائيل عدا القناة الدبلوماسية، وبتأمين الحدود المصرية المشتركة مع إسرائيل ضد مخاطر محاولة طرد بعض عناصر المقاومة الفلسطينية وأسرهم عبر قطاع غزة والنقب إلى شبه جزيرة سيناء. كذلك قررت بعض الدول الخليجية العربية كالإمارات العربية المتحدة دعم الشعب الفلسطيني بالمساعدات الإنسانية ومواد الإغاثة المتنوعة. ولا تزال أغلب الحكومات العربية تراهن في مخاطرة شديدة على المبادرة الأمريكية وتنتظر نتائج الزيارة الحالية التي يقوم بها كولين باول وزير الخارجية الأمريكي للمنطقة لفرض وقف إطلاق النار في توقيت تقبله إسرائيل، ومحاولة تشكيل قوة مراقبين دولية بقيادة أمريكية في الضفة الغربية وغزة. ويبدو أن الحكومات العربية لا تريد الاعتراف بأخطاء حساباتها منذ عام 1991 في إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتقصيرها في إحياء معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي في إطار جامعة الدول العربية، أو وقف تجميد إعلان دمشق بشقيه الأمني والاقتصادي بفعل الضغوط الأمريكية والاعتراضات الإيرانية، أو إهمالها في تعزيز التكامل الاقتصادي العربي، أو ترشيد سياساتها الإعلامية مما أضعف من قدراتها الشاملة والمؤثرة في مواجهة التوسع الصهيوني والهيمنة الأمريكية. بل إن دول الطوق العربية ذاتها لا تملك استراتيجية منسقة تغطي مطالب مواجهة التصعيد العسكري الإسرائيلي المحتمل ضدها، وإدارة مفاوضات التسوية السياسية المنسقة مع إسرائيل، ودعم جهود الشعب الفلسطيني، ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة منها الخلاف السوري الفلسطيني بشأن الربط بين مسارات التفاوض الثنائية مع الدولة الصهيونية، ووحدة منظمات المقاومة الفلسطينية وإمدادها بالسلاح، والعلاقات الإسرائيلية مع مصر والأردن. ماذا نفعل إذن؟ لا أظن أن الدعم المالي للانتفاضة بنحو 330 مليون دولار يكفي وحده لتقوية صمود الشعب الفلسطيني، ولحماية غزة من الاجتياح المحتمل، مثلما لا يمكن التعويل على مجرد دعوة بعض الدول العربية لتفعيل المقاطعة الاقتصادية للعدو الصهيوني، أو الاعتماد على المظاهرات الغاضبة في عواصم العرب، فإسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة، ولا تعي إلا تأثيراتها على أرض الصدام ذاتها في فلسطين المحتلة، مما يتطلب تصعيد الإجراءات العقابية من جانب الدول العربية ضد إسرائيل سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا فور تعثر جولة الوزير كولن باول الحالية. والأهم من ذلك هو التمويل المباشر والفوري للمقاومة الفلسطينية ثم تسليحها بالوسائل والأساليب المناسبة في وقت قريب، والتلازم بين المقاومة والتفاوض معا في مسيرة النضال الوطني والقومي من أجل قيام الدولة الفلسطينية في المدى المنظور، مع استعادة التنسيق الأمني الاستراتيجي وتوسيع نطاقه بين دول الطوق العربية التي أتمنى أن تصبح ثانية دول مواجهة لإسرائيل، وأن تجد الدعم الفعال والملائم من دول العمق العربية وفي مقدمتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط