الملف السياسي: لاشك أن الولايات المتحدة لم تكن فقط على علم بالحملة الارهابية التي خطط لها شارون وينفذها ضد الشعب الفلسطيني بل انه ليس من المستغرب القول إن الادارة الامريكية قد ساهمت بالتخطيط بل والتنفيذ أيضاً ـ باعتبار حملة القمع الحالية ضد الشعب الفلسطيني تمثل الجبهة الثانية من جبهات الحرب الامريكية ضد الارهاب الدولي. إن ابرز ملامح التواطؤ الامريكي هو ذلك الدعم غير المحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة لاسرائيل. فأمريكا قدمت ولاتزال عبر العقود الخمسة الماضية دعماً عسكرياً ودبلوماسياً ومالياً واقتصادياً غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية، ولعل ما يفسر ذلك الدعم هو ذلك الارتباط القوي بين السياستين الداخلية والخارجية الامريكية. فالدعم الذي تقدمه امريكا لاسرائيل ليس إلا حلقة في سلسلة التواطؤ والدعم المستمر الذي لم تتوان أمريكا عن تقديمه يوماً من الايام، وعلى ان المستغرب هو ان المتفحص لواقع العلاقات، يجد ان مصالح الولايات المتحدة هي مع العالم العربي والاسلامي وليست مع اسرائيل والتي تشكل ليس فقط عبئاً على الولايات المتحدة بل تشكل خدشاً لصوره أمريكا وللمباديء التي قامت عليها الجمهورية الامريكية والمتمثلة بمباديء الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة ودعم قضايا التحرر وحق الشعوب في تقرير مصائرها، فدعم اسرائيل اللامحدود يقف على طرفي نقيض مع تلك المباديء ووضع لايزال تضع امريكا في احراج خطير يشوه صورتها في المجتمع الدولي، لكن يبقى التساؤل قائماً وذلك فيما يتعلق بكيفية وماهية الظروف التي أوجدت ذلك الارتباط العضوي بين دعم اسرائيل وسياسة امريكا الداخلية والخارجية؟ مبررات الدعم الامريكي اللا محدود لاسرائيل هناك مجموعة من الاعتبارات يمكن الاعتماد عليها في تفسير الموقف الامريكي حيال ما يجري في فلسطين من قمع وارهاب، أهم تلك الاعتبارات هي احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، فقد شكلت تلك الاحداث صدمة أمنية نالت من هيبه امريكا وشكلت اطاراً عاماً لرسم السياسة الخارجية بل والداخلية واعادت رسم اولويات الادارة الامريكية الحالية. احداث سبتمبر اسهمت كثيراً في تعظيم الدعم المقدم لاسرائيل في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني وعلى أعلى المستويات. فعلى مستوى الرئاسة فان الرئيس الامريكي لم يتورع عن اظهار تحيزه السافر للسياسات الارهابية الصهيونية، كما انه لم يتوقف عن كيل التهم ضد الرئيس الفلسطيني وضد الشعب الفلسطيني واصفاً اعمال المقاومة «بالارهاب» ولعل ما يفسر ذلك المرارة التي منى بها من جراء احداث سبتمبر الماضي وتعثر جهود مقاومة الارهاب في افغانستان واستئصال جذوره الى جانب تعثره في حشد تأييد دولي لضرب العراق، وتصعيد الموقف ضد ايران وكوريا الشمالية. من الناحية النظرية، فقد شكلت احداث سبتمبر الماضي اطاراً نظرياً وفكرياً جديداً يتم الاسترشاد به في رسم السياسية الخارجية الامريكية وبعلاقات امريكا باشخاص المجتمع الدولي، وعليه فقد قسم بوش الدول اما معنا أو ضدنا وبذلك فقد أعاد للعلاقات الدولية أطر الحرب الباردة بما تضمنته تلك التصورات من تأزيم للعلاقات الدولية وتفجير الصراعات الدولية وهيمنة ظاهرة الصراع الدولي على مظاهر التعاون في العلاقات الدولية، كما أسهمت تلك النظرة بتأجيج حده التوترات الدولية لاسيما في البؤر المشتعلة اصلاً والتي اهمها على الاطلاق بؤرة الصراع العربي الاسرائيلي. ارتبط باحداث سبتمبر الماضي ادعاءات امريكا انها لا تستطيع ان تضغط على اسرائيل لوقف حربها ضد ما اسمته بالارهاب طالما ان امريكاتفعل ذلك، ولديها التزام ليس فقط بدعم الدول التي تواجه «الارهاب»، بل والاسهام ميدانيا في المعارك الجارية ضد «الارهاب» كما هو الحال في الفلبين وكشمير وفلسطين وغيرها، وبالطبع فان مسرح العمليات دائما البلاد العربية والاسلامية والاقليات المسلمة حيثما كانت، وبذلك فانه وبالرغم من معارضة العالم أجمع لما يحدث من قمع وارهاب بحق الشعب الفلسطنيي تأتي امريكا وتجد لها المبررات الكافية للاستمرار في عدوانها كما تعطيها الغطاء السياسي والدبلوماسي والمادي والعسكري اللازم لتنفيذ مخططاتها. من جهة اخرى، يرتبط باحداث سبتمبر الماضي، نظرة الادارة الامريكية وهيئات الحكم الامريكي الى العمليات الجارية ضد الشعب الفلسطيني على أنها تشكل استمراراً للحرب ضد الارهاب في افغانستان كما انها تشكل الجبهة الثانية في الحرب ضد «الارهاب الدولي». الاعتبارات الداخلية يكاد يجمع المحللون السياسيون أن الانتخابات الامريكية قد باتت رهينة بيد أكبر جماعة سياسية مصلحية ضاغطة الا وهي مجلس العلاقات الامريكية الاسرائيلية المعروف بـ AIPAC والذي بلغ من القوة في التأثير على نتائج الانتخابات الامريكية بشكل غير مسبوق في التاريخ وقد علق السفير الامريكي السابق في السعودية ريتشارد كرتكس على نفوذ الايباك قائلا: «ان اللوبي الاسرائيلي اصبح أكبر عائق في طريق اصلاح قوانين الانتخابات الامريكية وطريقة تمويلها كما اصبح اهم قوة فاعلة في إقصاء أهم الشخصيات الامريكية المخلصة من الحياة العامة بما في ذلك شخصيات عظيمة في الكونجرس وحتى الرؤساء الامريكان. ففي شهر اكتوبر من هذا العام ستجري الانتخابات النصفية والتي يتطلع كل عضو من اعضاء مجلس النواب، وثلثي اعضاء مجلس الشيوخ وعدد كبير من حكام الولايات ورؤساء البلديات للاحتفاظ بمواقعهم أو الترشح بالفوز في مناصب سياسية وادارية، لذلك يبقى هاجس الفوز مرتبط ارتباطا عضوياً بمواقفهم السياسية ولذلك يخشى الجميع ارهاب الايباك والتي تعاقبهم أشد المعاقبة فيما لو صوتوا ضد اسرائيل أو انتقدوا سياساتها التعسفية. ذلك فقد اضحت شخصيات امريكية مستقلة ومنصفة ضحية لحرب الايباك وذلك بسبب رفضها الانصياع والانقياد لارادة الايباك، على ان محاربتها لم تقتصر على اقصائها من الحياة العامة بل والعمل على تدمير سمعتها ووصفها بمعاداتها للسامية. من الجدير بالذكر ان الكونجرس الحالي يعتبر اكثر كونجرس في تاريخ امريكا الحديث تأييدا لاسرائيل وداعماً لسياساتها، بل ان الكونجرس الحالي يتمادى في دعمه وتصريحاته ويجد من المبررات للعدوان الاسرائيلي ما يفوق مبررات الرئيس وحتى شارون نفسه. فعلى سبيل المثال نجد جون مكين مرشح الرئاسة السابق والعضو القوي في لجنة الشئون الخارجية يكيل الاتهامات لياسر عرفات وللشعب الفلسطيني ويدعو الى امداد اسرائيل بكل انواع الدعم للتصدي لما اسماه بالارهاب الفلسطيني بل ذهب ابعد من ذلك مسفهاً الشخصية العربية والمسلمة متبنياً اطروحات اليمين المسيحي الامريكي المتطرف. فالكونجرس الذي يشكل جوهر ومحور رسم السياسة الامريكية واقع تماماً في براثن اللوبي الصهيوني لدرجة الاستعباد. لهذه الحقيقة اشار احد اعضاء الكونجرس الحالي بصوت خافت لوفد من العرب الامريكان التقاه قائلا: نحن بحاجة لكم لتحررونا من استعباد اللوبي الاسرائيلي والمتمثل بالدعم المالي الذي يؤهل فقط المؤيدين لاسرائيل في الوصول الى الكونجرس والمناصب الأخرى. من هنا يمكننا ان نستخلص ان الكونجرس الحالي متطرف جداً في دعمه لاسرائيل ولن يتوقف عن ايجاد المبررات حتى لو استخدمت اسرائيل اسلحة الدمار الشامل ضد العالم العربي والاسلامي اجمع. لذلك فان الامل في احداث اي تغيير جوهري في السياسة الخارجية الامريكية مرهون باصلاح نظام الانتخابات الامريكية وتحرير اعضاء الكونجرس من العبودية للوبي الاسرائيلي. اليمين الامريكي المتطرف ودعمه لاسرائيل لقد جاءت الادارة الحالية لسدة الحكم بدعم كبير من اليمين المسيحي المتطرف والذي يرتكز في دعمه لاسرائيل على اطروحات دينية تتمثل بأن التمركز اليهودي في ارض الميعاد «هو امر الهي لا يمكن درؤه، كما ان سيطرة وقوة وعظمة «اسرائيل» هي امر حتمي مرتبط بعودة السيد المسيح وتبشيره بالديانة المسيحية من جديد، ولقد عبرت الكثيرمن الشخصيات الامريكية الدينية بل والسياسية والاعلامية والحزبية عن البعد الديني مشددين على انه لا جدوى من الحد من سيطرة اسرائيل لان ذلك يشكل تحدياً للارادة الالهية، لذلك فإن دعم اسرائيل والوقوف الى جانبها امر مطلوب ديني من المسيحيين مما اوجد خطاً جديداً سمي بالمسيحية الصهيونية يهدف الى دعم اسرائيل اللامحدود في تحقيق طموحاتها. باول في المنطقة اعلان الرئيس الامريكي انه سيرسل وزير خارجيته للمنطقة بهدف احياء العملية السلمية والتوصل الى وقف لاطلاق النار الخ من العبارات التي لم يعد لها قيمة على اذن السامع العربي لفقدانها للمصداقية والجدية. فالتصريح مناقض لقناعات الرئيس وافعاله ولا يخلو ان يكون عبثاً سياسياً وبثاً للأوهام السياسية الهادفة الى مواصلة خداع القيادات العربية والشارع العربي ويمني الجميع بحل عادل ومشرف، على ان تلك التصريحات لم تعد تنطلي على احد فقد سمع العرب والمسلمون من امريكا الكثير عبر العقود الخمسة الماضية ولم يروا على ارض الواقع الا مزيداً من الارهاب والقتل والتشريد والمجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني بمباركة الادارات الامريكية لاسيما الادارة الحالية التي لا تألو جهداً في ايجاد المبررات للغاصب المحتل في قهره وتنكيله بالشعب الاعزل. ان ما يزيد الامر ريبة هو هذا التهاون والتواني في ارسال وزير الخارجية الامريكي للمنطقة. اذا كانت امريكا فعلاً جادة في ايجاد حل لمأساة الشعب الفلسطيني؟ فلماذا لا يرسل على وجه السرعة ويوضع حد للمجازر ضد الشعب الفلسطيني، انما ارسال باول بعد اسبوع لا يمكن تفسيرا الا انه تواطؤ جديد مع العدوان وذلك لكي يتسنى لاسرائيل تنفيذ مخططاتها بينما تواصل الادارة الكريمة تضليلها للقيادات والشعوب العربية، وفي نهاية المطاف فإن امريكا لن تفعل شيئاً. ولن تقوم للشعب الفلسطيني قائمة مالم تنتزع تلك الحقوق انتزاعاً وبمؤازرة العالمين العربي والاسلامي وذلك بجعل ثمن الاحتلال غالياً مما يجبر العدوان على الرحيل كما هو الحال بالنسبة لأي قوة استعمارية غاشمة. الشعب الامريكي والمجازر بحق الشعب الفلسطيني من المستغرب ان الاعلام الامريكي المتواطئ مع العدوان الاسرائيلي قد نجح نجاحاً باهراً في حجب الحقيقة عن الشعب الامريكي بل عزز من الصور النمطية المتداولة عن الانسان العربي بانه ارهابي وعدواني، وان اسرائيل دولة «محبة للسلام» تعيش في وسط متخلف تحيط بها «الكراهية» من كل جانب، وانها دولة ديمقراطية محاطة بعالم «الظلمات» العربي والاسلامي، وبينما ان الشعب الامريكي يتسم بالبساطة فانه يتلقى تلك المعلومات المضللة بلا تساؤل بل ويتبناها، لدرجة ان المواطن الامريكي العادي عندما تدخل معه في حوار وتحاول اقناعه بحقيقة ما يدور في ساحة الميدان، لا يصدق ويبدأ بالدفاع عن اسرائيل مسترشداً بما يمليه عليه الاعلام الصهيوني الامريكي المتواطئ مع العدوان. ان كسب المواطن الامريكي لجانب الحق العربي بات امراً حتمياً، فلا يكفي بناء علاقات طيبة على المستوى الحكومي ولابد من مخاطبة الشعب الامريكي بكافة اطيافه، وبهذا الصدد لابد من اتخاذ جملة من الوسائل اهمها انشاء محطة تلفزيونية تخترق جدار الصمت الامريكي وتوصل لكل بيت امريكي حقيقة ما يجري، وتوضح للشعب الامريكي ان مصالح امريكا شعباً ودولة مع الشعب العربي وليست مع الكيان الصهيوني. لقد بات حوار الموقف العربي المشترك يشكل عاملاً مهماً ان لم يكن العامل الوحيد في التأثير على مجريات الامور لصالح الامة العربية ودعماً لحق الشعب الفلسطيني. فعلى صعيد التعامل مع اسرائيل والولايات المتحدة فلابد من ابراز موقف عربي موحد ومشترك حيال ما يجري ضد الشعب الفلسطيني وتأكيد حقه في تقرير مصيره وانشاء دولته على ترابه الوطني اسوة بغيره من الشعوب، وبهذا الصدد فلابد للحكومات العربية من ان تستثمر اجواء الاجماع الشعبي العربي ومنجزات مؤتمر القمة العربية لبلورة سياسة عربية موحدة تجاه الغطرسة الاسرائيلية بما في ذلك الاعلان عن ان خيار السلام لم يعد يشكل الخيار الاستراتيجي للامة العربية، ذلك ان الاستسلام بهذا الشكل لا يؤدي الا الى مزيد من الذابح ضد الشعب الفلسطيني كما سيؤدي الى اتساع رقعة الحرب والمواجهة وتوسيع اطارها بما في ذلك الجبهتين السورية واللبنانية. لابد ايضاً من استخدام سلاح النفط العربي ومقاطعة المنتجات الامريكية والاسرائيلية لاشعار امريكا والعالم اجمع بجدية الموقف العربي، ذلك ان امريكا وشعبها لن تقتنع بجدية الموقف مالم تتأثر الحياة اليومية للشعب الامريكي متمثلة برفع اسعار النفط بل وقطعه عن امريكا، لعل ذلك يقنع امريكا بجدوى تغليب مصلحتها القومية ولو لمرة واحدة على المصالح الاسرائيلية. لابد من دعم الشعب الفلسطيني بكافة انواع الدعم لكي يتمكن من الصمود على ارضه على ان الوقوف موقف المحايد لن يدرأ عن المنطقة كلها نار التفجر، وبذلك فلن تستطيع اي دولة عربية من ان تقي نفسها من مخاطر وآثار تفجر الاوضاع عامة في المنطقة. ـ استاذ العلوم السياسية ـ واشنطن