الملف السياسي: اشارات واضحة اطلقتها اسرائيل في السماء العربية.. سيول من دماء الانسان العربي الزكية غيرت سواد ترابه لحمرة خجل خرساء.. محكات اختبار تاريخية وقف طوعا امامها الغالبية صماً بكماً عمياً.. فلم يفهم ولم يفقه اولى الامر وسائل الظالم، الذي طاح في ارض العرب يسفك الدماء، ففي «صبرا وشاتيلا» رسالة، وفي مذبحة «قانا» رسالة، وفي مذبحة الحرم الابراهيمي» رسالة، وفي اقتحام شارون للأراضي المقدسة رسالة، وفي تخلي «جورج بوش» رئيس القطب الاوحد في العالم في خطابه السياسي رسالة، لم يخف دعمها باعلانه بعد احداث 11 سبتمبر ـ إيعاز من اسرائيل ـ تصنيف عناصر المقاومة الفلسطينية بالارهاب، وما يحدث الآن من مذابح ينفذها الارهاب الرسمي الاسرائيلي ضد الفلسطينيين الا رسالة جديدة، مضمونها هو الاجتياح الاسرائيلي المنظم للأراضي الفلسطينية، بغية تصفية قضيتهم العادلة. حول الاجتياح الاسرائيلي، ومساعي شارون لتصفية القضية الفلسطينية التقى الملف السياسي في لاهاي الدكتور «برام فيرلات» خبير شئون الشرق الأوسط والسياسة الدولية تاليا نص الحوار: ـ ينظر العالم الغربي الأوروبي بشكل خاص لما يرتكبه الجيش الاسرائيلي من مذابح للفلسطينيين بعين باردة وقلوب جامدة دون تحرك جاد لوقف شارون عن الاعمال الارهابية.. لماذا هذا التباطؤ الاوروبي المثير للشكوك؟ ـ ولماذا الشكوك؟ أوروبا السياسية والاعلامية والاجتماعية منحازة لاسرائيل شعبا ودولة، وهذه حقيقة تحتاج عملية شرحها بالتفصيل لاكثر من كتاب، ولا يمكن ان اوفيها حقها في مقابلة صحفية، وباختصار أوروبا تتعامل مع الملف الفلسطيني الاسرائيلي من منطلق عقدة الذنب التي تلازمها تجاه اليهود، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهم الممثلون الآن في شعب اسرائيل، على الرغم من ذلك رأينا مؤخرا ثمة تحركات أوروبية للقيام بدور لوقف اعمال العنف، لكنها مكبلة بسلاسل لها اكثر من طرف تعوق استمرار فعالية دورها الذي تريده. ـ وما هي العقبات التي تقف في وجه قيام أوروبا بدور فعال؟ ـ اخطرها اسرائيل التي لا ترحب بدور اوروبي فعال ولهذا سبب استراتيجي اسرائيلي، فالاتحاد الاوروبي عدد اعضاءه 15 دولة وهذا معناه انه في حالة ادانة الاتحاد لتصرفات سياسسة او عسكرية او اقتصادية اسرائيلية، فإن اسرائيل ستواجه امرا يفرض عليها التعامل مع اللجنة الاوروبية كمؤسسة سياسية، ومن جهة اخرى 15 نظاما دبلوماسيا وسياسيا، وهذا امر يرهقها دبلوماسيا ويترك آثارا سلبية، حتى بعد ان تتمكن اسرائيل من معالجة علاقتها بأوروبا اذا اصابها سوء. ـ وهل هذا مناسب مقنع لنفهم منه ان أوروبا مكبلة بسلاسل، على حد ما ذكرت؟ ـ توجد حقيقة اخرى وهي ان اوروبا لم تتحرر بعد من التبعية الكاملة «احيانا» وبالنسبية في ظروف اخرى، حيث انها تضع في اعتباراتها السياسية الموقف الامريكي، عند قيامها بأي دور خاصة فيما يتعلق بملف الصراع العربي الاسرائيلي، اما الطرف الامريكي الذي يقف علنا لجانب اسرائيل يقيد ايضا التصرفات الاوروبية، ولا ننسى ان مواقف الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي متباينة، وقد وجدنا الشهر الماضي خروج جبهة رفض تمثلت من (هولندا والمانيا وبريطانيا) وقفت في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي ضد فرض عقوبات على اسرائيل، لاجبارها على وقف ضرب الفلسطينيين. ـ كشفت الساعات الاخيرة عن عودة لاصوات تخرج من بلجيكا تطالب من جديد بفرض عقوبات على اسرائيل.. فهل لهذا التحول اسباب جديدة؟ ـ الموقف الرسمي «العلني» يعزي هذا بسبب رفض اسرائيل السماح لمنسق شئون السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي «خافيير سولانا» بلقاء رئيس السلطة الفلسطينية «عرفات» برفقة وزير خارجية بلجيكا «بيكيه» فقد اعتبر الاتحاد الاوروبي الموقف الاسرائيلي اهانة سياسية لا يقبلها، اما الجانب الآخر من حقيقة هذا التحول هوالتغير النسبي في موقف واشنطن تجاه الصراع الدائر في الاراضي المحتلة، فبعد توجيه الرئيس «بوش» رسالة صريحة لاسرائيل بوقف العمليات العسكرية، وتبع ذلك تصريح آخر من مستشارة الامن القومي الامريكي بضرورة وقف الحرب فورا، كان هذا بمثابة اشارة لان تتجرأ المجموعة الاوروبية في مواقفها. ـ لقد جاءت رسالة «بوش» الى اسرائيل: بضرورة انهاء العمليات ورد «شارون» يعد امريكا بأنه سينتهي من العمليات على وجه السرعة.. أليس في هذا (الحوار الأمريكي ـ الاسرائيلي) فهم واضح بأن واشنطن كانت على علم مسبق بواقع الاحداث الجارية الآن، وهي مرتبطة بجدول زمني للاجتياح وفرض الامر الواقع؟ ـ بوش اعطى اسرائيل الضوء الاخضر لتصفية الفلسطينيين منذ اولى خطاباته عن الشرق الاوسط عقب توليه الرئاسة الامريكية، وهو ما اطلقنا عليه «بسياسة التخلي عن الشرق الاوسط» وعزز خطابه السياسي بعد احداث 11 سبتمبر، حينما ربط عناصر المقاومة الفلسطينية بوصف الارهابيين، فإذا كان وصف الجدول الزمني على هذا النحو اقول نعم هذا حقيقي، اما علم «بوش» بتفاصيل خطة «شارون» العسكرية، الذي وصفته بالاحداث الجارية، فأنا اشك في هذا الامر الذي يدخل في اطار التكهنات. ـ اعلن بوش في اكثر من مرة تفهمه لحق اسرائيل في الرد على الارهاب.. وافادت المعلومات من واشنطن برغبة امريكا في نجاح العمليات العسكرية الاسرائيلية.. وجاءت مطالبة مستشارة الامن القومي الامريكي لاسرائيل بالانسحاب بأنها تتفهم ان هذه العملية لا تتم فورا وهي تحتاج لفترة من الوقت.. هل لا يفسر كل ذلك وجود جدول زمني وخطة تعلمها امريكا؟ ـ ربما يكون الرئيس الامريكي «بوش» على علم بخطة عسكرية عامة، ومسافة فترة زمنية جاءت في معرض حديث بينه وبين رئيس الوزراء الاسرائيلي «شارون» ولنسلم جدلا بأن هذا حقيقي، ماذا سيفيد هذا الفهم وتلك المعرفة؟ وماذا سيقدم من دعم ايجابي لوقف العنف الدائر الآن وانقاذ الفلسطينيين من المعاناة؟ واسمح لي بطرح سؤال: هل يحدث مثل هذا الاستجواب لمسئول عربي؟ وهل التحرك العربي كان اسرع او اكثر فعالية من الموقف الاوروبي؟ لعلك تتفق معي في ان مواقف الدول ترتبط بمصالح استراتيجية وسياسية، وأعتقد ان الوقت قد حان لوجود تحرك اعلامي عربي يتوجه الى أوروبا، يحدثهم بلسان يفهمونه، فدافع الضرائب الأوروبي يرفض التضليل او العبث بمصالحه فاذا وصلت وجهات النظر العربية الموضوعية والمدعمة بالحقائق، اعتقد في هذه الحالة يمكن التأثير في الرأي العام الأوروبي وهو بدوره سيؤثر على صناع القرارات السياسية في بلاده. ـ اسرائيل تشن حملاتها العسكرية ضد الفلسطينيين في مناخ الحرب الامريكية ضد ما تطلق عليه بالارهاب، وذلك لتحقيق معادلات سياسية امريكية، واسرائيل تفعل ذات الشيء لتصفية قيادات المقاومة الفلسطينية.. هل تغيب هذه الرؤية عن ساسة أوروبا والمواطن الأوروبي؟ ـ المشكلة تكمن في كيفية حضور الرؤية وتفعليها واعتقد ان أوروبا استوعبت الدرس منذ بداية الانتفاضة الثانية، وزادت قيمة الاستيعاب بعد بداية العمليات العسكرية الاسرائيلية، واتصور ان المرحلة المقبلة ستشهد تحولات في السياسة الاوروبية تجاه اسرائيل وان كانت فلسطين قد خسرت جوانب كبيرة في بنيتها التحتية، ومئات القتلى والجرحى، الا انها «كقضية» وملف صراع، قد حققت مكاسب كبيرة، سيظهر حصادها في المستقبل بكل تأكيد، فمصداقية اسرائيل امام العالم اصبحت محل شك، واعتقد بأن مرحلة الانحياز الغربي الاعمى لاسرائيل ستنتهي، اما عن المعادلة الاسرائيلية وتصفيتها للقيادات الفلسطينية، فإن هذه المعادلة لم تنجح، ولن تنجح لانه ببساطة شديدة ان الارادة الفلسطينية تزداد قوة مع سقوط كل قتيل، واسرائيل شعرت بذلك، كما ان الشعب الفلسطيني الذي انجب عرفات وقياداته، قادر على انجاب قيادات جديدة. ـ ما هي رؤية الاتحاد الأوروبي لمستقبل قضية فلسطين من وجهة نظركم في سياق المعطيات الحالية بعد 11 سبتمبر؟ ـ لا استطيع بالطبع تحديد الرؤية المستقبلية للاتحاد الأوروبي، فقط توجد بعض المؤشرات السياسية الايجابية لمستقبل القضية الفلسطينية، فاتحاد أوروبا يتوسع، وستنضم دول جديدة في عضويته، وهذا يعني زيادة ثقل الاجنحة التي... لا اقول ستؤيد فلسطين على خط مستقيم، لكن ستولد بدون ادنى شك وجهات نظر جديدة، اكثر اعتدالا، واقل انحيازا لاسرائيل، وهذا ببساطة لان مصالح الاتحاد الاوروبي ـ بعد زيادة اعضائه ـ مع الدول العربية ستأخذ منحى اكبر من الآن، وهذا بدوره سيضفي على تأييد قيام دولة فلسطينية بعدا جديدا، ومن ناحية ثانية الاتحاد الاوروبي يتحرر تدريجيا في استقلالية مواقفه وقراراته السياسية عن امريكا