الملف السياسي: تثير الحرب الشاملة التي يقودها شارون ضد الشعب الفلسطيني واعادة احتلال الأراضي الفلسطينية اضافة الى الأساليب القمعية الوحشية التي يتبعها الجنود الاسرائيليون مع المدنيين في الأراضي الفلسطينية، العديد من التساؤلات حول التصور الذي يستند اليه شارون في هذه الحرب والأهداف التي يسعى الى تحقيقها اضافة الى ضرورة التعرف على المنظومة التي يوظفها للوصول الى هذه الأهداف ومن ثم فإننا في هذه المقالة سنتناول النقاط التالية: الأسس التي أقام عليها شارون تصوره للموقف. الأهداف التي يسعى اليها شارون. المنظومة التي يوظفها للوصول الى هذه الأهداف. كيف يتعامل العرب مع هذا الوضع؟ وفيما يلي نعالج كلا من هذه النقاط بالتفصيل. أولا: الأسس التي أقام عليها شارون تصوره للموقف. تتمثل الأسس التي أقام عليها شارون تصوره للموقف في أنه يمتلك كافة عناصر القوة والقدرة على التحكم في الموقف وأن الجانب العربي ليست لديه القدرة اللازمة على رد الفعل الذي يمكن أن يردعه أو يوقفه عن التصعيد الذي يراه ضروريا لتحقيق أهدافه، كما أن الظرف الدولي القائم خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة وتحميل العرب والمسلمين مسئولية هذه الأحداث واعلان الولايات المتحدة الحرب على ما تسميه بالارهاب، هذا الظرف يوفر له الفرصة لتنفيذ مخططه الرامي الى تحقيق العديد من الأهداف الاستراتيجية ذات العائد الكبير وبأقل تكلفة ممكنة، بل أنه يرى أنه مهما بلغت التكلفة المعنوية أو المادية لتنفيذ هذا المخطط فإنها تقل في قيمتها مع العائد المنتظر أو الذي يرى أنه يمكن الوصول اليه. فشارون يرى أنه يمتلك القدرة اللازمة للتصعيد الى مستوى لم يستطع أي طرف من الأطراف تصوره الأمر الذي يسبب ارباكا للأطراف المعنية ويشل قدرتها على القيام بأي رد فعل حتى اذا توافرت لها بعض القدرات على الفعل، وهو ما يتيح له المزيد من حرية الحركة والتصرف. ولاشك في أن شارون قد نجح الى حد بعيد في توفير الظرف الموضوعي على المستوى الخارجي والداخلي بما يجعله قادرا على تنفيذ مخططه، وساعده على ذلك حالة الضعف العربي القائمة، والخلل الواضح في توازن القوى العربي الاسرائيلي، والذي وصل الى أقصى درجاته الايجابية بالنسبة لاسرائيل وهو ما جعله يرى أن الفرصة مواتية بشكل كبير لتحقيق اهدافه. ثانيا: الأهداف التي يسعى شارون الى تحقيقها. يسعى شارون الى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية بالنسبة لاسرائيل ويمكن ايضاحها على النحو التالي: ـ خلق واقع جديد على الأرض يوفر عناصر جديدة من القوة يمكن توظيفها كأوراق جديدة في أي مفاوضات مقبلة. ـ القضاء على البنية التحتية والفوقية لقوى المقاومة الفلسطينية وذلك من خلال اعتقال الشباب المنخرط في قوى المقاومة أو من يمكن أن ينخرط فيها، اضافة الى تصفية قيادات حركة المقاومة الفلسطينية بشتى فصائلها جسديا ومعنويا، فمن لم يتم تصفيته جسديا يتم تصفيته معنويا سواء من خلال اظهار ضعفه أو عدم قدرته على الفعل أمام الشعب الفلسطيني، أو من خلال محاولة احتواء بعض هذه القيادات. ـ السعي الى ايجاد قيادة فلسطينية جديدة وبديلة عن القيادة الحالية بحيث تستطيع أن تقبل بتسوية اسرائيلية للصراع، بعدما ثبت عدم امكانية تحقيق هذا الهدف من خلال القيادة الحالية. ـ اشاعة جو من الرعب والخوف في صفوف المدنيين اضافة الى أوضاع معيشية بالغة الصعوبة الأمر الذي يؤدي الى خلق رأي عام داخلي مضاد لأعمال المقاومة ضد الاحتلال، ومن ثم فهو يراهن في هذا الصدد على أن هناك حدودا لقدرة البشر على التحمل والصمود، ولعل هذا ما يفسر الاجراءات التي تتخذها قوات الاحتلال من قطع المياه والكهرباء، وحظر التجول لفترات طويلة، وعدم السماح بتحرك عربات الاسعاف ومنع وصول الغذاء والدواء الى الأراضي الفلسطينية المحتلة. ـ ايجاد حالة من اليأس والاحباط وتنمية الشعور بالضعف والهزيمة لدى الفلسطينيين والعرب بصفة عامة، الأمر الذي يساعد على فرض تسوية للصراع تقوم على الرؤى والأفكار الاسرائيلية وتحقق بالتالي المصالح الاسرائيلية على حساب العرب، في أي مفاوضات مقبلة باعتبار أن اسرائيل هي الطرف المنتصر والعرب هم الطرف المنهزم الذي عليه أن يقبل بكل ما يقدمه الطرف المنتصر، ولعل هذا ما يفسر هذا الاستعراض الواضح للقوة الذي تقوم به قوات الاحتلال الاسرائيلية على أرض الواقع سواء من حيث الحشد الهائل للمعدات والأسلحة الذي لا يتلاءم مع حقيقة قوة الطرف الذي تستخدم ضده هذه المعدات اضافة الى عمليات الاذلال والاهانة التي يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون أمام كاميرات المصورين لتنتقل الى العالم أجمع عبر الفضائيات. هذه هي أهم الأهداف التي يسعى شارون الى تحقيقها، وهي في حقيقة الأمر أهداف ذات وزن استراتيجي هام بالنسبة لاسرائيل. ثالثا: المنظومة التي يوظفها شارون للوصول الى هذه الأهداف. يمكن أن نحدد المنظومة التي يوظفها شارون للوصول الى أهدافه على النحو التالي: ـ الاستفادة من الأوضاع الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر واعلان الولايات المتحدة الحرب على الارهاب وذلك من خلال الربط بين هذه الحرب وما تقوم به اسرائيل من أعمال عسكرية في الأراضي الفلسطينية، باعتبار أن اسرائيل تخوض حربا مماثلة ضد ما تسميه الولايات المتحدة بالارهاب، ومحاولة ادخال هذه العملية في اطار الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بهذه المسالة. ـ تأمين غطاء دولي لهذه العملية من خلال الدبلوماسية الأمريكية التي تمنع عادة صدور قرارات دولية قد تمثل عائقا أمام اتمام هذه العملية أو من خلال اثارتها لقضايا أخرى في المنطقة العربية كادراج ايران والعراق فيما يسميه الرئيس بوش بمحور الشر، أو توجيه الاتهام لسوريا برعاية الارهاب. ـ خطاب اعلامي ودبلوماسي يشوه حركة المقاومة الفلسطينية وما تقوم به من أعمال استشهادية بطولية كرد فعل على الارهاب الاسرائيلي، والخلط بين أعمال المقاومة والدفاع عن النفس الذي أقرته الشرعية الدولية وأعمال الارهاب، وللأسف الشديد فإن بعض العرب قد وقعوا في هذا الشرك الذي نصبته آلة الدعاية الاسرائيلية الضخمة. ـ ايجاد حالة من التكتل الداخلي والتماسك والوصول الى أقصى درجة ممكنة من الاجماع داخل الرأي العام الاسرائيلي خلف قيادة شارون بالاضافة الى تقوية الائتلاف الحاكم بضم أكثر الأحزاب الاسرائيلية الدينية تطرفا الى هذا الائتلاف لتوفير الأغلبية المطلوبة في الكنيست الاسرائيلي للحفاظ على استمرار الحكومة، وبالتالي قطع الطريق على حزب العمل على القيام بأي محاولة لاسقاط حكومة شارون. هذه الأبعاد الرئيسية للمنظومة التي يوظفها شارون للوصول الى أهدافه. رابعا ـ كيف يتعامل العرب مع هذا الوضع؟ لاشك في أن هذه السياسة الشارونية بأبعادها السابق ايضاحها تفرض على العرب تحديات جديدة، كما أنها تفرض عليهم مراجعة شاملة لمجمل السياسات والأوضاع العربية، من أجل التوصل الى استراتيجية عربية موحدة ومتكاملة لادارة الصراع العربي الاسرائيلي وبداية لابد من ايضاح بعض الحقائق التي استخلصناها من تحليل الموقف الراهن بأبعاده ومستوياته المختلفة لأنها تساعد على التوصل الى بعض الآليات الملائمة للتعامل مع هذا الوضع وذلك على النحو التالي: ـ بالرغم من حجم القوة والعنف الاسرائيلي المستخدم في هذه الحملة الارهابية الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني، إلا أن المبالغة الواضحة في استخدام آلة العنف والدمار الاسرائيلية، قد أسقطت حاجز الخوف من هذه القوة ويرجع ذلك الى صمود الشعب الفلسطيني والأعمال البطولية التي يقوم بها أبناء هذا الشعب دفاعا عن كرامتهم، فقراءة ما يحدث في مواقع العمليات الميدانية توضح أن العامل الرئيسي في هذا التفوق الاسرائيلي هو عامل السلاح إذ أن هذه القوات تواجه مدنيين أو فدائيين مسلحين بأسلحة خفيفة ومن ثم فعنصر عدم التكافؤ هو العنصر الأساسي الذي تعتمد عليه اسرائيل وهو عنصر يمكن علاجه. ـ إن هذه الأعمال الوحشية الاسرائيلية والتي تمثل جرائم حرب وفقا لكل الأعراف والقوانين والشرائع قد أحيت الشعور القومي العربي بدرجة واضحة، وأثارت الانتباه الى خطورة التهديد الاسرائيلي لكل الدول العربية بغير استثناء، ومن ثم فالصراع لم يعد صراعا فلسطينيا اسرائيليا كما حاول البعض توصيفه خلال السنوات الأخيرة الماضية، وإنما عاد الى وضعه الطبيعي السابق كصراع عربي اسرائيلي. ـ أزالت هذه الهجمة الاسرائيلية الشرسة الكثير من الأوهام التي حاولت آلة الدعاية الأمريكية والاسرائيلية ترويجها منذ بدء عملية السلام في مدريد، كالقول بأن الصراع مع اسرائيل هو صراع حدود وليس صراع وجود أو القول بأن اسرائيل ترغب في العيش بسلام مع جيرانها، وأن على العرب الاعتراف لها بهذا الحق، وتوفير الشروط الضرورية لتحقيقه، أو القول بأن القوة ليست هي الوسيلة الملائمة لتحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة، ومن ثم فقد كشفت هذه الهجمة عن عينة مثل هذه المقولات. ـ أوضحت هذه الهجمة الارهابية حقيقة الضعف العربي وأشاعت حالة من الاحساس بالضعف والمهانة، الأمر الذي عبرت الجماهير العربية عن رفضه في كل مكان على الأرض العربية، وهو ما يفرض على النظم العربية القائمة ضرورة مراجعة الموقف من أجل علاج أوجه الضعف والقصور القائمة والكامنة. ـ أكدت هذه الهجمة الارهابية على ضرورة مراجعة أوضاع العلاقات العربية الأمريكية، واعادة بناء هذه العلاقات على أسس جديدة لأن الصديق الأمريكي قد غير حساباته، وكذلك اتجه الى تغيير قواعد اللعبة في المنطقة. ـ ان الأمن القومي قد صار موضعا للتهديد المباشر سواء على المستوى القطري أو على المستوى العام لكل الوطن العربي، وأن مصدر التهديد الأول له هو اسرائيل. ـ ان اسرائيل لا تحترم الاتفاقات والمعاهدات التي توقعها وهو ما يتطلب المزيد من الحذر في ادارة العلاقات مع اسرائيل، ووضع كافة الاحتمالات في الاعتبار، والاستعداد لأي احتمال في المستقبل. هذه هي أهم الحقائق البارزة من خلال تحليل الموقف الراهن وهي تمثل عوامل للتوصل الى رؤية عربية للتعامل مع هذا الوضع في الأمدين القصير والمتوسط، ولاشك في أن الأهداف التي يجب التركيز عليها في الأمد القصير على الأقل من الجانب العربي تتمثل في الآتي: ـ التركيز على افشال مخطط شارون للقضاء على المقاومة الفلسطينية لأنها الورقة الأساسية في الصراع الآن وفي المستقبل. ـ تنظيم الجهود الشعبية وتحويل هذا الحماس الشعبي الجارف الى جهد منظم لدعم الانتفاضة من خلال جمع التبرعات ومواد الاغاثة واستخدام الآليات الحكومية وغير الحكومية العربية والدولية لتوصيل هذه المواد الى الشعب الفلسطيني. ـ خطاب عربي واضح يبين حقيقة الموقف وأن العرب لم يهزموا لأن شارون لم يحارب العرب وإنما وجه آلة حربه الى المدنيين، وأن فشله في تحقيق أهدافه وأهمها الأمن يدل على فشل مخططه، مهما كانت التضحيات العظيمة للشعب الفلسطيني. ـ تحرك دبلوماسي نشط على الساحة الدولية وفي الأمم المتحدة من أجل اصدار قرار من مجلس الأمن يلزم اسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي أعادت احتلالها، وفقا لأحكام الفصل السابع من الميثاق. ـ توثيق جرائم الحرب الاسرائيلية الأخيرة واتخاذ الاجراءات اللازمة لرفع دعاوى أمام جهات الاختصاص في هذا الشأن. ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان