الملف السياسي:اين «البصمة الأمريكية» في دعم استمرار رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون في عدوانه على الشعب الفلسطيني وقضيته، خاصة وعلى الشعوب العربية بقضاياها وثرواتها عامة، وفي تنفيذ خطة تدمير كل شيء، والغاء أي شيء للعودة في الصراع الى نقطة الانطلاق؟ أين «البصمة العربية» في الضغط لمنع انحياز الادارة الامريكية، او كما يقول المنطق السياسي على الاقل: «اذا لم تكن معنا فاللازم ان لا تكون ضدنا؟» .. ومن ذلك الى «البصمات الغائبة» او المغيبة لأوروبا او التكتلات الدولية الأخرى، ومجلس الامن، والامم المتحدة، يبدو الانحياز الامريكي للاجتياح الاسرائيلي الراهن، وكل ما شاكله سابقا، تورطا وشراكة حقيقية من قبل الولايات المتحدة في تصفية القضية الفلسطينية، وتحويل المنطقة الى بؤرة لاستيلاد المزيد من الازمات على اهلها بين فترة واخرى، الى الكثير من الأهداف التي يحاول رئيس الحكومة السابقة في لبنان الدكتور سليم الحصى والامين العام المساعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة، طلال ناجي، البحث عن بصماتها في تحليلاتهما التالية لما يجري اقليميا ودوليا في هذه المرحلة، خاصة بعد 11 سبتمبر. يقول الرئيس الحص: «الغريب ان امريكا، الدولة العظمى التي تقود الحرب على الارهاب منذ احداث 11 سبتمبر المنكرة استأثرت بحق تعريف الارهاب على هواها. فحكمت بلسان رئيسها، على تنظيمات فلسطينية تتصدر الانتفاضة بأنها حركات ارهابية، وهي لم تميز بين مقاومة الظلم والاحتلال وبين الارهاب، صنفت الانتفاضة الفلسطينية ظاهرة ارهابية. لابل هي في واقع الحال ميزت بين المقاومة والارهاب على وجه معكوس، فوضعت المقاومة الفلسطينية في خانة الارهاب، وبرأت ساحة اسرائيل ورئيس وزرائها شارون الذي يعد افظع ارهابي في العالم في العصر الحديث، لا يباريه في ذلك الا هتلر، ولا مشاحة في ان امريكا، اذ قررت التحالف مع افظع ارهابي في التاريخ المعاصر انما قررت عمليا التحالف مع الارهاب تحت عنوان الحرب على الارهاب! وتمر الانتفاضة الفلسطينية المباركة في اقسى الظروف وادقها واخطرها. فاسرائيل قطعت اوصال الساحة الفلسطينية، فلم يعد ثمة اتصال مباشر بين الضفة الغربية وغزة، بل لم يعد ثمة تواصل بشري بين مدن فلسطين وقراها ومخيماتها. الطرق مزروعة بالحواجز العسكرية الاسرائيلية. والحصار الخانق مفروض على مناطق برمتها، وبعضها بات يفتقر الى المواد الغذائية والدواء وسائر ابسط المتطلبات المعيشية. واسرائيل تمعن في قيادات الانتفاضة قتلا، وتداهم الاحياء والمنازل فتلقي القبض على شبان الانتفاضة، وتنكل بهم وتسومهم اشنع اشكال التعذيب، وهي تقصف البيوت وتنسفها فوق رؤوس اصحابها. بات العرب يدركون ان الصهيونية ليست مشروع دولة تقاس مساحتها بالكيلو مترات. لقد دلت التجارب على ان الصهيونية مشروع سيطرة على الارادة العربية، ومن ثم على الثروة والامكانات العربية، لا حدود له، انه مشروع امبراطورية صهيونية اقتصادية سياسية وثقافية. لذلك فان الصمود العربي في فلسطين مرادف للنصر ذلك لان بنية اسرائيل مركبة على فكرة الحسم العسكري السريع، ولا قبل لها بتحمل اوزار حرب طويلة. فهذا النوع من الحروب يهدد البنية الاسرائيلية في الصميم. لذلك كانت كل المواجهات العسكرية العربية ـ الاسرائيلية السابقة حروبا صاعقة. وكانت اسرائيل تخوض كلا من حروبها باعتبارها معركة حياة او موت، معركة مصير. ان خسرت معركة خسرت الحرب والمصير، ولعلها تخوض حرب الانتفاضة بهذه الخلفية، فهي تدرك ان انتصار العرب عليها هذه المرة، ان لم يكن النهاية، فقد يكون بداية النهاية، ان الصمود والنصر في منطق الانتفاضة سيان. الفلسطيني ينتصر بصموده، ومن هنا القول ايضا: اذا انتصرت الانتفاضة، وهي لابد منتصرة باذن الله، فان انتصارها من شأنه تحرير العرب من عقدة الدونية، وهي عقدة جعلت الامة العربية اسيرة الشعور بالتخلف الذي لا فكاك منه، ان تحرير العرب من هذه العقدة سيكون من شأنه استعادة العرب مكانهم تحت شمس النظام العالمي، قديمه وجديده. ويتصرف كثير من الانظمة العربية على قاعدة ان امريكا هي دولة الامر والنهي، وكل همها يتركز على ارضاء ادارة الدولة العظمى وتحاشي اغضابها والرضوخ لارادتها حتى في الحالات التي يبدو جليا ان ذلك ليس من مصلحة العرب عموماً وبلادهم خصوصا اما السيادة فخصوصية جوفاء. واما المصلحة القومية العليا فلا حساب لها في اللعبة الدولية التي تتحكم بها امريكا على نحو شبه مطلق. ومن سوء طالع العرب ان امريكا في عهد الرئيس بوش (الابن)، قررت ان تكون منحازة كليا الى اسرائيل حتى في احتلالها ارضا عربية، حتى في عدوانها على شعب منكوب، حتى في تجاوزاتها وعربداتها التي تنتهك فيها ابسط حقوق الانسان فاذا انتصر الشعب الفلسطيني في انتفاضته، وهو لابد منتصر بعون الله، فسوف يحرر العربي من تبعيته وانهزاميته امام القدر الامريكي. هنا ايضا يخوض الفلسطيني في انتفاضته المباركة حرب تحرير العرب. المقاوم ليس وحده، كل الامة معه، ومن ورائه، قدره انه يخوض معركة المصير العربي، ومن يعي الواقع من العرب لايمكن ان يتخلى عنه ويتركه وحيداً في مواجهة التنين الاسرائيلي. الجديد.. المتجدد امريكيا يتابع الرئيس الحص قائلا: ان الجديد في نظام ما بعد 11 سبتمبر هو تكريس امريكا قطبا احاديا في ميزان القوى الدولية على حساب ديمقراطية العلاقات الدولية التي كانت تتجلى الى حد ما ضمن اطار هيئة الامم المتحدة، فكانت النتيجة تهميش الامم المتحدة ومؤسساتها اذ تجاوزتها امريكا على نحو شبه كلي في الحرب على الارهاب. اما الحالات التي سجلت فيها امريكا مراجعة للامم المتحدة كاستصدار القرار 1373 في مجلس الأمن، فكانت لخدمة حربها على الارهاب وباملاء منها. والجديد ان معيار النصر في حرب امريكا على الارهاب غير محدد، باعتبار ان «العدو»، اي الاصولية الاسلامية، منتشر في عدد كبير من بلدان العالم، فاي البلدان سوف تستهدفها حرب امريكا على الارهاب، واي البلدان ستسلم من هذه الحرب؟ الواضح ان لا قاعدة لمثل هذا القرار. والثابت ان اسرائيل هي دولة الارهاب بامتياز في العالم. مع ذلك فهي من البلدان المستثناه من وصمة الارهاب في الحسابات الامريكية، وفي تحالفها مع اسرائيل تبدو امريكا في المنظار العربي انها حليفة الارهاب فيما هي تقود حربا على الارهاب في العالم. وبات يبدو وكأن امريكا لا تملك رؤية او سياسة حيال الشرق الاوسط، فهناك رؤية وسياسة لاسرائيل تتبناها امريكا. اما اخطر ما يترتب على الحرب المعلنة ضد الارهاب من تداعيات فيرتبط بنجاح اسرائيل نسبيا في استغلالها لتصوير الانتفاضة الفلسطينية بانها ظاهرة ارهابية، وان كل مقاوم فلسطيني هو ارهابي. وبالتالي تسعى اسرائيل الى ايهام العالم ان تصديها البربري للمقاومة الفلسطينية إنما يندرج في سياق الحرب على الارهاب دوليا، وهي ترمي في نهاية المطاف الى اخماد الانتفاضة نهائيا. وفي النتيجة اجهاض القضية الفلسطينية بفرض تسوية لقضية المنطقة لا تلبي طموح الفلسطينيين والعرب، اذا تم لاسرائيل ذلك لا قدر الله، فان التسوية لن تأتي بالاستقرار إلى المنطقة، بل قد يؤدي ذلك الى زلازل تعصف بغير دولة عربية على غرار ما وقع خلال العقدين اللذين اعقبا نكبة فلسطين في العام 1948. وفي ظل هذه الاجواء من عدم الاستقرار سيدفع العرب، ومنهم لبنان، ثمنا باهظا بصرف اموال الاستثمار الى خارج المنطقة، مع ما يستتبع ذلك من اضعاف لحركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها. لكن ثمة جديد اخر يلوح بدوره في الافق وهو احتمال نشوء قوة ثانية تنافس القوة الامريكية، ولو ان هذا الاحتمال اقرب مثالا على المستوى الاقتصادي وابعد مثالا على المستوى العسكري، فأوروبا ستكون على الارجح مصدرا لاعادة بعض التوازن الى الساحة الدولية، بما يلطف او يخفف من غلواء السيطرة الامريكية دوليا. طلال ناجي ووسائل الضغط العربية لكن هذا الترجيح الذي يتحدث عنه الرئيس الحص لا يوافق عليه طلال ناجي «الامين العام المساعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة». الذي يرى ان الولايات المتحدة باتت القوة الاوحد في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حتى مشيرا الى انه: «حتى اوروبا المتحدة لا تعطيها امريكا اي هامش للتعبير عن رأيها او موقفها. نجد احيانا بعض قادة اوروبا ورؤسائها وبرلماناتها وجماهيرها تعبر عن رفضها لهذا التسلط والهيمنة من قبل الولايات المتحدة. لم يلتزم العدو الصهيوني يوما بقرارات الشرعية الدولية منذ العام 1948، نكبة فلسطين، هناك مئات من هذه القرارات صدرت عن الجمعية العامة للامم المتحدة، وعن مجلس الامن الدولي فيما يتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي لكن العدو الصهيوني لم يلتزم باي منها بما في ذلك القرارات الكبرى التي كانت وراءها امريكا واوروبا. المشكلة امريكية، فالولايات المتحدة تكيل بمكيالين، عندما تتعامل مع دولة عربية او اسلامية تريد ان تنفذ قرارات الشرعية الدولية بحذافيرها واحيانا تتجاوز في هذا المؤسسة الدولية الامم المتحدة. فما يجري ضد العراق ليس بقرار من هذه المنظمة الدولية. الامريكيون يستخدمون قرارات مجلس الامن الدولي كغطاء كذلك بريطانيا، لذلك فانهم يتجاوزون هذه القرارات في فرض الحظر على شمال العراق وجنوبه، وضرب العراق بشكل مستمر والتهديد الان بالاطاحة بنظامه، بينما عندما يتعلق الامر بالكيان الصهيوني، اي بربيب امريكا وحليفها، ورأس الجسر لها في هذا العالم، وفي قلب الوطن العربي، نجد ان الولايات المتحدة الامريكية لا تتقاعس عن تطبيق الشرعية الدولية فحسب، انما تناور وتلف وتدور لاقناع دول العالم المختلفة بالتساهل والتراضي وغض النظر عن قرارات هذه الشرعية. المشكلة اذن في الولايات التحدة الامريكية التي تدعي الان بانها قائدة النظام العالمي الجديد، وهي القوة العظمى الوحيد الباقية الان للاسف على المسرح الكوني بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. فيما اوروبا المتحدة ترضخ في نهاية كل امر عند القرار والارادة الامريكيين. لكن في مقابل ذلك، فان للدول العربية للكثير من الاسلحة والاوراق للضغوط على الولايات المتحدة فالنفط العربي يغذي الشريان الاقتصادي الامريكي. والغاز العربي يغذي الشريان الحيوي للولايات المتحدة، والرساميل العربية تغذي البنوك الامريكية، فلو اجتمعت الدول العربية واتخذت موقفا موحدا في الضغط على امريكا فتظهر لهذه الدولة العظمى ان استمرار انحيازها للعدو الصهيوني وتنكرها للقرارات الشرعية الدولية، ولحق الشعب الفلسطيني في البقاء وفي الوجود، انما تعرض مصالحها للخطر مع الدول العربية كذلك تعرض علاقاتها وعند ذلك، فانني متأكد ان الولايات المتحدة ستعيد النظر في موقفها المنحاز بشكل عام لاسرائيل. نحن لا نطالب امريكا بان تقف معنا، بل نطالبها بان تقف على الحياد وان لا تدعم العدو الاسرائيلي في ممارسة غطرسة القوة التي يمارسها ضد شعب فلسطين، ونطالبها بان تقف مع قرارات الشرعية الدولية، والتي هي ايدتها اساسا، ووافقت عليها سواء في مجلس الامن او الجمعية العامة للامم المتحدة، وعندما تقف امريكا هذا الموقف غير المنحاز، والحيادي والمتوازن، او عندما، اذا حلمنا، تمارس دورها كقوة عظمى وتعمل على فرض العدل، عند ذاك يمكنها ان ترغم اسرائيل وتمنعها من استمرار عدوانها على الشعب الفلسطيني، وان تلزمها بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وتمكن الشعب الفلسطيني من حماية حقوقه المشروعة في وطنه، واقامة دولته الوطنية المستقلة.