الملف السياسي: بعد ان التزم الرئيس الامريكي الصمت ازاء العدوان الاسرائيلي عدة أيام لينطق بعدها كلمات المباركة الضمنية وإعلان التفهم التام للموقف الاسرائيلي، مشفوعة بالغضب على الزعيم الفلسطيني وتحميله مسئولية انهيار عملية السلام، واقرار لجوء اسرائيل الى أعمال القتل والتدمير بدعوى الدفاع عن نفسها. وبعد مرور أسبوع كامل على أعنف اجتياح وحشي للمدن والقرى الفلسطينية وابقاء ياسر عرفات حبيس جدران غرفة واحدة معزولة عن العالم بلا ماء أو كهرباء، غيّر الرئيس الامريكي من لهجته تغييرا محسوبا، ليطالب اسرائيل على استحياء بسحب قواتها من المدن التي اجتاحتها، ولم ينس ان ينتهز الفرصة ليكرر ادانته للزعيم الفلسطيني وأن يتهمه بأنه نكث بوعده وخيّب آمال شعبه، وأن يعلن ايفاد وزير الخارجية كولن باول الى المنطقة ليصل اليها بعد انقضاء أسبوع ثان من أعمال القتل والتدمير، ولم يطالب بانسحاب فوري أو يدين أعمال الابادة الوحشية للشعب الفلسطيني. في اليوم التالي وعلى استحياء ومراعاة لمشاعر شارون أعرب عن ثقته في ان اسرائيل ستستجيب لندائه لأنه نداء من صديق، ولم يجد رئيس الدولة العظمى والقطب الأوحد غضاضة في أن يصف شارون بالصديق، ورفع من لهجته قليلا ليطالب بالانسحاب «دون تأخير» العبارة السحرية «الانسحاب الفوري» لا تليق بين الاصدقاء، ولا بأس حتى يستمع شارون الى النصيحة أن يكيل لعرفات جرعة مكثفة من الاهانة، فقط وباول في طريقه الى المنطقة يصبح المطلب الأمريكي هو الانسحاب دون تأخير «على ان يبدأ الآن»، وتترك المهمة الصعبة لمستشارة الأمن القومي لتقول «ان تبدأ اسرائيل في سحب قواتها الآن وليس غداً»، ولا يظن أحد ان المسئولين الامريكيين يعنون الانسحاب الى خطوط 1967 كما تنص قرارات مجلس الأمن، بل هو انسحاب من المدن والقرى الخاضعة للسلطة الفلسطينية والتي اجتاحتها قوات اسرائيل وعاثت فيها قتلا وتدميرا، ومهما علت لهجة الخطاب الامريكي فلابد ان تقترن باظهار التفهم للاجتياح والحاجة الى الدفاع المشروع عن النفس وكيل اللوم للزعيم الفلسطيني الذي يقف حجر عثرة في طريق تصفية القضية الفلسطينية، والذي لا يحسن القيام بمهمة الشرطي النشط، الذي يكبح جماح الانتفاضة ويخنق تطلع الشعب الفلسطيني الى الحرية والاستقلال، ويضمن لاسرائيل الاحتفاظ بالأرض العربية والعيش في أمن وسلام. ما الذي نقرأه في الموقف الامريكي من الارهاب الاسرائيلي الوحشي؟ في تصريح لكولن باول عندما بدأ الاجتياح الاسرائيلي ان العمليات التي تقوم بها القوات الاسرائيلية ستستغرق نحو اسبوعين، وفي أول حديث للرئيس بوش يقر بحق اسرائيل في اجتياح أراضي السلطة الفلسطينية، وعندما مر أسبوع أعلن بوش ايفاد وزير خارجيته الى المنطقة، وتوقيت وصول باول الى اسرائيل يتيح للآلة العسكرية الاسرائيلية الفترة التي تحتاجها لتصفية الانتفاضة وقتل القيادات الفلسطينية، وهكذا لم يعد الأمر في حاجة الى اجتهاد كبير لرؤية «تفاهم» امريكي اسرائيلي، وخطوط التفاهم واضحة، تجتاح اسرائيل المدن والقرى للقتل والتدميروتركيع ارادة الشعب الفلسطيني، وعزل عرفات عن العالم وعن شعبه، وعندما يشتد الاستياء العربي والمناشدات العربية للرئيس بوش بالتدخل يفعل ذلك على مهل وبمراحل زمنية محسوبة، وترفض اسرائيل في البداية ويتحدث المعلقون عن تحديها للولايات المتحدة، وتخفف التحدي وتعلن انها ستبذل جهدها بالتعجيل في أعمال الارهاب والقتل اكراما لخاطر الرئيس الامريكي، ولا مانع ذراً للرماد في العيون ان ترتفع لهجة الخطاب الامريكي، ومن ثم تخف حدة الرفض الاسرائيلي، ويكشف متحدث باسم شارون في برنامج للـ «بي.بي.سي» عن الفصل الأخير للخطة قائلا ان الهجوم الاسرائيلي سيكون قد توقف عند وصول وزير الخارجية الامريكي الى اسرائيل، اسبوعان بالتمام والكمال، مخطط امريكي اسرائيلي متكامل لتصفية الانتفاضة وتصفية السلطة الفلسطينية بضربة واحدة، وحتى لو بقي عرفات حيا ـ وقد حافظت اسرائيل على حياته وقتلت من قتلت من مساعديه ـ فسيكون طبقا لهذا المخطط أكثر مرونة وألين عريكة وأضعف من أن يقاوم ارهابا اسرائيليا وضغوطا امريكية، والأمل ان يوقع على أقل بكثير من العرض السخي المزعوم الذي رفضه في كامب ديفيد قبل ما يقرب من عامين. ومن عناصر هذا التواطؤ الامريكي الاسرائيلي الفاضح اعطاء الفرصة للرئيس بوش ان يرتدي مظهر المستجيب للضغوط الدبلوماسية العربية، هاهو يرسل وزير خارجيته رغم كراهيته الشديدة للزعيم الفلسطيني، وها هم المسئولون الامريكيون يناشدون اسرائيل ألا تمس الزعيم الفلسطيني بسوء، وها هو المبعوث الأمريكي زيني يحصل على إذن شارون بالاجتماع مع عرفات في سجنه، وهكذا تأمل الحكومة الامريكية بتوقيت تدخل باول أن تعطي شارون الفرصة لتنفيذ انتقامه الجنوني من عرفات ومن الشعب الفلسطيني، في الوقت نفسه تنجو من مغبة الغضب الذي اجتاح الشارع العربي، والذي شكل تهديدا حقيقيا بجر المنطقة الى حرب شاملة ستكون المصالح الامريكية من ضحاياها، علامات التوتر والسير نحو طريق اللاعودة بدت واضحة، قرار الرئيس مبارك بقطع الاتصالات مع اسرائيل ـ عدا العلاقات الدبلوماسية ـ رسالة واضحة للحكومة الأمريكية، اشتعال الموقف في جنوب لبنان والاشتباكات مع حزب الله إنذار بتوسيع رقعة المواجهة، وهكذا تجد واشنطن ان مخطط تصفية السلطة الفلسطينية يمكن ان يؤدي الى عواقب لم تحسب اسرائيل أو الولايات المتحدة مداها. من الأبعاد الأخرى لهذا المخطط الامريكي الاسرائيلي الخروج من مأزقين نتجا عن القمة العربية في بيروت، المبادرة العربية الايجابية والجادة لاقامة سلام عادل لشعوب المنطقة ـ بما فيها الشعب الاسرائيلي ـ والاتفاق الاجماعي للدول العربية على رفض التهديد الامريكي بضرب العراق. اسرائيل وجدت في مبادرة السلام السعودية، التي تبنتها قمة بيروت وأصبحت مبادرة عربية تلتزم بها للمرة الأولى جميع الدول العربية، اسرائيل وجدت في هذه المبادرة الشجاعة مأزقا من الصعب ان تفلت منه، لأن شارون، وكثيرين غيره من زعماء ذلك الكيان الاستيطاني المستعمر، لا يريد السلام حقا وفقا للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، بل يسعى دون أن يخفي نواياه لقتل مبدأ الأرض مقابل السلام ونسف اتفاقات أوسلو والقرارات الدولية. والمبادرة العربية لا تترك له ستارا يحتمي وراءه، وأمله ان يؤدي ارهابه الوحشي، الذي تفوّق به حتى على تاريخه الاجرامي، إلى ان يستفز الدول العربية أو بعضها الى إعلان سحب المبادرة، ليجد ذريعة على ان المبادرة غير اجماعية وغير جادة، ورغم أعماله الاستفزازية فقد فوتت حكمة القادة العرب حتى الآن عليه هذه الفرصة، ولاتزال المبادرة العربية ضوءا مسلطا أمام العالم على شارون يكشف رفضه للسلام، حتى الولايات المتحدة لم تجد بداً من ان تعلن ترحيبها بالمبادرة. المأزق الثاني الذي تواجهه الولايات المتحدة واسرائيل نتيجة لقمة بيروت هو الاجماع العربي على رفض توجيه ضربة امريكية للعراق، لا أمل في ان تحصل واشنطن على غطاء عربي لضرب العراق مهما قدمت من حجج وأدلة على ما تدعيه من تطوير بغداد لأسلحة الدمار الشامل، ولاشك ان هذا الموقف العربي أثار استياء الرئيس الأمريكي، والرسالة التي يريد الرئيس الامريكي ان تصل الى القادة العرب ـ من خلال موقفه المتواطيء مع الاجتياح الاسرائيلي ـ هو ان الصراع العربي الاسرائيلي ليس من أولويات السياسة الامريكية، ولا مانع لديه أن يطلق يد اسرائيل لتفعل ما تشاء بالفلسطينيين، الأولوية الامريكية هي ضرب العراق والقضاء على أسلحة الدمار الشامل، وسيطلق يد اسرائيل للتنكيل بالشعب الفلسطيني، وفي حساباته ان الشعوب العربية لن تستطيع ان تفعل شيئا سوى الاحساس بالعجز والمهانة، وسيكون ذلك عقابا لها على انكار الغطاء العربي لضرب العراق، ولم يلجأ الرئيس الامريكي في تصريحاته حول العراق الى مواربة أو دبلوماسية، يعلن صراحة ان سياسة الحكومة الامريكية هي تغيير نظام الحكم العراقي، لماذا؟ لا دبلوماسية ولا تنميق، العراق لديه أسلحة دمار شامل ويمكن ان يستخدمها ضد اسرائيل، لذلك لابد من القضاء على هذه الأسلحة وتغيير الحكومة العراقية حتى لا تشكل خطرا على اسرائيل. ومن الأبعاد الأخرى للموقف الأمريكي من المذابح وحرب الابادة التي يشنها شارون ضد الشعب الفلسطيني ان الرئيس بوش لا يزال يعيش تحت غمامة أحداث سبتمبر الماضي، اكتشف شارون صيغة يؤثر بها على موقف الرئيس الامريكي، أحداث سبتمبر كانت هجوما ارهابيا اجراميا فاجأ الرئيس الامريكي كما فاجأ العالم ومن الطبيعي ان يترك في أعماقه إدانة وكراهية لأعمال الارهاب واستعدادا فوريا للرد الحاسم، وقد نجح شارون بمساعدة الضغوط والمؤثرات اليهودية على الرئيس الامريكي أن يصور المقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها، خاصة العمليات الاستشهادية، على انها أعمال ارهابية من نفس طبيعة الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر، لذلك من الطبيعي ان يقر الرئيس الامريكي بحق اسرائيل في ان تفعل ما تشاء رداً على هذه الأعمال، الرئيس بوش يغلق أذنيه تماما عن أي تفسير لهذه الأعمال بأنها تعبير عن يأس شعب طالت به السنين في حياة المذلة والهوان تحت نير احتلال اسرائيلي لا يرحم، ومن تصريحاته ذات الدلالة المهمة في الكشف عن رؤيته رده على سؤال في حديث مع شبكة الـ «آي.تي.في» البريطانية: أليس الاحتلال هو الآخر نوعا من الارهاب؟ الرئيس بوش يرفض هذا تماما ويصفه بأنه نوع من التماس المعاذير، الأعمال الفلسطينية ارهاب «لأنهم يكرهون اسرائيل»، والرئيس بوش يطالب الدول العربية أن تمنع وسائل الإعلام من تمجيد الأعمال الانتحارية ووصفها بأنها أعمال استشهادية. والمتحدثون الاسرائيليون باسم شارون يعزفون على هذه النغمة قائلين: لماذا أقر العالم حملة بوش ضد طالبان في أفغانستان وينكر علينا حملتنا ضد من هم «طالبان» لدينا؟ وهكذا تتضح أبعاد مخطط يسعى منه شارون الى تصفية السلطة الفلسطينية ووأد الانتفاضة وازالة اتفاقات أوسلو من ذاكرة الصراع واستفزاز القادة العرب بهدف سحب المبادرة السعودية، ويسعى منه الرئيس بوش الى تذكير الدول العربية باستيائه من قرار قمة بيروت برفض الضربة الامريكية التي يتوعد بها العراق. ـ كاتب مصري