كانت المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية ولا تزال مقابر للقوات الاسرائيلية، الأزقة الضيقة الملتوية والبنايات المتلاصقة المكتظة بالسكان كانت مخبأ مثالياً للمقاومين، والقوات التي تتسلل سيراً على الأقدام لصعوبة توغل العربات المدرعة تواجه خطر الاصطياد. هذه الأماكن تشكل بؤرة مقاومة اسرائيل، اطفال المخيمات يرددون الأهازيج الوطنية وشعارات المقاومة من قبل أن يتقنوا مبادئ الكلام، الصور الشخصية لقادة حماس الذين تم اغتيالهم تزين الجدران جنباً إلى جنب مع صور الشهداء والاستشهاديين الذين فجروا أجسادهم الفتية. ومع ذلك، وحتى قبيل الكمين الذي أوقع ثلاثة عشر قتيلاً وسط جنود الاحتياط أمس الأول، كان القادة الاسرائيليون يهنئون أنفسهم، إذ اعتبروا أنفسهم قد اجتاحوا عرين الأسد، ويخوضون حرباً شعواء بمعسكري بلاطة وجنين وقتلوا عشرات الفلسطينيين، وبينهم رجال مقاومة مسلحون ولكن من بينهم مدنيون عزل ايضا، ولقد جرحوا المئات وأحالوا مثلهم إلى قلب الفجيعة ودمروا البنايات واعتقلوا المئات ومنعوا عنهم الامدادات الطبية والغذاء، بل واستخدموهم دروعاً بشرية. وبرغم كل هذا تكاد خسائر القوات الاسرائيلية لا تذكر، وبدت سعيدة بأدائها الممتاز، ولكن الاسرائيلي العادي الذي أدخل الانفجار الذي حصد أكثر من سبعة وعشرين قتيلاً بأحد المطاعم الرعب في روحه بدأ يتساءل عن نجاح الهجوم الذي أطلقوا عليه عملية «السور الواقي» ولم تجد التقارير الصحفية حول جثامين الفلسطينيين التي تراكمت وسط الأزقة والشوارع اهتماماً يذكر. وهكذا تبدلت الصورة فحتى الأول من أمس فقدت قوات الدفاع الاسرائيلية ثلاثة عشر جندياً فقط خلال أحد عشر يوماً حشدت خلالها 30 ألف جندي ونحو ألفي دبابة، لقد تم ادارة العملية بنجاح، من وجهة النظر العسكرية على الأقل. ولكن هذه القوات فقدت ثلاثة عشر عنصراً في كمين واحد، وهو أكبر عدد منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، لقد كان ذلك من اسوأ أيام الجيش الاسرائيلي في التاريخ القريب. لم يكن الحادث الضربة العنيفة الأولى للجيش الاسرائيلي، فقد تم تفجير دبابة ميركافا بلغم في شهر فبراير، وتكرر الأمر نفسه مرة أخرى ما دمر سمعة الدبابة، ووقع الاسرائيليون في حيرة عندما تم قتل سبعة جنود في الثالث من مارس، ولقد اصابتهم رصاصات أطلقها قناص كان يستخدم بندقية قديمة يعود تاريخ تصنيعها للحرب العالمية الثانية. وبالرغم من منعة وحدات الجيش النظامي الاسرائيلي، إلا ان هناك شكوكاً حول منعة والتزام جنود الاحتياط، فقد وقع نحو 400 منهم على وثيقة يرفضون فيها العمل في المناطق المحتلة مدعين ان الاحتلال مفسدة لبلدهم. وقبل انفجار عيد الغفران، فان مقتل ثلاثة عشر جندياً كان يمكن أن يثير اعتراضات واسعة ضد استراتيجية شارون التي تستهدف استخدام القوة العسكرية لتعزيز قبضة اسرائيل على معظم مناطق الضفة الغربية وتحطيم مؤسسات الدولة الفلسطينية. ولكن المؤشرات تدل على أن مقتل الجنود الثلاثة عشر لن تغير الموقف المتشدد داخل اسرائيل، وقد أكد شارون ان الحادث يشكل تهديداً كبيراً يدفعه للمضي قدماً في عدوانه، متجاهلاً الضغوط والنداءات الدولية. وانضم جاك سترو وزير الخارجية البريطاني الى نظيره كولن باول مطالباً بالانسحاب الفوري، ووصف الانسحاب الاسرائيلي بأنه انسحاب تمثيلي في مدينتين بينما تتوغل القوات الاسرائيلية في مدن أخرى بأنه «ليس جيداً بما يكفي». لقد جاء كمين جنين لطمة قوية في وجه اسرائيل وحطم معنوياتها، وتجلى هذا في ممارسات جنودها الذين منعونا من دخول المدينة لنقف على ما حدث، وأخرجونا من داخل السيارات وأيادينا مرفوعة إلى أعلى ومدافع الدبابات موجهة نحونا، «عفواً» قال أحد الجنود، ولكن هذا ليس يوماً طيباً.