يقول المحلل الاسرائيلي المعروف داني رونشتاين انه من دون جهاز الامن الوقائي بقيادة العقيد جبريل الرجوب ليس هنالك جهاز امن فلسطيني، ومن دون هذا الجهاز لا توجد سلطة فلسطينية. ولذلك فان مصادر عديدة من المراقبين وفي مقدمتها مصادر فلسطينية تتساءل عن نجاة العقيد جبريل الرجوب من القتل او فرض الحصار عليه كما حصل لقائده الاعلى عرفات؟ وفي يوم الاربعاء الماضي، وعبر هاتف نقال اتصل العقيد جبريل الرجوب مع فضائية عربية ووسائل اعلام غربية وعربية مستنجدا وطالبا الدعم العالمي والعربي لوقف المجزرة التي ترتكبها القوات الاسرائيلية في مقر قوات الامن الوقائي الفلسطينية في الضفة الغربية، والغريب ان هذا الرجوب قائد تلك القوات لم يكن بين جنوده. وانما كان يتحدث من مكان مجهول ولايزال الى اللحظة، ربما اسرائيل وحدها تعرفه. مقر جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في الضفة الغربية الذي اقيم في بلدة بيتونيا القريبة من رام الله، بني بدعم امريكي مالي وزود باحدث اجهزة الاتصال المتطورة، وهو كان الجهاز الأهم في ممارسة القمع ضد الفلسطينيين منذ اقيمت السلطة الفلسطينية بعد اوسلو خصوصا في الضفة الغربية، حيث في غزة جهاز العقيد محمد دحلان الذي يعمل في شكل مواز. في هجوم القوات الاسرائيلية الاربعاء الماضي على مقر الرجوب في اطار العمليات العسكرية الراهنة لم يتم اعتقال الرجوب او قتله او محاصرته، لا هو ولا أي من مساعديه وكبار ضباطه، الذي تم هو ان القوات الاسرائيلية اعتقلت معتقلي الرجوب من ابناء الشعب الفلسطيني المنتمين الى حركات وفصائل عديدة من حماس الى الجهاد الاسلامي وغيرهما وبلغ عدد المعتقلين اكثر من مئتين. وبالطبع فان الجيش الاسرائيلي دمر المباني الفخمة والاجهزة المتقدمة التي كان يحوزها جهاز جبريل الرجوب، وليلتها كان العقيد يستصرخ العالم لانقاذ مساعديه وكادر الجهاز وعائلاتهم وانقاذهم من الحصار الاسرائيلي، وقالت المصادر الاسرائيلية انه لم يعتقل احد من عناصر الامن الوقائي التابعين للرجوب او من عائلاتهم فهم جميعا كانوا آمنين في منازلهم، فالجيش وجد فقط هنالك معتقلي الرجوب. والرجوب ، حسب مصادر فلسطينية، منذ تولت السلطة مهماتها، كعادته العقيد محمد دحلان في قطاع غزة، مارسا عمليات احتجاز واعتقال وقمع، كما لم تمارسه اية سلطة ديكتاتورية في العالم الثالث، والعقيدان كان لهما القرار النهائي في تحديد مصير وقدر أي انسان فلسطيني بينما اجهزة الاخرى تمارس شئونا اخرى ابرزها الفساد الاداري والمالي. ولد الرجوب في العام 1953 في بلدة دور من بلدات محافظة الخليل في جنوب الضفة الغربية، ونشأ منتميا الى حركة «فتح» التي يتزعمها عرفات، وقيل انه شارك بهجمات لم تؤد الى قتل أي اسرائيلي، ودخل السجن في العام 1970 بتهمة القاء متفجرة ضد دورية اسرائيلية ولم يصب احد في العملية. واذ ذاك، حكم عليه بالسجن المؤبد، ولكن الحكم خفف لاحقا من جانب محكمة اسرائيلية الى 17 عاما تعلم خلالها عقيد المستقبل اللغة العبرية وفنون الكلام مع الاسرائيليين، وهو في السجن كتب مذكراته النضالية على طريقة ادولف هتلر ولكن في شكل مغاير وهو كتاب لم يقرأه الكثيرون. والغريب انه تم الافراج عن الرجوب في الصفقة التي تمت مع احمد جبريل زعيم الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة الموالية لسوريا في العام 1985 ، وليس مع حركة فتح ، ومن هنالك انطلق الى رام الله للعيش وعمل موظفا بسيطا في بيت الشرق الذي كان يشرف عليه المناضل والثائر المعتدل الراحل فيصل الحسيني. ويقال ان الرجوب عاد الى العمل السري في اطار حركة فتح الامر الذي دعا السلطات الاسرائيلية الى طرده من الاراضي المحتلة في العام 1987 حيث توجه كأي فلسطيني مطرود الى الاردن ، ثم الى تونس، وهناك حيث كان مقر القيادة الفلسطينية برز الرجوب مرة اخرى كواحد من اقرب المقربين الى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. يذكر ان الختيار صفع الرجوب على وجهه قبل اسبوعين، ولرب صفعة اضاعت موقع زعامة سلطة وطنية. وحين عاد عرفات بعد اتفاقية اوسلو لحكم 12 بالمئة من الاراضي الفلسطينية، اولى مهمة الأمن الوقائي في الضفة الغربية بطولها وعرضها وثورتها وانتفاضتها الاولى وصبرها على احتلال 34 عاما الى الرجوب ومنحه رتبة العقيد، وهو لم يدخل كلية عسكرية او شرطية او جنائية ولم يكمل أي تعليم ثانوي. وحين تسلم المهمة وهي الأهم في الهرم الفلسطيني، عمد الى تعيين زملاء السجن القدامى الذين تعلموا معه اللغة العبرية، في مواقع المسئولية عن الجهاز للقيام بدور حفظ الامن وتوفير الولاء للسلطة الجديدة بقيادة عرفات، يلاحظ ان هؤلاء جميعا على ما يعرف تربوا على النمط الاسرائيلي في التعامل مع الغير. وكانت اول مهمة للعقيد الرجوب مع جماعته في اريحا، حيث انيطت بهم حراسة اول كازينو في الدولة الجديدة، وكانت نظرية الرجوب ان الكازينو سيوفر مبالغ مالية كبيرة ستصرف على الجهاز. واذ الكازينو كان من رواده اسرائيليون وامريكيون وعرب اثرياء وكذلك فلسطينيون، فان الرجوب استطاع تأمين المبالغ اللازمة، كما أمن دعما امريكيا لاقامة اضخم مبنى امني في المنطقة في بيتونيا. وحين تيسر له المال، والمبنى الفخم والدعم الاسرائيلي والامريكي في الاتصالات بدأ الرجوب يعيث فسادا وقمعا ضد مواطنيه، كما عبرت عن ذلك مصادر فلسطينية. عناصر الرجوب، الذي قالت تلك المصادر انه شريك لاسرائيليين في اكثر من مشروع استثماري، مارسوا اكثر من عمليات العسف والقمع الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، الاسرائيليون يقتلون نعم، ويعتقلون نعم. ولكن لم يذكر أي تقرير فلسطيني او عالمي انهم فعلوا كما فعلت اجهزة الرجوب في السطو على سيارات المواطنين الفلسطينيين او سرقة مصوغات النساء الفلسطينيات الذهبية والسطو على المتاجر ومحال الصرافة وفرض ضريبة الحماية اضافة الى الاتجار بالسلاح. كل هذا كان يحدث بعيدا عن انظار الختيار الذي كان مرتاحا لحرس الشرف والحراسات والسلام الوطني والسفرات الخارجية التي لم تكن تعد ولا تحصى واستقبال زعماء الارض في حكومة غزة وعلى رأسهم بيل كلينتون. وحين ضمن العقيد الرجوب الغطاء الامني والاقتصادي وصار جهازه الأكثر تنظيما في اجهزة السلطة الفلسطينية فهو من ذلك المبنى الضخم والفخم ايضا صار يتمرد على قرارات القيادة واحرجها عشرات المرات امام العالم وامام الجوار العربي وامام اسرائيل ايضا. وحتى يحافظ على المنجزات الطارئة، لمستقبل يحوز فيه على كل شيء بما في ذلك خلافة الختيار الكهل المريض بالرعاش العصبي، فانه اصدر اوامر خاصة الى عناصره وخصوصا الأقوياء منهم بعدم مواجهة أي قرار اسرائيلي، هذا القرار كان يعد تحديا لسلطة رئيس السلطة والذين من حوله من حساد العقيد الرجوب ولعل من الحساد العقيد محمد دحلان الذي تحصل على اقل مما تحصل عليه نده في الضفة. يذكر ان الضفة اغنى من غزة، وهي ايضا الاقرب الى الاتصال مع الخارج ومع الداخل الاسرائيلي ايضا، اضافة الى ان الرجوب كان يلعب وحده بينما دحلان كان يتصرف بقرارات تحت بصر وسمع عرفات لحظة بلحظة. بالمقابل ، وحسب مصادر فلسطينية واسرائيلية، فان الجيش الاسرائيلي قدم مكافأة للحليف العقيد الرجوب وكانت مجزية، فشن حملات ضد جميع القوى المحيطة بعرفات، وهو انهى دور القوة 17 المعنية بحراسة الرئيس، وهي كانت تهدد مصالح الرجوب، وهذه القوة الآن اصبحت اثرا من بعد عين وخصوصا في العمليات الاخيرة. وأخيرا، فان العقيد الرجوب ومعه عقداء وجنرالات فلسطينيون آخرون ، وكذلك مجموعة من الموظفين المدنيين الذين يعتبرون وزراء في السلطة وهرماً متطاولاً من ورائهم مدنيون وعسكريون نجوا من العمليات الأخيرة، بينما يحاصر عرفات ويتهم بالارهاب وتمارس اسرائيل مهمة تدمير بنية المقاومة الفلسطينية تحت شعار محاربة الارهاب ، أليس هذا يثير تساؤلا كبيرا حين يكون الكلام عن خلافة الرئيس عرفات كما تطالب اسرائيل؟ ايلاف