بيان الاربعاء: تتمثل النتائج الخطيرة لهجرة الكفاءات العلمية في فقدان الوطن لامكانات هذه الكفاءات العلمية والفكرية والتربوية التي انفق اعلى تعليمها واعدادها اموالا وجهودا كبيرة، حيث تؤدي هذه الهجرة لاعاقة عملية التقدم، وابطاء حركة التنمية واضعافها، والى ابطاء عملية الانتاج العلمي والتكنولوجي. وتزايدت هجرة العقول العربية في العقود الثلاثة الاخيرة لاسباب كثيرة منها عدم توفير الظروف المادية والاجتماعية التي تؤمن مستوى لائقا من العيش بالاضافة الى ضعف الاهتمام بالبحث العلمي وعدم وجود مراكز البحث العلمي المطلوبة، الى جانب المشاكل السياسية والاجتماعية وعدم الاستقرار التي تعاني منها اقطار عربية مختلفة، وقدرت خسارة العرب بسبب هجرة العقول العربية بـ 1.57 مليار دولار سنويا كما ورد في دراسة حديثة صدرت في دمشق وجاء في التقرير انه وفي الوقت الذي تدفع فيه الاوضاع المعيشية والعلمية والاجتماعية الى هجرة الادمغة العربية، فان دول الغرب والولايات المتحدة تسعى لاستقطاب هذه الادمغة من خلال تقديم الاغراءات المادية والحياتية الكبيرة، لكي توظفها في خدمة البحث العلمي والصناعي، وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة هذه الدول التي تسعى بجميع الوسائل للاحتفاظ باللامعين من العقول الاجنبية المتخرجة من جامعاتها، لمجرد كونهم حصلوا على تعليمهم الجامعي في الجامعات الامريكية، وتطالب بعض الفعاليات السياسية الامريكية بزيادة قيمة الحصول على بطاقة الاقامة «جرين كارت» للمتخرجين في التقانة العالية من تسعين الفا في عام 1998 الى 150 الفا في عام 1999 و 210 آلاف في عام 2000م. وتمثل الولايات المتحدة اول دولة تستنزف دول العالم بما فيها الدول المتقدمة فقد بلغت الهجرة من كندا الى الولايات المتحدة 17 الفا ووصلت الان الى تسعين الفا، مما استدعى من الحكومة الكندية البحث عن السبل الكفيلة بوقف نزيف هذه العقول. واذا كانت الدول التي تشهد هذه الهجرة تحقق فائدة من تحويلات المغتربين في الخارج الى ذويهم، وقد تصل هذه العائدات الى مبالغ كبيرة كما هو الحال في اليمن ومصر ولبنان، فإن سلبيات هذه الهجرة تبقى اكبر بكثير، ويحاول البعض ان يرى في هذه الهجرة حلا لمشاكل البطالة في هذه البلدان، خاصة وان هناك صعوبة من قبل هذه البلدان في توفير العمل المجزي للعلماء والخبراء بسبب تخلف مستوى البحث العلمي في البلدان النامية، وعجز الاقتصاد الوطني عن استيعاب جميع الكفاءات العلمية. وكما هو واضح في هذا الرأي فإن ثمة عدم فهم وادراك كاف لخطورة هجرة العقول، ليس فقط من قبل الحكومات العربية، ولكن من قبل المجتمع العربي ككل، فعلى الرغم من وجود صعوبات كبيرة في امكانية استعادة هذه العقول وهذه الكفاءات ليستفيد منها الوطن، فان هناك امكانية للاستفادة منها ومن قدراتها المتميزة في عملية التنمية والتطوير التربوي والصناعي والثقافي وذلك عبر ايجاد صلات مستمرة ودائمة بين الوطن الام وهذه العقول والخبرات، واستقدامها لزيارة وطنها وتقديم الرأي والخبرة والاشراف على مشاريع التطوير العلمي. ان هذا المسعى يجب ان ينطلق من ادراك ان هذه العقول العربية في بلدان الهجرة تمتلك امكانيات تقنية وعلمية وتربوية كبيرة ولديها الرغبة والاستعداد لتقديم خبراتها ومعرفتها للمساهمة في خدمة وطنها وهذه سمة مميزة للعقول العربية على العكس من الهجرات الاسيوية والامريكية اللاتينية وحتى من اوروبا الغربية. وفي هذا الاتجاه لابد من العمل على اتخاذ اجراءات جديدة في مقدمتها اقامة بنك معلومات للعلماء العرب في بلاد المهجر يتضمن معلومات عن تخصصاتهم واعمالهم العلمية ومواقع عملهم، كذلك يجب التعاون مع العديد من اساتذة الجامعات العرب العاملين في الجامعات الامريكية والاوروبية للمشاركة في الاشراف على رسائل الدكتوراة والماجستير لطلبة الدراسات العليا، ودعوتهم للمشاركة في لجان التحكيم، كما يمكن دعوة عدد منهم كأساتذة زائرين للتدريس في كليات الجامعات العربية وللمساهمة في مشاريع البحث العلمي مع الفرقاء المحليين وهذا يتطلب ان يكون هناك مشاريع للبحث العلمي اولا. ويمثل خلق مراكز البحث يمثل اللبنة الاولى في جذب العلماء المغتربين وللاحتفاظ بالكوادر العلمية الوطنية المحلية، وبالتعاون مع البلدان العربية الاخرى عبر منظمات الجامعة العربية يمكن وضع الاستراتيجية والسياسات العربية للاتصال بالعلماء والتقنيين العرب في الخارج لحثهم على العودة الى اوطانهم، او المشاركة في برامج الانماء الوطنية والعربية، لكن ذلك يحتاج قبل كل شيء الى وجود هذه البرامج والمشاريع وبعد ما شهده العام بعد احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة فان الظروف التي يواجهها المغتربون العرب هناك باتت ملائمة لدعوة هذه العقول للعودة الى اوطانها للعمل في مؤسساتها العلمية والبحثية والانتاجية. كما انها مشجعة على عودة الرساميل العربية العاملة في الخارج بتوظيفها في الوطن العربي الذي يحتاج اليها في عمليات التنمية والتطوير التي يتطلبها، وهذا يحتاج الى مبادرة عربية مشتركة من خلال بعض المنظمات المختصة بهذا الشأن على طريق تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، وفي اطار مشاريع عربية اقليمية يمكن للجامعة العربية ان تتبناها، وكذلك الامر في مشاريع قطرية ذات صبغة انتاجية وتقانية وعلمية. ويمكن ان يبدأ هذا التوجه عبر مشاريع تكنولوجية تحتاج الى اقل قدر من الاستثمارات الجديدة، وتعطي عائدا اكبر، على ان يتم توزيع المسئوليات والميادين العلمية والتكنولوجية على جميع القطاعات الاقتصادية والعلمية والتربوية، وبذلك يمكن الاستفادة من هذه العقول، لكن يبقى اولا ايجاد مناخ الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وايجاد فرص الحياة والعمل المجزية التي تليق بهذه الكفاءات والعقول هي الاساس في ربط هذه العقول ببلدانها لكي لا تشكل نزيفا دائما ومستمرا وخسارة لا تعوض بالنسبة للبلدان العربية.