بيان الاربعاء:ارتفعت حدة التوتر في مختلف قطاعات الحياة بالجزائر بما يهدد حسب تقييم المراقبين السياسيين باضطرابات واسعة تهز المجتمع والطبقة السياسية في انحاء الجزائر، وتأتي تلك المخاوف في اعقاب عودة المواجهات الى العشرات من مدن وقرى القبائل وشن اساتذة الجامعات والمدارس وقطاعات مختلفة اضرابا عاما. وتسجل تفجيرات واغتيالات ومجازر يومية في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة الى مبررات القلق العام مثل ندرة مياه الشرب وانتشار الظلم والرشوة وما إليها من الآفات التي استفحلت في السنوات الأخيرة. وأصبحت البلاد تعيش ما يشبه فوضى عامة يخشى المراقبون أن تتحول الى انفجار اجتماعي عملاق على شاكلة ما حدث عام 1988 حين تحولت البلاد من أقصاها الى أقصاها الى ساحة عصيان ومواجهات، مع فرق جوهري أن الدولة كانت وقتها تتمتع بسلطة في المجتمع هي غائبةاليوم. وتتجلى مؤشرات هذا الانفجار في الوضع الذي وصلت اليه القبائل بعد عجز كل الأطراف على إيجاد أرضية عمل مشتركة تنهي نحو عشرة أشهر من المواجهات خلفت حتى الآن أكثر من سبعين قتيلا وألفي جريح ولا تزال القائمة مفتوحة. فقد تجددت الاضطرابات في ولايات تيزي وزو وبجاية و بومرداس و البويرة وسقط ـ حسب حصيلة غير كاملة ـ قتيل و53 جريحا فيما تواصلت المشادات أمس واستخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية لتفريق المتظاهرين ماجعل المراقبين يخشون من انزلاق المنطقة الى ما كان عليه الوضع في الربيع الماضي حيث كان الموت بالرصاص يتكرر كل يوم. وأشارت التقارير الى أن مئات من رجال الدرك والشرطة احتلوا الأماكن الحساسة في المدن والقرى لمنع تنظيم تجمعات اعتصام كانت هيئة العروش قد دعت إليها قبل أيام احتجاجا على ما اعتبرته «تمادي السلطة في تجاهل مطالب السكان الثقافية والديمقراطية والادارية» وأعادت المواجهات التي استخدمت فيها القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي من جهة والرجم بالحجارة والزجاجات الحارقة من جهة أخرى الى الأذهان صور الخراب الذي أحدثته المشادات في الربيع والصيف الماضيين. وسجل أول قتيل في صفوف الدرك الوطني ببلدة الناصرية في ولاية بومرداس بعدما دهسته حافلة. ويعتقد الملاحظون أن اندلاع المواجهات منجديد يشكل تحديا آخر أمام مساعي الرئيس بوتفليقة لتقويض الأزمة وتوفير فرص التقارب بين النظام وسكان القبائل، ويؤجل الى تاريخ غير مسمى تحقيق الدعوة التي أطلقها مؤخرا للحوار حول آليات التسوية وفق برنامج المطالب الذي قدمه السكان. وعلى صعيد آخر نظم أساتذة الجامعات اضرابا وأكد رئيس المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي وهو هيئة ذات طابع نقابي أن المفاوضات مع الوصاية لم تصل الى نتائج مرضية. وتتمحور مطالب الأساتذة حول رفع المرتبات وتحسين شروط العمل وحل أزمة السكن التي يعاني منها آلاف منهم. ونفذت النقابة الوطنية لعمال قطاع التعليم شن إضراب عام في جميع المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية بعد فشل المفاوضات التي جرت الاثنين الماضي مع وفد عن وزارة التربية الوطنية قاده الوزير أبو بكر بن بوزيد في الوصول الى اتفاق بشأن مطالب النقابة المتعلقة برفع الأجور. وكان مسلسل الإضرابات سيكون أكثر وقعا لو لم تستجب وزارة الصحة بصفة عاجلة للمطالب التي رفعها الأطباء في لائحة أعلنوا فيها الدخول في إضراب مفتوح بدءاً من الأسبوع المقبل. وقد تمكن البروفيسور عبد الحميد أبركان من امتصاص غضب الأطباء بالتعهد بحل كافة المشاكل المطروحة. وشهدت الساحة الأمنية من جهتها تصعيدا خطيرا في جميع مناطق البلاد بتنفيذالجماعات الارهابية سلسلة من العمليات وسجلت في ولاية جيجل الواقعة على الساحل الشرقي عشرة تفجيرات في أسبوع واحد خلفت ستة قتلى و 18 جريحا في صفوف المدنيين ونفذت مجموعات ارهابية عمليات بمناطق ريفية في ولايات البليدة والمدية وتيزي وزووالبويرة وبومرداس و تبسة وقسنطينة وعين الدفلة وقتلت 16 شخصا من بينهم أربعة من قوات الأمن. فيما جند آلاف من الجنود ومعدات ثقيلة ومروحيات لمواجهة الوضع بتمشيط عدد كبير من المناطق الحضرية والريفية على السواء. وسجلت أطراف من الطبقة السياسية و وسائل الاعلام تخوفها من العودة الاستعراضية لأتباع جبهة الانقاذ الى تنظيم مظاهرات في الشارع ومن مشاركة الإرهابيين «التائبين» التابعين لجيش الانقاذ في النشاط السياسي الداعي لإعادةالاعتبار للجبهة المحظورة منذ فبراير 1992 وكانت أهم مظاهرة في هذا الشأن قد نظمت بمدينة قسنطينة شرق البلاد بمناسبة تشييع « تائب » اغتاله مجهولون بالرصاص. وتستعد تنظيمات من المجتمع المدني معظمها شبابية وطلابية ونسوية لتقديم مذكرة الى الرئيس بوتفليقة تدعوه الى منع عودة الأسباب التي ولّدت الارهاب في الجزائر والى فرض الالتزام ببنود الاتفاق الموقع مع جيش الانقاذ الذي يحرم على أعضائه العودة الى العمل السياسي. وهذه العريضة شبيهة بتلك التي رفعتها «لجنة انقاذ الجزائر» المشكلة من النقابات والجمعيات المدنية والشخصيات، الى الرئيس الشاذلي بن جديد وقيادة الجيش في يناير 1992 تدعو فيهاالى وقف المسار الانتخابي الذي كان سيمنح الحكم لجبهة الانقاذ. ويسود القلق من سياسة الأمر الواقع التي يريد أتباع جبهة الانقاذ فرضها في هذه الظروف التي تواجه فيها السلطة تحديات كبرى على جبهات عديدة. وتكون هذه العودة الى الميدان ناتجة عن وصايا الرجل الثاني في الحزب علي بن بلحاج الذي أمر أتباعه بعدم دخول «اللعبة الانتخابية» على قوائم الأحزاب الأخرى وتوجيه كل جهودهم للعمل على إحياء الجبهة وعودتها الى ما كانت عليه قبل حلها أكبر أحزاب الجزائر. في ظل جو التوتر هذا إذن يستعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لاستدعاء الهيئة الانتخابية والدخول في مرحلة الإعداد التقني والإداري للانتخابات التشريعية التي يرجح أن تجري في مايو المقبل. ومع أن الموعد حالة ديمقراطية يفترض أن يرحب بها الجميع لو جاءت في الظروف العادية فإن أوساطا سياسية واسعة ترى أن إجراءها حاليا لا يشكل فقط مجرد تلميع للوضع القائم بل مغامرة غير محسوبة العواقب خاصة مع امتناع القبائل عن المشاركة.