بيان الاربعاء: دار كثير من الجدل اثناء وعقب الجولة التي قام بها نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني في المنطقة والتي اخذته الى تسع دول عربية بجانب تركيا واسرائيل وكان ابرز ما وسم تلك الجولة عدم موافقة هذه الدول ـ عدا اسرائيل بطبيعة الحال ـ على توجيه ضربة عسكرية ضد العراق. وفشلت محاولات تشيني في اقناع قادة الدول العربية بالذرائع التي ساقها لضرب العراق وكانت آخرها ما جاء على لسان مدير المخابرات المركزية الامريكية جورج تينيت من ان بغداد ربما كانت لها صلات بمنظمة القاعدة. «البيان» التقت عددا من الخبراء والمحللين السياسيين في القاهرة واستفسرتهم عن تقويمهم لجولة ديك تشيني وخاصة في شقها الخاص بالملف العراقي ، التقرير التالي يلقي الضوء على آراء المحللين السياسيين. الكاتب والمحلل السياسي محمد سيد أحمد يعتبر أن الفشل كان المحصلة النهائية لجولة نائب الرئيس الأمريكي في المنطقة، حيث وقفت جميع الدول التي زارها - بما فيها تركيا - ضد المخطط الأمريكي الخاص بالعراق . ويستطرد قائلا : ولكن ليس معنى ذلك أن هذا المخطط قد غض النظر عنه، بل هو - على الأرجح - أرجئ إلى حين، لأن تشيني فوجئ في كل محطة وقف فيها بالشرق الأوسط - بالرفض، أو عدم التعاون في إعطاء أية مساندة أو دعم في هذا الصدد، ووجد أن كل من التقاهم من زعماء المنطقة يحدثونه عن الوضع المتفجر في فلسطين. يرى محمد سيد أحمد أن الولايات المتحدة لها - في كل الأحوال - مصلحة في أن تظل قضية العراق مطروحة، ولو من باب تبرير إستمرار الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج . ويضيف أن ذلك ربما كان له صلة ما بالأصوات التي ظهرت في الآونة الأخيرة في منطقة الخليج، وطرحت مسألة عدم جدوى وجود القوات الأمريكية بالمنطقة . العامل الثاني، الذي يرى أنه يفرض إبقاء المسألة العراقية على الأجندة الأمريكية في الوقت الراهن، هو إستمرار عملية مواجهة الإرهاب حسب التعبير والمفهوم الأمريكي للمواجهة، وهذا يفترض - على ما يبدو - ليس فقط ملاحقة أو متابعة ما يسمى بالإرهاب المنبثق من قاع المجتمع الدولي، وإنما - أيضا - ما تصفه الولايات المتحدة بالإرهاب الصادر من قمة بعض الدول المارقة - حسب التصنيف الأمريكي - متمثلا في قدرتها على إمتلاك أسلحة الدمار الشامل، وتهديد الأراضي الأمريكية بها .. سواء بشكل مباشر، أو بتعاون تلك الدول مع منظمات وجماعات تضعها الولايات المتحدة على لائحة الإرهاب، وتعتبرها خطرا على الأمن والاستقرار والمصالح الأمريكية . ويلفت محمد سيد أحمد إلى أن مسألة أسلحة الدمار الشامل ستظل مثيرة للقلق الأمريكي لفترة طويلة، والأمر الخطير هنا - حسب قوله - هو أن العلم والتكنولوجيا لايمكن وقفهما عند حد معين، والقدرة على صنع تلك الأسلحة لابد وأن تزداد إنتشارا، شاءت الولايات المتحدة .. أم أبت . ولذلك فإن القضية تواصل فرض نفسها على الأجندة الأمريكية، وبالتالي ضرورة مواجهتها . وفي هذا الإطار، فإنه من المستبعد أن يتنازل بوش عن المواجهة مع العراق،ما دام رئيسا للولايات المتحدة، وطالما كان يرى - هو وأركان إدارته - أن بغداد تطور أسلحة دمار شامل . ويلخص المحلل السياسي المعروف الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأمريكية الحالية لمنطقة الشرق الأوسط، وخاصة منطقة الخليج العربي، في إنها ترى أن عليها المواجهة والتعامل مع مشكلتين أساسيتين : حماية البترول ومصادره، في ظل أوضاع أكثر حساسية عن ذي قبل .. منها تعالي أصوات تطالب برحيل القوات الأمريكية من المنطقة، ثم الوضع المتفجر في الأراضي الفلسطينية المحتلة .. بما يضع علامات استفهام حول التعامل مع الولايات المتحدة، وليس فقط القبول بقوات لها على أرض عربية والمشكلة الثانية هي الحرب على الإرهاب، بما يعنيه ذلك من التصدي لأي دول تمتلك أو تطور أسلحة دمار شامل، قد تستخدمها ضد أمريكا .. أو تمد بها منظمات معادية للولايات المتحدة . ويضيف أنه في كلتا القضيتين تنظر الإدارة الأمريكية إلى الملف العراقي، وترى أن إثارته بإستمرار، والإبقاء على درجة ما من سخونته، هو سلاح ردع إزاء مسائل أخرى .. وعامل ضغط، ليس على النظام العراقي فحسب .. بل على دول أخرى في المنطقة والعالم . ويوضح محمد سيد أحمد أن الإدارة الأمريكية فوجئت بعد جولة ديك تشيني في المنطقة، أن العداء للمشروع الأمريكي بضرب العراق تجاوز الحد الذي كانت تتصوره، ولذلك قررت ارجاءه إلى وقت آخر . كذلك فإنه تبين لنائب الرئيس الأمريكي أنه ليس من السهل الإقدام على هذه الخطوة، من ناحية التنفيذ الفعلي، بينما المشكلة الفلسطينية متفجرة كما هي الآن . وتأكد له أن المنطقة لا تحتمل إنفجار مشكلتين في آن واحد لكن المؤكد أيضا أن هذا ليس تنازلا أو تراجعا عن مخطط بوش في هذا الصدد . ويمكن القول أنه يبحث عن وسائل يخفف بها من وطأة العداء الإقليمي لمشروعه. أسرار الغرف المغلقة وعن تقويمه لجولة تشيني ، خاصة في شقها المتعلق بالمسألة العراقية، يقول الدكتور أحمد يوسف أحمد مدير معهد الدراسات والبحوث العربية، التابع لجامعة الدول العربية : نحن الذين لا نملك أسرار ما يدور في الغرف المغلقة، لا يمكن إلا أن نقول إن ما نشر عن نتائج الجولة يشير إلى فشل نائب الرئيس الأمريكي في الحصول على أي تأييد لنوايا الولايات المتحدة في ضرب العراق . وكما نعلم فإنه حتى الكويت، التي يفترض أن بينها وبين بغداد مشاكل عالقة، صرح نائب رئيس وزرائها ووزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد بأن الظرف غير مناسب لضرب العراق، مؤكدا أن الذي سيدفع الثمن هو الشعب هناك وليس النظام الحاكم . بما يفيد أن الكويت ترى أن ضرب العراق ليس قرارا حكيما . ويستطرد قائلا : لكن المعضلة تكمن فيما يقال، ويتردد دائما عقب كل زيارة لمسئول أمريكي إلى المنطقة، من أن تشيني سمع في السر ما لم يصرح به في العلن .. وهذا ما لا يمكن لمن هو مثلي أن يؤكده أو ينفيه . ومع ذلك، دعنى أقول إن مجرد صدور التصريحات العلنية، من الدول العربية عامة، بعدم الموافقة على ضرب العراق .. هو رسالة مهمة، لأن معناه أن الكل يدرك أن الرأي العام العربي لا يحتمل مثل هذه التصرفات الآن .وقد قيل أن ديك تشيني ربما لوح بتحرك أمريكي في الصراع العربي - الإسرائيلي، مقابل الحصول على موافقة عربية على ضرب العراق . وأتصور أن الرأي العام العربي لن يقبل هذه المقايضة ، حتى وإن قبلتها بعض الأنظمة . تأجيل وليس الغاءً لكن د. أحمد يوسف يرى - هو أيضا - أن مسألة ضرب العراق لم ترفع نهائيا من أجندة الإدارة الأمريكية الحالية، ويقول : أتصور أن الأثر المتوقع لهذا الرفض العربي الرسمي العلني، إضافة لموقف الشعوب العربية الغاضب، ربما يصب في خانة التأجيل وليس الإلغاء .. بمعنى أن تنتظر الولايات المتحدة إلى فرصة مناسبة أكثر، من حيث الظروف السياسية في المنطقة . وقد نذكر أنه في مرة سابقة أرجأت الضغوط الشعبية العربية ضربة أمريكية للعراق، كان مخططا لها النصف الأول من عام 1999 إلى نهاية العام نفسه . كما أن غضب الشارع العربي والإسلامي وقتها - حيث تزامنت مع بداية شهر رمضان - جعلها تقتصر على عدة أيام فقط . ويشير الدكتور أحمد يوسف أيضا إلى التحرك السياسي النشط الذي قامت به بغداد مؤخرا، والذي قام خلاله نائب الرئيس العراقي عزة إبراهيم بجولة عربية وإسلامية واسعة .. إضافة إلى دولة أو دولتين أخريين زارهما طه ياسين رمضان النائب الثاني للرئيس صدام حسين، وتزامن هذا التحرك مع جولة ديك تشيني في المنطقة .. بل ربما حرص المسؤولان العراقيان على زيارة نفس الدول التي زارها نائب الرئيس الأمريكي، عدا السعودية والكويت . ويقول : من المؤكد أن العراق استفاد من هذا التحرك السياسي رفيع المستوى، والذي اختلفت لغة من قاموا به عن الجولات السابقة لمسئولين عراقيين، ولعل هذه الاستفادة انعكست في المواقف العربية المعلنة من الخطة الأمريكية لضرب العراق . ويرتبط بهذا ما أعلنه العراق من قبول عودة المفتشين الدوليين في ظل ظروف معينة، وإن كان ديك تشيني يقول الآن ان القضية ليست قضية المفتشين بما يعني أن الولايات المتحدة مبيتة النية على ضرب العراق، لكن المسألة تكمن في : التوقيت .. واختيار الظرف السياسي الملائم. عقبة الملف الفلسطيني! ويرصد الدكتور عبد العليم محمد - الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة الأهرام المصرية .. ورئيس الوحدة العربية بالمركز - تحولين هامين، ميزتا جولة ديك تشيني عن أي جولة سابقة لمسئول أمريكي في المنطقة الأول : أنه كان واضحا أن هناك رفضا عربيا جماعيا لضرب العراق، وفي الوقت نفسه فإن هناك إتجاها للقبول بتنفيذ بغداد للقرارات الدولية، وعودة فرق التفتيش . التحول الثاني المهم، أنه بدا لنائب الرئيس الأمريكي أن الوضع في فلسطين بات على نفس الدرجة من الأهمية التي يشكلها الوضع في العراق، ففي كل لقاء أو مقابلة أجراها يتبين أن الملف الفلسطيني مهم للغاية، بل وفرض نفسه على جدول أعمال كل زيارة، بمعنى أن تشيني وجد نفسه محاصرا بهذه المشكلة، ودخل فيها رغما عنه ..حتى أنه بعد أن ترك المنطقة، أعلن إستعداده للعودة إليها للقاء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وفق شروط معينة .. وفي إطار تحرك أمريكي واسع في المنطقة . ويضيف : لكن التساؤل الذي يطرح نفسه عربيا هل التحرك الأمريكي جدي هذه المرة، أم أنه مثل التحركات السابقة ؟! أعتقد أن العرب عندهم قاعدة من الشك في النوايا الأمريكية، تستند على أن التحركات والوعود السابقة كانت غير حقيقية وزائفة .. ولم يغير الامريكيون - في كل مرة تأييدهم السافر لإسرائيل. ويعتقد د. عبد العليم أن ضرب العراق أرجئ إلى حين،ويرجع ذلك - هو أيضا - إلى أن الأمريكيين اكتشفوا - أو تأكدوا - أن الوقت غير ملائم، وهناك حالة عارمة من السخط والرفض الشعبي لمثل هذا التوجه . لكن من الواضح أيضا - كما يقول - أن بوش عقل تاني ، والمؤشرات تقول إنه أجل مسألة التعامل مع العراق عسكريا لظروف أخرى مواتية، أو لحين يشهد الملف الفلسطيني إنفراجة حقيقية . ويستدرك خبير الشئون العربية قائلا : لكن الواقع يقول إن هذا الملف الفلسطيني صعب، وليس من المتصور حدوث إنفراجة ملموسة فيه، على الأقل في المستقبل المنظور . فإسرائيل تجد نفسها في مأزق حقيقي هذه المرة، وحجم خسائرها البشرية في ظل الإنتفاضة غير مسبوق 25% من الخسائر الفلسطينية - في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي . بل أن هناك تحليلات كثيرة تذهب إلى أن الامريكيين سارعوا إلى المنطقة إنقاذا لشارون، بعد أن فشل في إخماد الإنتفاضة . والمأزق الإسرائيلي له بعد آخر، وهو أن الحل العسكري النهائي، الذي يروج له شارون وصقور اليمين والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، له ثمن باهظ جدا . وغير مقبول دوليا وعالميا، ويشكل فضيحة للغرب وحقوق الإنسان، لان المخطط يقوم على اجتياح المدن والمخيمات الفلسطينية، وتكبيد الشعب الفلسطيني خسائر بشرية ضخمة . ودفعه لقبول الهجرة إلى الأردن ودول الجوار، بعد ضرب السلطة الوطنية وطرد رموزها أيضا . إذن، فالملف الفلسطيني - كما يقول د. عبد العليم سيظل شائكا ومتفجرا، ومعه ستظل قضية العراق مستعصية على الحل الأمريكي الذي يهدف إلى تكرار ما حدث في أفغانستان، ولكن على الأراضي العراقية هذه المرة. ويختتم الدكتور عبد العليم محمد قائلا إن العراق يمكنه أن يرفع عن أمريكا الحجة القانونية والدولية التي ترفعها في وجهه،وهي رفض بغداد تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بعودة فرق التفتيش، بأن يعلن قبوله هذه القرارات .. ولكن بشروط أهمها: أن يطمئن لنزاهة المفتشين الدوليين، وأن يحصل على ضمانات بألا يتعمدوا إذلال العراق ومسئولية، وأن يقتصر عملهم على مدة زمنية محددة، وأخيرا أن تحصل بغداد على وعد برفع الحصار إن هي التزمت بإتفاقها مع الأمم المتحدة بشأن عودة المفتشين.