السودان الجديد شعار رفعته الحركة الشعبية وتجاوبت معه احزاب ومنظمات سودانية من مناطق عرفت فى ادبنا السياسى السودانى بالمناطق المهمشة . فى زيارته الاخيرة لبريطانيا والولايات المتحدة تحدث الدكتور جون قرنق عن رؤيته لسودان المستقبل وعن رفضه للنظام الحالى الحاكم فى السودان فهو فى نظره «طالبان افريقيا» وهو الحلقة الاكثر تطرفا للدولة العربية التى فرضت بالقوة، لهذا تدعو الحركة الشعبية لدولة جديدة تمثل السودان بكل اقاليمه وثقافاته واعراقه «السودان الجديد» والحركة الشعبية لا تنفى انتمائها للحضارة والممالك السودانية القديمة «كوش ومروى» ولكنها رافضة لسودان اليوم حيث الغلبة فيه للعنصر العربى. عن آليات الوصول لهذا الهدف طالب الدكتور جون قرنق بسودان موحد يفصل فيه دستوريا الدين عن الدولة. محور اخر طرحته الحركة الشعبية فى حواراتها مع الحكومة السودانية هو الكونفدرالية، فترة انتقالية يتم بعدها استفتاء مواطنى الجنوب للاختيار بين الكونفدرالية او الانفصال . اما المحور الثالث فهو الاستمرار فى مشروع السلام والتنمية فى المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية «بناء السلطة الادارية والسياسية، المدارس والمستشفيات، اصدار عملة جديدة وتأسيس بنك مركزى». الدولة فى المناطق التى تسيطر عليها الحركة هى نواة لدولة السودان الجديد الذى يتم بناؤه مستقبلا من الاطراف، فى هذه الدولة حرية للافراد ولهم الحق فى ان يفعلوا ما يريدون دون حجر، وجود مثل هذه الدولة فى جنوب السودان حسب تصورات الحركة الشعبية ربما يغرى اخرين فى الشمال للمطالبة بان يكون لهم نظام شبيه بالذى طبق فى الجنوب. السودان الجغرافية والتاريخ كل متكامل وحلقات متصلة ومربوطة ببعضها، محاولة الفصل بينها او نفي البعض تعنى ازمة جديدة اضافة لما عندنا من ازمات كثرت وتنوعت، لذلك يجب ان نعترف بان سودان المستقبل لا يمكن ان يحكم من المركز وبان هناك ظلما ما وقع على الاطراف يجب ان تتم معالجته بازالة اسبابه، المعالجة المطلوبة تبدأ باستيعاب الواقع ومراجعة الذات ونقدها لمعرفة نقاط القوة لدعمها ونقاط الضعف لتقويتها بمعنى ان نبحث عن معادلة جديدة ومتوازنة يتم بموجبها تجديد السودان كى يكون الشعار «سودان متجدد وليس سودانا جديدا»، فالسودان بلد جامع لكل الوان الطيف الافريقى، دخول العرب فيه قبل الاسلام لم يكن من اهدافه فرض ثقافة معينة فالمجموعات التى جاءت اليه فى ذلك الزمن كانت محدودة العدد ولم تكن خلفها سلطة مركزية قوية تمكنها من فرض سلطانها وثقافاتها بقوة السلاح، الذين دخلوا افريقيا فى تلك المرحلة كانوا مجموعة من التجار والبعض دخلها هروبا من الاضطهاد السياسى او طلبا للرزق. فى السودان اختلط العرب مع السكان المحليين من نوبة وزنوج وكونوا مجتمعا جديدا له هوية محددة هى الهوية السودانية الجامعة للدماء العربية والنوبية والزنجية، تشبيه دخول العرب السودان بالهجمة الاوروبية الشرسة على كل افريقيا بعد الاتفاق على تقسيمها فى مؤتمر برلين فيه ظلم بين، الدول الاوروبية كانت قوية وقادرة على فرض سلطتها وثقافاتها ولها اهداف محددة هى استغلال الارض الافريقية والانسان الافريقى لمصلحة المجتمعات الاوروبية، لتحقيق اهدافها. الهيمنة والقسر عملت هذه الدول على فرض ثقافاتها ولغاتها فى ظل حكم استعمارى قهري. العملية هنا تمت من طرف واحد صحيح انها تمت بين مجتمعين ولكن عن طريقها تعدلت ثقافة المجتمع الادنى «الافريقى» لتتمثل ثقافة المجتمع المسيطر، المثاقفة بهذا المعنى هى فرض قيم جديدة من قوى كبرى مسيطرة ومستعمرة هذا ما حدث بالفعل فى افريقيا عندما استعمرتها اوروبا اما بالنسبة للعرب فالوضع مختلف تماما اذ كان التفاعل عملية تبادل حر بين الثقافات المحلية والثقافة العربية تفاعلا سمح باستمرارية الوجود والابقاء على التباين والتمايز، لم يكن الهدف عند العرب عندما دخلوا افريقيا الاستيعاب والتذويب او الالغاء ففى السودان اليوم اغلب اللغات المعروفة فى افريقيا، فهو حقيقة افريقيا مصغرة، السودانية القديمة منتشرة وممتدة فى رقعة واسعة من افريقيا تبدأ من اواسط السودان الى مصب نهر السنغال وهى غير معترفة بالحدود التى فرضها المستعمر، اللغات الحامية ما زالت موجودة وفى تعايش مستمر مع اللغة العربية فى مناطق المحس والدناقلة وفى حلفا الجديدة والقديمة وفى جبال النوبة وعند قبائل الميدوب، واللغة التبداوية او البيجاوية كانت لها صولات وجولات فى التاريخ القديم وهى الاقرب للهيروغليفية فى نظر الدكتور التجانى الماحى مؤكدا بان تقاطيع وملامح ولغة سكان الساحل الغربى للبحر الاحمر هم الاقرب لحضارة مصر القديمة، اللغة التبداوية مازالت موجودة في لهجات قبائل متفرقة في شرق السودان «الحلنقة، البشاريين» وللعربية كلغة سامية اخت صغرى تأثرت باللغة الحبشية هي البنى عامر وفي الجنوب لهجات ولغات محلية «النوير، الشلك، الزاندي،...الخ» وفي العرب لغة الفور والمساليت والزغاوة، مع هذا الكم الهائل من اللغات والثقافات تم التمازج بأسلوب سلمى ووفاقى عبر عنه الدكتور عبد الغفار محمد احمد بالآتى ليس هناك تناقضا بين السودان العربى والسودان الافريقى ففى افريقيا 60% من العرب، 72% من الاراضى العربية هي اراض افريقية وللغة العربية فى افريقيا مساهمة واضحة فى مفردات اهم اللغات المحلية فى القارة «لغة الهوسا واللغه السواحيلية» اما فى السودان فقد حدث تمازج فكرى ووجدانى ادى الى خلق تعددية ثقافية داخل رابطة قومية موحدة هى المجتمع السودانى، لقد كان لرواد الدعوة الاسلامية دور كبير فى نشر الروح الوفاقية السمحة فى السودان فالصوفية حركة نشطة استوعبت كل الثقافات المحلية وتعايشت معها مما اكسب هذا الشعب قيما خالدة «الوفاء والتسامح والبعد عن التطرف والعنف» فى السودان اليوم لا يوجد ما يعرف بالنقاء العرقى العربى او الزنجى فالعروبة مكتسبة ثقافيا اكثر من كونها موروثا عرقيا. التنوع موجود فى الشمال والجنوب والشرق والغرب فالهجرة للسودان لم تكن من جهة واحدة ولا من جنس واحد، الهجرة كانت من كل الجهات ومن أجناس مختلفة من شرق البحر الاحمر ومن منطقة البحيرات العظمى ومن حول بحيرة تشاد . نهر البشر ولكن بالرغم من تعدد عناصرها ولغاتها وثقافاتها استقرت فى النهاية فى الارض السودانية وتفاعلت مع بعضها مكونة مجتمعا جديدا له نكهة خاصة وجامعة للعرب والنوبة والزنوج. الهجرة للسودان عملية مستمرة حتى فى العصر الحديث، افواج كبيرة جاءت اليه من غرب افريقيا فى طريقها لاداء فريضة الحج فى الاراضى المقدسة والحج في ذلك الزمن بالنسبة لمواطنى غرب افريقيا سفر مستمر وبوسائل بدائية قد تستغرق العمر كله لهذا السبب وصف الدكتور عبد العزيز كامل هؤلا بانهم نهر من البشر كنهر النيل وسيل مستمر يفيض فى بعض اوقات السنة فتزداد الاعداد التى يحملها تياره وكما يحدث تماما للنيل عندما تترسب بعض مكوناته فى شكل جزر نجد ان أعدادا كبيرة من اخواننا من غرب افريقيا قد استقرت وطاب لها المقام فى القرى والمدن السودانية وامتزجت بسكان المناطق التى نزحوا اليها مع احتفاظ البعض بالكثير من العادات والتقاليد المصاحبة لهم من بيئتهم الاصلية الا ان الغالبية العظمى نتيجة لتفاعلهم واهتمامهم بالبقاء فى السودان تجاوزوا الاقامة المؤقتة بعد ان استقروا وشكلوا مكونا مهما من النسيج الاجتماعى السودانى. الهجرة للسودان موضوع كبير ومتشعب فالسودان ارض جاذبة وغنية، تاريخيا كانت مختلف القبائل التى نزحت اليه وهى قبائل رعوية فى المقام الاول فى حركة دائمة قبل ان تستقر فى مواقعها الحالية، الدينكا كمثال وهم اكبر قبيلة فى السودان وفى افريقيا تقول روايات شفهية انهم جاءوا الى الأراضي السودانية من منطقة البحيرات العظمى وقبيلة الزاندى وهى قبيلة مشتركة بين السودان وافريقيا الوسطى والكنغو هاجرت الى السودان من منطقة تقع بالقرب من بحيرة تشاد وقبيلة الداجو كان لها فى التاريخ اسم وسلطة، ذكر اركل صلتهم بالزغاوة وان منطقتهم الاصلية هى منطقة كانم والشلك يرجع اصلهم الى قبيلة رنو التى كانت تسكن بحيرة فكتوريا قبل ان يقودهم ملكهم الاسطورى نيكانج الى موقعهم الحالى حول مدينة فاشودة المشهورة، وعن هذه الخلطة كتب ايفانز ريتشارد ما يلى: «انه من المشكوك فيه ان تجد قبيلة واحدة فى السودان من اصل زنجى نقى فالقبائل النيلية تعزى ملامحهم غير الزنجية واعتمادهم على الرعى وحتى لهجاتهم وعاداتهم على انهم خليط من الزنجية والحامية» ربما لهذا السبب يتحدث الدكتور جون قرنق بايجابية عن الحضارة السودانية القديمة مؤكدا اعتزازه بالانتماء اليها اما سودان اليوم فهو فى نظره بلد الغلبة فيه للأقلية العربية «30%» حسب الاحصائية التى اوردها. وعن اختلاط الدماء النوبية والعربية والزنجية كتب الدكتور عبد الغفار محمد احمد الاتى : فى السودان مجتمع وسط عربى اللسان افريقى التقاطيع يمكن ان يطلق عليه عربى افريقى «افرو اراب» نعم هناك تعدد فى السلالات وتباين فى الموروث الحضارى وفى البيئات والمناخ ولكن كل هذا يعكس التنوع فى الوحدة وهو الامر الذى عكسته مقالة الدكتور عبد العزيز كامل القيمة والمنشورة فى مجلة الدراسات السودانية والتى جاء فيها: ان كل ما يحدث فى السودان من مسئوليات الجسم الكبير وعن الوحدة فى التنوع قال الدكتور عبد العزيز من الممكن عند دراسة اى قطر مهما صغرت مساحته ان نجد فيه جوانب من الفروق بين اجزائه التشابه الكامل معدوم حتى بين شقى الانسان نفسه ومن هنا يبدأ الفرق بين الظاهرة وتوجيه الظاهرة هذا التوجيه يمكن ان يبرز ويؤكد التباين فى قطر من الاقطار تعميقا للاخاديد فى حياته ويستطيع ان يؤكد جوانب التشابه تاركا اوجه الاختلاف لتتعايش وتتكامل، فهذه الفروق اشبه بصخور يحملها النهر فى تياره هى فى اول امرها ذات زوايا حادة خادشة ودامية فاذا ما طال مسيرها فى نهر الحياة زالت زوائدها واستدارت واصبحت لينة الملمس، واذا ما طال السير تضاءلت ثم ترسبت على الارض تحمل الخصب والنماء ولكنها ميكانيكيا شيء جديد وله وظيفة جديدة. التباين والتنوع دراسة السودان بحجمه الكبير تؤكد التباين فى الشمال والجنوب التباين والتنوع موجود فى بلاد كثيرة فى اوروبا وافريقيا واسيا، نعم نحن نعيش فى بلاد متخلفة الغلبة فيها للانتماءات الاولية على حساب الولاء والانتماء للوطن الكبير هذه القضية لن تعالج بقرارات فوقية فهى قضية مجتمع ومسئولية النخبة التى تخلت عن دورها فى قيادته وتعميق الوعى باهمية وحدة السودان وتماسكه. المعالجة تبدأ بالاعتراف بالتنوع وبان السودان فضاء جامع لكل السودانيين ولكل جماعة فيه حقوقا مشروعة، محاولة فرض الولاء بقوة وبآليات الدولة الحديثه يؤدى دائما الى الاحتقان الاجتماعى والى ردود الفعل العنيفه والمدمرة لقد ثبت بالتجربة فى كل الانظمة الشمولية ان المجتمعات الانسانية ليست مادة ميتة يمكن ان تلعب السلطة عبر آلياتها دورا فى اعادة صياغتها وهيكلتها وفق اطروحات لا علاقة لها بالمجتمع المراد هندسته اجتماعيا بقرارات فوقية. فى السودان وفى المجتمعات المركبة عموما التداخل بين الكيانات داخل الاطار الاوسع لا تتعارض بل تتكامل فى ظل الانظمة الديمقراطية الممثلة حقيقة للنسيج الاجتماعى. سويسرا كمثال بلد مستقر علما بانه خليط من قوميات تتحدث اربع لغات مختلفة ولبلجيكا اكثر من لغة رسمية وفى الدول المتقدمة توجه دائم للتكتل والتوحد اما فى بلادنا ودول العالم الثالث فالوضع مختلف فى الاربعينيات والخمسينيات كان الحلم كبيرا «الوحدة العربية والوحدة الافريقية وتماسك دول عدم الانحياز» الان فى هذا الزمن الرديء بلغ التراجع مداه تقلصت الامال بل تلاشت نهائيا عند مراجعة اجتماعات القمة الافريقية والعربية فهى مجرد مظاهرة تتحمل الشعوب على فقرها تكلفتها المرتفعة دون ان يكون لها اى عائد يذكر. ونحن فى السودان اليوم وبكل اسف دخلنا المنطقة الخطرة منطقة تحطيم الذات وكسر العظم بالحديث عن التقسيم الى وحدات اصغر على اسس جهوية وقبلية وتخلت النخبة السياسية عن دورها لدول اجنبية املا فى ان تحدد لنا هذه الدول ملامح سودان المستقبل ونحن فى موقع المتلقى والمنفذ لاجتهادات واوامر الخبير الاجنبى وامامنا تجربة الصومال الجريح الذى فقد مقومات البقاء كقطر متماسك ودولة لها كيان وهيبة بين الامم بسبب صراعات ابنائه غير المبررة حول السلطة.