التأم في بيروت لقاء القادة العرب، ملوك، ورؤساء، ورؤساء وزراء ممثلين لبلادهم، بفعل تغيب قادة دولهم، في العاصمة اللبنانية بيروت، بعد 46 عاماً، عن القمة العربية التي عقدت في عام 1956، في عهد الرئيس اللبناني الراحل شمعون، الذي اراد في ذلك الوقت، وفي ظروف عصيبة، كانت تتعرض لها مصر لتهديدات، بريطانية، فرنسية، بالاجتياح، كما هو حال العراق الان، وفي ظل بداية النهوض القومي العربي، واتساع ظاهرة التيار القومي الناصري، في ظل تلك الظروف والمعطيات، التي تتشابه في بعض جوانبها، وبدون اسقاط مع الحالة الراهنة، تنعقد القمة العربية الدورية الثانية في بيروت، وسط مناخات خيمت حتى اللحظة الاخيرة عليها غياب الرئيس الفلسطيني عنها، بسبب ظروف الحصار والاغلاق، واستهتار شارون بارادة الامة العربية، وقادتها، والعالم اجمع، واصراره على عملية ابتزاز طويلة ومشينة، لمقايضة خروج الرئيس الفلسطيني من رام الله، ومشاركته في القمة العربية، بالتوقيع على اتفاق لوقف اطلاق النار، يحتوي على كل المطالب والاشتراطات الاسرائيلية. بيد ان الرئيس الفلسطيني، وهو اللاعب الماهر في اوراق الاولويات السياسية، ادرك مبكراً، حاجة العرب اولاً، والولايات المتحدة ثانياً، الملحة لحضوره القمة، وبالتالي فانه وليس فقط لأسباب مبدئية وعملية يرفض تلك المساومة الرخيصة على خروجه ومشاركته للقمة فحسب، وانما لادراكه لاهمية حضوره، لضمان نجاح القمة. ومما لا شك فيه، فان الحدث الابرز لانعقاد هذه القمة هو، في انها ومنذ حوالي عقدين من الزمن، ومنذ قمة فاس الثانية التي تبنت مبادرة الملك فهد، والتي كانت مبادرة باسمه عندما كان ولياً للعهد، لم تقدم مؤسسة القمة العربية خطاباً سياسياً، يمتلك وضوح الرؤية، وبعد المرمى، ودقة الهدف، مثلما هو الان. واذا ما كان الامير عبد الله ولي عهد السعودية في اختياره لاطلاق مبادرته، اسلوب التسريب الصحفي لخبر ما، وعبر صحفي معروف بقربه من الادارة الامريكية، والاوساط الصهيونية المؤيدة لاسرائيل في الولايات المتحدة، فانه يكون قد اطلق حينذاك اختبار، ليرى ويرصد ردود الفعل على تلك الافكار، وقد لا يكون من المبالغة القول، ان الامير السعودي، ومساعديه، ومستشاريه، قد فوجئوا من حجم الاهتمام الدولي، والعربي، والتأييد لها. والاهتمام الكبير والمتزايد الذي حظيت به المبادرة، وخصوصاً من الاوساط الامريكية، والاوروبية، هو انها حملت عنوانين جديدين، غابا عن الخطاب السياسي العربي، وهي عنصر التطبيع الكامل مع اسرائيل، مقابل الانسحاب الشامل من الاراضي المحتلة عام 1967، وكذلك الاحجام عن طرح مسالة اللاجئين والتي اعتبرت حسب الزواية الامريكية، الاسرائيلية السبب في تفجر وفشل قمة كامب ديفد، والتي رعاها الرئيس السابق للولايات المتحدة بيل كلنتون صيف عام 2000. وفي اختيار توقيت اطلاق بالون الاختبار هذا قبل شهرين من انعقاد القمة، تكون الفرصة الزمنية من حيث المساحة، وقدرة التحرك امام الدبلوماسية السعودية متاحة، لتذليل كافة العقبات التي تعترض سبيل ضمان تبنيها من قبل القمة العربية، وهو ما كان بالفعل، حيث تعاملت الدبلوماسية السعودية خلال الفترة الماضية، وحتى عشية انعقاد القمة، بموضوعية ودقة مع الحساسيات العربية تجاه المبادرة، وخصوصاً تجاه اطراف عربية، ذات وزن اقليمي فاعل، اعتقدت ان اطلاق هذه المبادرة سوف تؤثر على دورها او على الاقل على حساب ذلك الدور، في حين ان اطرافا اقليمية اخرى ولاسباب معروفة، وبمنظور الحسابات الضيقة، تهميشاً لدور اقليمي مفترض بفعل الجغرافيا السياسية. الموضوعية والهدوء، والتطمينات، وممارسة النفوذ السياسي، المدعوم بالقوة الاقتصادية، ذلك ان لم نقل جميع بل معظم هذه الحساسيات، وهدأ ما يحيط بالمبادرة من مخاوف، ومخاطر، وفتحت تلك الدبلوماسية بنفس الوقت المجال لادخال تعديلات، لم تمس جوهر ومضمون المبادرة، وخصوصا بعد ان قبلت التعديل الفلسطيني، باضافة، فقرة تتصل بحل قضية اللاجئين على قاعدة قرارات الشرعية الدولية، والتخفيف من تعبير التطبيع، الى علاقات طبيعية. ومما لا شك فيه فان القمة وبعد ان تجاوزت تلك التحديات والتي القت بظلال من الشك على عقدها في الموعد المقرر لها، فانها سوف تواجه تحديات من نوع اخر. الاول: اقرار المبادرة السعودية، وتحولها لسياسة رسمية عربية، تحمل خطابا سياسيا عقلانيا،موجها للرأي العام العالمي، يدحض السياسات الاعلامية الموجهة التي تقودها اوساط اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، وحلفائها من انصار اسرائيل، والتي تصف العرب خاصة بعد احداث 11 سبتمبر الماضي، بالارهاب والتطرف، ورفضهم لصنع السلام، وكذلك فإنها تحمل رسالة واضحة للمجتمع الاسرائيلي، الذي عاش تحت تأثير دعاية شارون، الذي ضخ كما هائلا من الاكاذيب، في ذهنه، بأن العرب يريدون ابادة اسرائيل، وان الحرب التي يشنها على الفلسطينيين هي استمرار لحرب الاستقلال التي بدأت عام 1948. كما ان هذا الخطاب، في الوقت الذي يدحض اكاذيب شارون، فانه يسلح معسكر قوى السلام في اسرائيل بموقف عربي، رسمي، وجدي مدعوما من الولايات المتحدت، والمجتمع الدولي، ويفتح الطريق امامه لشن وخوض معركة داخلية، لاجراء التغيير السياسي الداخلي ليتوائم وينسجم، وينخرط في هذه العملية السياسية الكبيرة،غير ان هذا التحدي، الذي نشير اليه، معرض وقبل بلورته بصيغته النهائية. ان يتعرض للمزايدات المعروفة من هنا وهناك، تحت شعارات قومية براقة، خالية المضمون، وفارغة المعنى، وتخفي وراءها مصالح صغيرة وضيقة، او انها قد تواجه بتحدٍ آخر، وبعد ان تصبح سياسة رسمية، لخطر الهبوط بسقفها، الى مستوى الاستجابة للضغوط الامريكية، والشروع بعملية تطبيع سياسي واسعة مع اسرائيل قبل انجاز الشق الاول من المعادلة، وهي الانسحاب الكامل من الاراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 1967، واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، طبقا لقرارات الشرعية الدولية، بما في ذلك ضمان حل قضية اللاجئين وفقا لتلك القرارات. اما التحدي الثاني: فهو حل ما يسمى بالحالة العراقية الكويتية، ومما لا شك فيه ايضا ان القيادة العراقية، التي تعاملت مع الموضوع منذ التحضيرات الامريكية، بتوجيه ضربة عسكرية لها، بروح برغماتية عالية، لتفويت الفرصة على الولايات المتحدة، والاستفادة من تفجر الاوضاع في الاراضي الفلسطينية المحتلة، قد انتقلت بتعاملها السياسي مع الموقف من الكويت، والسعودية الى مستوى اكثر موضوعية ومرونة، حيث انها فوضت الجامعة العربية، وامينها العام بالتفاوض نيابة عنها، واستعدادها لقبول ما يصل اليه، مما يعني فعليا العودة لصيغة مؤتمر عمان، التي واجهت ملابسات عديدة في حينها، كما ان القيادة العراقية، وفي معرض سحب الذرائع الاخرى، بشأن الالتزام بقرارات مجلس الامن، فانها ببدء الحوار مع الامين العام للامم المتحدة، وابدائها الاستعداد لعودة المفتشين الدوليين وفق شروط واليات وسقف زمني محدد، يسهم في سحب الذرائع الاخرى. ان تحدي القمة العربية من هذه الزاوية، ينصب اولا واخيرا في ترجمة موقف رسمي عربي، يعكس رفض العرب لتوجيه ضربة للعراق، وهو الموقف الذي ابلغ للادارة الامريكية، ابان جولة ديك تشيني الاخيرة، وهذا التحدي هو، في قدرة القمة على احباط اية مساعي امريكية لممارسة ضغوطها على الكويت واطراف اخرى لمنع أو احباط، تسوية عربية -عربية للنزاع مع العراق، من جهة، ودعم موقف العراق في مفاوضاته مع الامم المتحدة، لرفع الحصار الجائر عليه منذ اكثر من 11 عاما. ان قدرة القمة العربية على مواجهة هذين التحديين، وبالصورة التي نراها، هي اقرب ما تكون لقدرة العرب بعد هذه التجارب المريرة، والطويلة لصياغة خطاب واقعي، وموضوعي، وبنفس الوقت ممارسة سياسة ناضجة ومسئولة تحقق الممكن والمطلوب، بدون مزايدة او مناقصة.