بيان الاربعاء: هل بات المشروع الصهيوني في خطر؟ سؤال بات لابد من طرحه خاصة وانه شغل الاوساط السياسية والصهيونية بعد ان أثرت أحداث الانتفاضة وانعكاسها بقوة على المجتمع الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط. ويظهر ذلك جلياً في تآكل الاقتصاد وفقدان الأمن الشخصي وغيرها كثير مما أثار قضية قديمة حديثة في التساؤلات الفكرية والسياسية الاسرائيلية وهي: هل بات الحلم الصهيوني في خطر، وهل باتت دولة اسرائيل تحارب من أجل بقائها؟ دراسات كثيرة تناولت هذا الطرح وعلى مستويين: ـ الأول مستوى مبادئ الحركة الصهيونية نفسها. ـ الثاني مستوى الدعم الذي تستند إليه في بقائها. فعلى المستوى الأول نجد ان الدارسين يشيرون إلى ان مبادئ الصهيونية جاءت لتعبر عن حلول وسط لتنظيم أوضاع اليهود الداخلية ولصد ما اعتبرته خطراً خارجياً عليهم وهذا هو سر الصهيونية، وأهميتها حيث وضعت أساسا فكرياً وتنظيمياً جديداً لمجتمع جديد. استندت هذه المبادئ إلى: 1ـ القومية 2ـ الحاجة لأرض اسرائيل. 3ـ رفض المنافي 4ـ العلمانية 5ـ الرغبة الذاتية والنشاط الذاتي. 6ـ الثقافة المشتركة. 7ـ الطلائعية الصهيونية. 8ـ المثالية الصهيونية. هناك مبدآن ينبغي اختبارهما ليتسنى لنا على الأقل نصل إلى نتائج مما وصلت إليه هذه الدراسات، فالمبدأ الأول القومية نجد ان الدراسات ترجعه لتأثر مؤسسي الفكرة الصهيونية بموجة القوميات التي سادت أوروبا في القرن (19) والتي كان من نتائجها ظهور دول أوروبا الحديثة وظهور اللغات الأوروبية الحديثة. عرفت الصهيونية نفسها بأنها حركة قومية، فالمشترك بين يهود العالم هو القومية اليهودية، لا الدين وهو ما ينافي الواقع لأن اليهودية هي دين لا قومية، ومن هنا ظهرت فكرة الدولة اليهودية التي عبر عنها تيودور هرتزل في كتابه الذي ظهر سنة 1890 والذي حاول فيه ايجاد حل وسط بين المتدينين والعلمانيين، فدمج بين الافكار الدينية لاستخلاص الرموز المشتركة وبينها وبين الافكار الحديثة مما جعل المتدينين يقاومون الصهيونية ويعتبرونها انحرافاً عن الدين، ورفض الكثير من اليهود تعريف اليهودية كقومية واليهود كشعب، بل أصروا على تعريف اليهود كأقوام تؤمن بدين، ونجد هنا دعوة المؤرخ اليهودي «يعقوب طوري» الذي دعا لدمج اليهود في الشعوب التي عاشوا بينها، فما هو مدى استكمال القومية لعناصر وجودها؟ نجد ان الحدود أهم عناصر القومية التي تجمع قوما ما، ونجد انه بعد أكثر من 100 سنة على تأسيس الحركة الصهيونية وأكثر من 50 سنة على قيام اسرائيل لا تزال قضية حدود الدولة قضية شائكة ولا حل لها وتشكل أحد الأسباب المهمة لعدم وجود الأمن والاستقرار، فكيف يكون هناك دستور لدولة لا تعرف حدودها. أيديولوجياً شهدت مسألة حدود دولة «اسرائيل» وفق دراسة نشرها المركز الفلسطيني للاعلام تراجعاً واضحاً عما أسمي بأرض اسرائيل الكبرى، والتي تبنتها حركات صهيونية برئاسة مناحيم بيجين، فقد تنازلت اسرائيل عن هذا الحلم عندما انسحبت من سيناء لصالح اعادة أجزاء كبيرة لمصر، واعادت أجزاء كبيرة من الخليل لصالح السلطة الفلسطينية أيام حكم نتانياهو الليكودي والآن هي مطالبة بالانسحاب حتى حدود 67، وهو ما رفضه شارون وأعلن عدم استعداده للقبول بقيام دولة فلسطينية على 42% من الضفة الغربية. العنصر الآخر المهم هو اللغة العبرية، وهو ما قيل انها من عناصر القومية التي تجمع اليهود، فرغم نجاح الحركة الصهيونية باحيائها بعد ان اندحرت وجعلها اللغة الرسمية للدولة إلا انها لم تستطع تطويرها، حيث بقيت اللغة العبرية لغة ضعيفة أكاديميا وتمسك الكثير منهم بلغة الدولة الأم التي هاجر منها مع أبناء أصله ويورثونها لأبنائهم، هذا فضلاً عن انها قسمت اليهود الى قوميتين مستقلتين الشرقيون «السفرديم» والغربيون «الاشكنازيم» ولكل قومية صفات ومميزات واضحة تختلف عن الأخرى. المبدأ الثاني فكان الحاجة للأرض وباختبار هذاالمبدأ نجد انه لم يجد اجماعاً عليه في البداية، حيث ان هرتزل نفسه وبعد طرده من السلطان عبدالحميد الثاني، اذ طلب منه شراء أرض في فلسطين دعا للتوجه إلى أوغنده في المؤتمر الصهيوني السادس والتي كانت تحت سيطرة بريطانيا وهذا مثبت في دراسات كثيرة وكاد مشروع هرتزل ان ينجح لولا وفاته المفاجئة، أو لأسباب أخرى بروايات مختلفة. دوافع الهجرة لدى القادمين إلى فلسطين قبل قيام الدولة كانت دوافع ايديولوجية ولكن بعد قيام الدولة أخذ هذا المبدأ بالضعف تدريجياً حتى انه في السبعينيات أجري استطلاع للرأي حول دوافع الهجرة لدى القادمين الجدد فبين الاستطلاع ان 72% هاجروا لدوافع اقتصادية ونجد انه عندما يتعرض الاقتصاد الاسرائيلي لهزة نجد الهجرة المعاكسة تبدأ وبلغ الأمر أشده خلال انتفاضة الأقصى والحرب الأخيرة حيث توقفت الهجرة إلى فلسطين تقريباً بل زادت الهجرة المعاكسة بدليل اقبال الاسرائيليين على طلب الحصول على البطاقة الخضراء إلى كندا وأمريكا حتى ان حفيدة «بيجن» هاجرت وفق انباء مؤكدة. علاقات امريكا باسرائيل معروف ان اسرائيل هي دولة وظيفة، لكن ما يربطها بأمريكا تراثها الديني وسيطرتها الاقتصادية وأساس نشوء كل منهما، ويقول الدكتور المسيري الباحث المختص بشئون الكيان الصهيوني «ان الحركة الصهيونية هي حركة ذيلية للحضارة الغربية على مستوى الفكر، حيث ان الفكر الصهيوني كان في جوهره ذا نزعة بروتستانتية ومن ثم كان له ديباجات بروتستانتية ثم أصبحت له ديباجات علمانية غربية وصار جزءًا من المنظومة الغربية وقد رفضه اليهود حتى نهاية القرن التاسع عشر حين تفاقمت أزمة المسألة اليهودية في بلاد شرق أوروبا وازداد خوف كثير من اليهود في وسط أوروبا وغربها من فيض المهاجرين اليهود من شرق أوروبا كما هو الحال الآن حيث تخاف أوروبا من هجمة شعوب شرق أوروبا مما أدى إلى وضع الصيغة الصهيونية وظهورها بين اليهود وتبنيهم لها بمعنى انها بدأت في الأوساط البروتستانتية الحرفية ثم أصبحت جزءاً من المشروع العلماني الامبريالي الغربي ولم يتبنها اليهود إلا في مرحلة لاحقة وهكذا فإن الصهيونية تصبح حركة ذيلية على مستوى الفكر وعلى مستوى الممارسة أيضاً». وعلى صعيد العلاقة مع أمريكا نجد ان التراث الديني الأمريكي بروتستانتي ومن هنا جاءت العلاقة أولاً مع الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني، وأول ماتوصف به العلاقات الأمريكية الاسرائيلية بأنها علاقات متميزة وهي سمة أساسية تطبع بطابعها طرفا العلاقة وتمتد ليشمل تأثيرها الجانب العربي، بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص. ويرى د. أحمد مجدلاني ان هناك أسباباً وخلفيات لهذا التميز منها عقلانية ذرائعية ومنها ما يرى انها مجرد عبء سياسي. دراسات كثيرة رأت ان الأمريكيين يرون في اسرائيل رصيداً استراتيجيا للولايات المتحدة وهم ينسبونه لسلم الخدمات المنسوبة لاسرائيل بدءاً من ادناها وصولاً لأكثرها أهمية، ومن الموقع الجغرافي الذي يخدم الوجود الأمريكي في المنطقة إلى القدرة الدفاعية التي تدعم مصالح أمريكا من خلال حماية استقرار المنطقة وامكانيات البحث والتطوير والاستخبارات. وقد ظل دور اسرائيل في المنطقة موضع خلاف فقد ازدادت مصادماتها في المنطقة وأشعلت ست حروب كان آخرها ما تقوده اليوم ضد مدن السلطة الفلسطينية. ويرى محللون ان اسرائيل فشلت في الاضطلاع بالدور المعهود بها في الشرق الأوسط واصبحت لذلك عبئاً اقتصادياً عسكرياً عدا عن ممارساتها الضغوط عبر اللوبيات المتمكنة في الادارة والمفاصل الأمريكية. ونجد ان الادارة الأمريكية الجديدة قد اقتربت إلى حد كبير وخطير جداً من أهداف ورؤى الادارة الاسرائيلية الحالية وباتتا وجهان لعملة واحدة مما دفع بالكثيرين إلى وصف أمريكا بالتبعية لاسرائيل وهو ما دق ناقوس الخطر في أوروبا أولاً وآسيا والشرق الأوسط أخيراً، فكيف ينظر إلى ما يحدث. ما يحدث يرينا ان الانتفاضة خطوة تكتيكية من ياسر عرفات وليست استراتيجية معدة وهي هنا لتحقيق أهداف سياسية بدليل ابقاء الانتفاضة مدنية شعبية غير مسلحة، وهو ما يربك المخططات الأمريكية ـ الاسرائيلية. وكما هو معروف فإن الدولتين الحليفتين تواجهان مشاكل داخلية، فأمريكا بدأت تفقد مصداقيتها في حربها ضد الارهاب، وبدأت تنكشف اختناقاتها الاقتصادية ومضار الحرب الحالية، واسرائيل فقدت مصداقيتها كدولة صاحبة حق وظهرت بوجهها البشع كدولة محتلة ارهابية لا يردعها قانون دولي باعتراف رئيس حكومتها. وكما هو معروف فإن الانتفاضة جاءت لمواجهة الخطط التي اعدها شارون للاجتياح الذي حصل اليوم، لقد مهد له قبل ثمانية عشر شهراً وأجرت الحكومة الاسرائيلية وجيشها التدريبات والمناورات على الحصار والقصف واحتلال المواقع والمدن وشقت الطرق الكفيلة بتأمين حركة الجنود وقطعان المستوطنين، لكنها لا تملك الهدف الواضح وهو ما أشرت إليه الدراسات من فقدان التوازن الصهيوني بعد تبخر الفكرة. اسرائيل مترددة بين السلام حتى و ان كان على مقاس شروط وتفاهمات كامب ديفيد، وبين الحرب والاحتلال وسياسة الأمر الواقع وباستخدام القوة والنار، أما القيادات الفلسطينية فلها هدف واضح وهو ازالة الاحتلال وانجاز الحرية والاستقلال لكنها لا تملك الخطط والمقومات والاستعدادات الضرورية لتحقيقه اربعة سيناريوهات. في ظل ما سبق يبدو للكثيرين صعوبة استشراف آفاق المستقبل، لكن ما يمكن حسمه ان هناك خيارات داخلية مهمة بدأت بترسيخ قواعد لانتفاضة الأقصى وتأمين امكانية استمراريتها لكن هذه الاستمرارية لن يكون لها فرصة للحياة من دون بلورة العديد من النقاط المركزية: 1ـ دراسة الانتفاضة من حيث مسبباتها، مجرياتها، رصيدها الميداني، آفاق وآليات استمرارها. 2ـ ان تحسم قضية عدم جدوى استمرار المفاوضات عبر الراعي الأمريكي، وفي ظل المواقف الاسرائيلية الثابتة والتأكيد على ان استمرارها سيسجل سنوات عجافاً جديدة في حياة الشعب الفلسطيني دون جدوى. 3ـ ينبغي دراسة هيكلية اتخاذ القرار وصناعة ودراسة موقف السلطة ازاء استمرار الانتفاضة وعمليات المقاومة في حالة الوصول لاتفاقات ودراسة امكانية القيام بعمليات عسكرية مسلحة في ظل اتفاقات التنسيق الفلسطيني ـ الاسرائيلي وفي حال استحالة القيام بذلك البحث عن بدائل ومخارج. ان حسم هذه النقاط سيحدد أياً من السيناريوهات التالية سيجد طريقه في المستقبل: 1ـ توقف الانتفاضة والعودة إلى الحالة السابقة من المفاوضات. 2ـ استمرار الانتفاضة بزخم مشابه للانتفاضة الأولى. 3ـ تطور المقاومة الفلسطينية من الحجر إلى المواجهة بالسلاح. 4ـ حرب يشارك بها حزب الله ودولة أو دولتان عربيتان. تلك هي الاحتمالات التي يمكن ان تقرأ فيما يحدث وما سيحدث وما ينبغي له ان يحدث، فالعودة إلى اتفاقات سابقة نسفتها اسرائيل، والسلطة جردت حتى من شرعية وجودها بعد طلب أمريكا واسرائيل من عرفات المغادرة بمعنى اعادة القضية للمنافي ولحالتها الأولى قبل أوسلو ويعني ذلك أيضاً ايجاد أوسلو بديلة لأوسلو السابقة ولكن بشروط اسرائيلية جديدة ليس منها عودة إلى حدود 67 ولا عودة للاجئين ودولة بلا سلاح تابعة لاسرائيل.