بدأت الصحافة الاسرائيلية تتحدث عن اخفاق العملية العسكرية الشعواء وتعزو جانباً من ذلك الاخفاق الى خلاف بين القيادتين العسكرية والسياسية، اذ يعتقد قادة الأركان ان السلطة السياسية لم توفر لهم الاطار الزمني الذي يتيح لهم القضاء على شأفة الفلسطينيين. وتحدث مقال في صحيفة «يديعوت احرونوت» عن عدم وجود مشروع متكامل للقيادة السياسية الاسرائيلية، بل شككت في وجود قيادة سياسية موحدة، وعرض مقال آخر اصرار قادة الحرب على الذهاب الى غزة والقضاء على حركة حماس التي يزعمون انها استولت على مخازن سلاح السلطة، كما يعرض اصرار هؤلاء القادة على رفض الانسحاب من المدن الفلسطينية تحت أي ضغط سياسي دون مقابل، ويؤكد المقال على ان الحملة العسكرية التي أطلقها شارون لن تقضي على «الارهاب» وذكر ان غياب العمليات الاستشهادية لا يعني نجاح الجيش الاسرائيلي في اعتقال أصحابها وانما لأنهم في حالة فرار حالياً. وفي هذا السياق كتب عوفير شيلح، المحرر والصحفي في صحيفة يديعوت احرونوت مقالاً حمل عنوان «من يوقف الخيول» أشار فيه الى التناقض والضبابية التي تعيشها القيادتان السياسية والعسكرية في اسرائيل جاء فيه: أرسلت القيادة العسكرية، إلى صحف نهاية الأسبوع، رسائل واضحة تشهد على التوجه الحربي المسيطر عليها «الوقت لن يكفي لاستكمال المهمة «بين أربعة إلى ثمانية أسابيع، قال رئيس هيئة الأركان العامة، وهو يعرف جيداً أن إطارًا زمنيًا كهذا لن يكون». وهذه الحملة لن تنتهي بدون غزة، وعلى عرفات الانصراف. من يتعقب القيادة العسكرية يعرف مثل هذه الرسائل، وليس ابتداء من اليوم فحسب: فالوقت الكافي لن يتوفر أبداً «ولذلك ستكون القيادة السياسية، التي لم تحقق هذا الوقت المطلوب، هي المذنبة، عندما يتضح أن العملية العسكرية لم تحقق الهدف»، ودومًا ستكون هناك أهداف أخرى. بالإمكان تفسير ذلك كله على أنه تحمس للقيادة التنفيذية، تلك الأحصنة الشهيرة التي قال عنها موشيه ديان، إنه من المفضل إيقافها على الاضطرار إلى تحفيزها على العمل. ولكن في عملية عسكرية، تختلف الآراء حول جوانب منها - خاصة تلك الجوانب المتعلقة بدحر السلطة الفلسطينية وتقويضها، يمكن فهم التصريحات الحربية لهيئة الأركان على أنها محاولة لممارسة الضغط على المسئولين عنها. لقد سبق وشاهدنا مثل هذا الضغط الذي جر إسرائيل، أكثر من مرة، إلى عمليات نشك أنها أفادتها على المدى البعيد. بدأنا، أيضًا، نسمع تصريحات لا تنسجم مع تسريع الجيش لتنفيذ هذه العملية العينية بالذات: من الواضح، تقول المصادر العسكرية، إن الارهاب سيعود إلى اليقظة بعد الانسحاب من المناطق. من الواضح ان المحفزات لتنفيذ عمليات مسلحة، ستزداد مع مرور كل يوم، وستغطي لمدة طويلة، على ما لحق بالكفاءة من أذى، جراء ضبط المطلوبين والوسائل. باختصار، إن ما تتم حياكته أمام أعيننا هو ليس التغطية التي ستستخدم في حالة عودة الارهاب وبقوة أشد، فحسب، وإنما تسويغات للعملية القادمة وتلك التي ستليها، إلى أن يتحقق ما يسعى الجيش إلى تحقيقه بالقوة: إعادة احتلال الضفة الغربية «وربما غزة، أيضًا» والاحتفاظ بها لفترة طويلة. إزاء ذلك كله يطرح، وبكل قوة، السؤال حول ما الذي تريده القيادة السياسية، وما إذا كان هناك ما يسمى «قيادة سياسية»، أصلا، يمكن التحدث عنها بلسان واحد. أين ينوي رئيس الحكومة التوقف، وما هي رؤيته لليوم التالي، ما الذي يريده حزب العمل، شريكه في الائتلاف، وما هو خطه الأحمر. هل ينوي وزير الدفاع أن يصبح الناقد الاعلامي لرئيس هيئة الأركان العامة، أو أنه يفكر، أيضًا، بالاهتمام بوقف الرسائل الشديدة اللهجة الصادرة عن القيادة العسكرية. إن إسراع الأحصنة إلى تنفيذ العمل هو أمر جيد، لكن إذا لم تلجم هذه الأحصنة وامتلكت حرية اختيار وجهتها، فإنها لا تصل دائما إلى المكان الصحيح. وفي السياق نفسه كتبت اليكس فيشمان مقالاً في الصحيفة نفسها بعنوان: «سباق بوش» قال فيه. عندما ظهر رئيس هيئة الأركان، موفاز، أمام وسائل الإعلام، وأعلن ان الجيش يحتاج إلى شهر، على الأقل، لتنفيذ هذه العملية، كان يعلم انه لا يملك شهرا. فقد قدرت شعبة الاستخبارات العسكرية، قبل خطاب بوش، أن الزمن المتبقي لهذه العملية يتراوح بين عشرة أيام وبين أسبوعين. وأوعز وزير الأمن، بن اليعازر، إلى الجيش، الاستعداد لأحتمال إستمرار هذه الحملة لفترة أقل. بل إن مصادر مسئولة في الجهاز الأمني باتت تهمس بشكل غير رسمي، انه لم يتبق لنا أكثر من أسبوع. عندما تحدث الجيش عن حاجته إلى فترة شهر، على الأقل، لانهاء العملية، قصد القول، عمليا، للقيادة السياسة «لقد فشلتم في أداء مهامكم. لم تنجحوا بتوفير الفترة الزمنية المعقولة للجيش من أجل معالجة الارهاب، كما يجب. لقد طلبتم من الجيش تحقيق إنجازات، لكنكم لم تستطيعوا تنفيذ الجانب الخاص بكم من الصفقة. في المقابل يمكن، في المقياس نفسه، تفسير تصريحات رئيس هيئة الأركان العامة على أنها جاءت لتوفير الحجة. فإذا تواصلت العمليات في اليوم التالي لانتهاء العملية، سيكون بإمكانه القول أن القيادة السياسية لم تمنح الجيش فرصة إستكمال المهمة. في الجيش الإسرائيلي لا يؤمنون أن بإمكان المبعوثين ـ أمريكيون أو غيرهم ـ تغيير الوضع وجلب الفلسطينيين على الدخول في مفاوضات حقيقية للتوصل إلى اتفاق سياسي. عندما يقول رئيس هيئة الأركان إن المطلوب هو طرد عرفات من هنا، فهذا يعني قوله، في الواقع، انه لا يمكن عقد أية صفقة مع هذا الشخص. الأمر الذي يعني أنه حتى إذا توقفت عملية «السور الدفاعي» في الأيام القريبة، فمن الواضح أننا سنضطر إلى تكرارها قريبا -بمقاييس أكبر وبشكل أكثر عنفاً. لقد منيت السلطة الفلسطينية، خلال الأيام الأخيرة، بضربة قاضية، وتستعد حركة حماس لوراثتها. وحسب المعلومات التي تم جمعها في إسرائيل، فقد بدأت حماس الاستعداد للسيطرة على مخازن أسلحة السلطة وعلى منشآتها، الأمر الذي يضمن عدم حلول الهدوء هنا. ولا يعني الضغط على الدواسة، بالضرورة، دخول الجيش الإسرائيلي إلى مدن فلسطينية أخرى، تشملها الخطة الأصلية. وإذا تم تنفيذ عمليات في مواقع فلسطينية جديدة، فستكون بمثابة ألعاب نارية أكثر من كونها معالجة أساسية. وسيتم تحفيز العمليات بالأساس، في المواقع التي دخلها الجيش الإسرائيلي. ومن المفروض بالمعلومات التي تم جمعها، حتى الآن، من مئات المعتقلين الفلسطينيين، من أصل 1200 معتقل، أن تشير إلى أماكن تواجد المطلوبين ومخازن الأسلحة والكشف عن عمليات إرهابية مخططة. وسيضطر الشاباك والجيش إلى تسريع العمل من أجل الوصول عاجلاً إلى الأشخاص والأماكن، التي تشير إليها المعلومات. المرحلة الأولى التي سنطالب بها من قبل الأمريكيين، ستكون مرحلة اللجم: مرحلة التوقف داخل المدينة او المنطقة التي تم إحتلالها. أي عدم توسيع الاحتلال. ومن المفروض أن يبدأ في هذه المرحلة، التفاوض حول شروط إنسحاب الجيش الإسرائيلي من المدن. وبكلمات أخرى: ما هو الثمن الذي سيدفعه الجانب الفلسطيني؟ وستوفر هذه المرحلة مهلة مداها عدة أيام ستستغل لتنفيذ إعتقالات وتحييد أكبر عدد ممكن من المطلوبين. صحيح أن حجم التحذيرات إنخفض إلى الثلث تقريبا، منذ بدء العملية الأخيرة، ولكن هذا حدث في الأساس، لأن مشغلي الإرهاب يفرون الآن، وليس لأن الجيش الإسرائيلي نجح بإعتقال عدد حاسم منهم. وبالمناسبة، إن التحذيرات الحالية تنطوي على مركب جديد، وهو وجود الكثير من النساء «الانتحاريات» اللواتي تنتظرن دورهن للوصول إلى الجنة. هناك من يدعي في الجهاز الأمني بأن هناك احتمال آخر، وهو أن يرتكب الفلسطينيون خطأ، ويقوموا بتنفيذ عملية قاسية تجعل من زيارة باول مهزلة وتوفر للجيش الإسرائيلي فترة زمنية أخرى. في هذا الوقت الذي بدأ فيه الامريكيون كبح لجام إسرائيل، بات من الواضح ذلك الخطأ الحاسم الذي إرتكبه ذلك الذي خطط للعملية وإعتقد أن لديه الوقت غير المحدود لتنفيذ المهام. لقد بنيت خطة «السور الدفاعي»، حسب جدول زمني غير واقعي. لكن هذا هو نصف المأزق فقط، إذ بات من الواضح الآن مدى الحماقة التي إرتكبت حين تقرر التلاعب مع عرفات في مكتبه في رام الله. فهذه الخطوة لا تمت بأي صلة إلى محاربة قواعد الإرهاب، إضافة إلى أنها أهدرت وقت وطاقات الجيش، وشدت أنظار العالم، وحركت ساعة الرمل الزمنية التي ستضع حداً للعملية. من الواضح أن القيادة السياسية في إسرائيل تنظر عاليا وتعلن نيتها مواصلة العملية حتى إنتهائها. وهذا أمر مبالغ، ذلك أنه لن تتوفر التغطية لهذه التصريحات. ومن المفضل أن تبدأ القيادة السياسية التفكير بخطوة سياسية ما، لأنه دون ذلك، سيمضغ الأمريكيون، في المرحلة المقبلة، الخطة السعودية، نيابة عنا - حسب ما تقوله تحليلاتهم.. ومن ناحية أخرى كشف استطلاع أجرته الصحيفة حول احساس الاسرائيليين بالأمن بعد العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين وما إذا كانوا يواصلون الخروج من منازلهم كالعادة عن ان الفرد الاسرائيلي يعش رعباً حقيقياً، وينعكس ذلك في الجانب المتعلق بخروج الاسرائيليين من بيوتهم، حيث طرح الاستطلاع سؤالاً حول نسبة الاسرائيليين الذين يواصلون الخروج من بيوتهم كالعادة في الفترة الحالية، قياسا مع فترات سابقة. في الاستطلاعات السابقة أظهر الاسرائيليون شجاعة حين قالوا ان الارهاب لن يردعهم عن التوجه الى المقاهي ودور السينما وزيارة الأصدقاء، لكن النتائج الحالية تشير الى ان 67% من الجمهور الاسرائيلي، من اليهود وغير اليهود، يعترفون بامتناعهم عن الخروج الى أماكن اللهو، هذا يعني ان ثلثي المواطنين فرضوا على أنفسهم الاعتقال المنزلي في ساعات المساء.