في الأيام التي أعقبت 11 سبتمبر، رسم الرئيس الامريكي ملامح حرب شاملة على الارهاب كانت لافتة للنظر في وضوحها الأخلاقي. ولخّص بوش رؤيته لهذه الحرب في خطابه الذي ألقاه أمام الكونجرس في 20 سبتمبر، عندما قال: «الآن يتعين على كل أمّة في كل منطقة أن تتخذ قرارها. فإمّا أن تكون معنا، أو ان تكون مع الإرهابيين». لكن منهاج «إمّا ـ أو» هذا مهد الطريق لواقع أكثر ضبابية في الشرق الأوسط، إذ أن استجابة الإدارة الامريكية لحالة الفوضى والتشوش الكامل في المنطقة، وبصفة خاصة فيما يتعلق بإمكانية اعتبار الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ارهابياً، كشفت عجز وقصور المباديء التي صيغت بلغة المطلق. ومشكلة تصنيف عرفات أغضبت حمائم وصقور السياسة الخارجية على حد سواء، فالمتشددون يقولون إن على بوش أن يصف عرفات وأن يعامله كعدو. في حين يقول آخرون إن حالة عرفات تعرّي الخطأ في مبدأ بوش الذي تجاهل المساحة الرمادية الكبيرة الواقعة بين الصديق والعدو. وفي الأيام القليلة الماضية دافع الرئيس الامريكي عن نفسه ضد اشد موجة انتقاد لسلوكه في السياسة الخارجية منذ 11 سبتمبر. وعليه الآن ان يأخذ مستشاريه بعين الاعتبار احتمال ان يفرض عليهم الصراع في الشرق الاوسط تأخيراً أو تغييرات جوهرية في المرحلة التالية من الحرب ضد الارهاب التي من الواضح انها تستهدف العراق - والتي يخططون لها منذ شهور. إن ميل بوش الغريزي للنظر للحرب على الارهاب على انها حرب الخير ضد الشر خدمه بشكل جيد في اعقاب 11 سبتمبر وهو يحشد تحالفاً دولياً لحملة عسكرية في افغانستان اطاحت بنظام طالبان، وعلى الاقل شتت شبكة القاعدة الارهابية المسئولة عن الهجمات على الولايات المتحدة. لكن في مواجهة الحرب المتصاعدة بين اسرائيل والفلسطينيين، بدا بوش بعيداً كل البعد عن موقف المتيقن الواثق، وحلت مكان لغة «الابيض والاسود» التي استهل بها تعريف الحرب على الارهاب لغة اخرى وصفها منتقدو الادارة بالتردد والتناقض والغموض.ويقول كنيث ادلمان، وهو مسئول سابق في ادارة الرئيس رونالد ريجان، وتربطه علاقة وثيقة بنائب الرئيس الحالي ديك تشيني ومسئولين آخرين في الامن القومي بإدارة بوش: «كان بوش شديد الوضوح في اعقاب 11 سبتمبر، لكن دقته ووضوحه تحولا الان الى ضبابية مشوشة تبعث على الاحباط باعتقادي». ويتبنى أولهان صيغة «معنا أو علينا» التي اطلقها بوش ويقول انه يجب ان تطبق على عرفات. ويضيف: بغض النظر عن اسباب انزعاج الفلسطينيين، يجب على الادارة الامريكية ان تقول صراحة إن ما يفعلونه يشكل انتهاكاً لمباديء اللياقة والحضارة». نقد مواز، لكن لسبب معاكس، يتبناه الاستراتيجيون الاقل تشدداً، الذين يقولون ان مفهوم «الخير مقابل الشر» الذي طرحه بوش قاصر جداً وغير واقعي. ويشير هؤلاء ان بوش ليس اول من استخدام صيغة «معنا أو علينا» فقد استخدمها من قبله فلاديمير لينين في كتاباته الثورية حين قال: «من ليس معنا، فهو ضدنا». ويقول زبجنيو بريجنسكي الذي شغل منصب مستشار الامن القومي في عهد الرئيس الاسبق جيمي كارتر: «بالبديهة، اذ لم يكن شخص ما معك، فهل يعني هذا بالضرورة انه ضدك؟ انا لا اعتقد أن هذا مبدأ جيد للحكم على الاشياء. من الطبيعي والبديهي انه لا يمكن رسم خطوط الحياة الدقيقة بالابيض والأسود. هناك درجات متفاوته عديدة من الرمادي. ويجب على السياسة الخارجية أن تتعامل مع هذه الناحية بحساسية». ويضيف بريجنسكي الذي يحاضر الآن في جامعة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ان: «محاولة فرض «كل شيء أو لا شيء» خلقت تشوشاً ذهنياً مزعجاً وانني اتمنى أن أفهم سياستنا الخارجية. فمن ناحية نحن نتغاطى ونعطي الضوء الاخضر لشارون، ومن الناحية الاخرى نصوت في الامم المتحدة على الانسحاب الاسرائيلي. وقد حاول وزير الخارجية الامريكي كولن باول تفسير هذا التناقض الظاهر خلال سلسلة من المقابلات اجراها الاسبوع الماضي على شبكات التلفزة. وقال باول ان الادارة الامريكية ابلغت شارون بأن الولايات المتحدة تعترف بحق اسرائيل بالدفاع عن نفسها، لكنها تريد أن ينتهي الغزو الحالي بأسرع ما يمكن». وقال باول في حديث مع برنامج «صباح الخير، امريكا!». على شاشة شبكة «ايه.بي.سي»: «نحن لم نمنح شارون تأييداً مطلقاً، ولم نعطه ابداً ضوءاً اخضر وأوضحنا اننا نعتقد ان الحل الصحيح يكمن في عملية سياسية تتحرك الى الامام. وتلك العملية السياسية هي ايضاً في صالح الجانب الفلسطيني». ويجادل منتقدو الادارة الامريكية بأن خطأين في التقدير وضعا بوش في قلب المشكلة الحالية. الاول كان قراره في مستهل عمل ادراته بأن يقلل من اهمية الشرق الاوسط. والثاني أنه تجاهل توصيات الحلفاء بلعب دور اكبر بعد 11 سبتمبر في المنطقة. وقال مسئول سابق في ادارة كلينتون: «أعتقد ان ادارة بوش قللت من شأن التأثير السلبي للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي على المنطقة. كما ان الادارة أخطأت في تقدير المستوى الذي سيصل اليه العنف في المنطقة واهمية التدخل الامريكي وتأثير ذلك على الجزء التالي من الحرب على الارهاب. ويقول جاري شميث من برنامج «مشروع قرن امريكي جديد»: «الادارة الامريكية عالقة بين اولئك الذين يجادلون بأن الهدف الاستراتيجي الاول الآن هو العراق. وان كان ذلك يتطلب تحولاً تكتيكياً، وآخرين يقولون انه، سواء شئنا أم أبينا، فان الشيء الذي كان مجرد عنصر ازعاج اصبح الآن الخطر الامامي. ولم يعد الآن مسألة استراتيجية ثانوية، بل مسرحا استراتيجيا بحد ذاته».ويتحدى صراع الشرق الاوسط مبدأ ثانيا من مبادئ بوش بعد 11 سبتبمر، وهو المبدأ القائل بأنه لا ينبغي السماح للتحالف الدولي المزعج بتحديد المهام في الحرب على الارهاب. ويقول جيمس شتاينبرج، الذي كان نائب مستشار الامن القومي في ادارة بوش: «رأت الادارة ان بامكانها وحدها التركيز على ما تعتبره هي تهديدا للامريكيين. وانه على الاخرين ان يذعنوا او يتكيفوا او يؤيدوا ذلك. لكننا في المقابل، غير مضطرين لمراعاة أو تأييد أو تفهم أولويات الآخرين». واشار ليون فويرث الذي كان كبير مستشاري السياسات الخارجية لنائب الرئيس السابق آل جور، الى ان اخفاق مبدأ بوش كان أمرا محتوما، لانه ليس بوسع اي مبدأ كهذا التماشي مع كل الظروف. وقال: «ان هذا المبدأ يضعنا في ورطة، ونتائج هذه الورطة بالغة الفداحة، فهي تجعلك تختار بين التمسك بالمبدأ الذي طرحته وشق طريقك بصعوبة للخروج من المأزق، ونحن في مرحلة شق الطريق هذه لأن تطبيق هذا المبدأ يلقي بنا الى الجانب الاسرائيلي كلية، بحيث انه يمكن ان يرتب نتائج مدمرة في العالم العربي». عن دان بالز ودانا ميلبانك في «واشنطن بوست»