انتقد الكاتب الصحفي الأشهر محمد حسنين هيكل التركيز العربي على حصار اسرائيل لياسر عرفات في رام الله، محذراً من اختصار القضية الفلسطينية في شخص، على الرغم من تقديره له وانه الآن رمز للقضية، وانتقد هيكل في لقاء له زاد على الساعتين مع قناة «دريم» الفضائية انسياق العرب وراء الحلول الأمنية وغياب الحلول السياسية، وقال من المؤسف ان ينادي البعض رغم كل ما حدث بالتمسك بتفاهمات تينيت التي هي في الأساس رؤية المخابرات الأمريكية، ودلل هيكل على أن المطروح هو حلول أمنية وليس حلولاً سياسية باختيار أمريكا لانتوني زيني مبعوثاً لها، وهو قائد القوات المركزية الأمريكية في المنطقة. وعن القمة العربية الأخيرة التي عقدت في بيروت، قال هيكل في عداد ملاحظاته عليها انها جرت بدون جدول أعمال، وان البند الوحيد المهم فيها هو مبادرة الأمير عبدالله لم يطرح الا في الاجتماع، وأبدى هيكل دهشته من الذين انتقدوا منع عرفات من القاء كلمته عبر الستالايت، وقال انه شيء مهين للقمة ان يلقي عرفات كلمته بموافقة من شارون، وكيف لقمة عربية ان تستمع لكلمة من الممكن أن يقطعها شارون في أي وقت يريد. وأشار هيكل إلى ان هناك ثلاثة ملفات رئيسية لم يتعامل العرب معها بالكيفية المطلوبة، وهي ملف الانتفاضة الفلسطينية، وملف أحداث 11 سبتمبر، وملف الرئاسة الأمريكية، وقال هيكل في ملف الرئاسة الأمريكية، ان الرئيس الأمريكي جورج بوش هو أول رئيس أمريكي يأتي بعد انتهاء الحرب الباردة كاملاً .. مشيراً الى ان كلينتون شهد بعض الجيوب المتبقية منها، وجاء بوش مع هيمنة أمريكية كاملة على العالم، غير ان بقايا جيوب ما زالت موجودة ولابد من اسكاتها، وللحظ فإن هذه الجيوب في منطقة الشرق الأوسط، وقال ان ما قاله بوش عن محور الشر هو في الأساس يتمثل في العراق وايران، ودخلت كوريا الشمالية فيه ذراً للرماد، وكانت أفغانستان موجودة قبلهما ليس بوصفها دولة، وانما مكانا يوجد فيها تجمعات لابد من التخلص منها، وما يحدث الآن في فلسطين يدخل في هذا السياق، حيث وجود استراتيجية أمريكية كاملة للمنطقة، ونبه هيكل الى ان بوش يعني ما يقوله من تصريحات في هذا، وليس مفيدا أن يتهمه أحد بالغباء أو الجهل وما إلى ذلك، فالرجل يبدأ يومه من السادسة صباحاً، ويجلس مع كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي ساعة كاملة، يعلن بعدها ما يقوله، وعن تعامله مع المنطقة العربية .. قال هيكل، ان بوش وبعد نجاحه مباشرة كان أمامه تقرير هام يحدد فيه تحركاته تجاه المنطقة، وكان التقرير ينتقد الطريقة التي تعامل بها الرئيس كلينتون وادارته مع المنطقة حيث انغماس كلينتون المباشر في ذلك، فيما يعد تقليلا من هيبة أقوى دولة في العالم، وقال هيكل ان ما يذكر في ذلك ما حدث في مباحثات كامب ديفيد التي جمعت عرفات وباراك وكلينتون، حيث قيل لعرفات من الأمريكان، ألا تدركوا معنى أن يجتمع ويتحدث اليكم الرئيس الأمريكي. وقال هيكل، ان هناك من جاء الى المنطقة بعد نجاح بوش ليبلغ العواصم العربية ان أجندة الرئيس ليس متاحاً فيها زيارات ومقابلات منكم، وجاء ذلك في سياق الأسلوب الجديد الذي اعتزم بوش التعامل به في المنطقة، وهو ان قادة المنطقة هم الذين يحتاجونه، ولا يحتاج هو اليهم. وتحدث هيكل عن ملف 11 سبتمبر، مشيراً الى انه جرى فيه اتهام أمة بالكامل، والمؤسف ان احداً من قادة هذه الأمة لم يطلب معرفة ملف التحقيقات التي أجرته الأجهزة الأمريكية في ذلك، وأبدى هيكل استغرابه الشديد من الصمت الذي طبعه جميع القادة حيال هذا الأمر، فلا أحد من هؤلاء طلب قراءة ملفات التحقيقات الأمريكية، في الوقت الذي توجد فيه أجهزة الـ اف بي اي في خمس مدن عربية تباشر التحقيقات في كل ما يتعلق بما هو أمريكي. وعن مبادرة الأمير عبدالله، قال هيكل انها جاءت لتحسين صورة وليست كل القضية الفلسطينية، وذلك بعد الهجوم الاعلامي الشديد الذي تعرضت له المملكة في أمريكا عقب أحداث 11 سبتمبر، وسخر هيكل مما قيل رسمياً في وسائل الاعلام عن الظروف التي ولدت فيها المبادرة، وقال: هل يعقل أن يقوم مكتب تم تأجيره للتصدي لمهمة تحسين صورة السعودية، وكذلك صحفي يهودي هو فريد مان، بتقديم مبادرة لحل الصراع؟. وفيما يتعلق بما هو ممكن فعله عربياً، انتقد هيكل بعض الدعاوى باستخدام سلاح البترول، مشيراً إلى ان هذا غير ممكن، فلا الشركات التي تستخرجه عربية، ولا سفن الشحن عربية، ولا تكريره يتم عربياً، أي اننا نطالب بما هو غير ممكن، وأوضح ان هذه الدعاوى بدأت منذ عام 1948، ولم يتم تنفيذها، وما حدث في حرب اكتوبر 1973 هو أخذ تعهدات على السفن التي تقوم بشحن البترول الى الخارج ألا توزعه على عدد من الدول المساندة لاسرائيل. وقال هيكل هذا لا يعني عدم وجود بدائل مواجهة، مشيراً إلى انه لا يطلب الحرب، لأن هذا انتحار، كما انه لا يطلب الصمت لأن هذا تفريط، ولكن لابد من دراسة ما هو ممكن، وضرب مثلاً في ذلك بما يمكن فعله في مصر، قائلاً: ماذا لو أعلنت مصر مثلاً إنها لن تعطي تأشيرات للسياح الاسرائيليين لضرورات أمنية، أو التنبيه على السياح الاسرائيليين الموجودين بضرورة الخروج لضرورات أمنية، وأشار هيكل الى ان معاهدة كامب ديفيد من أهم انجازات اسرائيل في الصراع العربي الصهيوني، حيث استطاعت بواسطتها اخراج مصر من معادلة الصراع. وأبدى هيكل سعادته الشديدة من خروج الطلاب المصريين للتظاهر من أجل القضية الفلسطينية، مشيراً الى ان هذا يعيد التأكيد على ربط مصر بعروبتها في أذهان هذه الأجيال الجديدة، مطالباً باحداث تراكم على هذا، فما يفعله هؤلاء ليس من أجل فلسطين فقط وانما هو من أجل الأمن القومي لمصر. وانتقد هيكل بعنف عدم اعطاء الشباب فرصة القيادة، متذكراً انه في عام 1995 توجه الى دمشق من بيروت لمقابلة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وذلك بعد آخر مرة قابله فيها عام 1975. وقال هيكل: في الطريق من بيروت الى دمشق، خطر على بالي شيء قلته للرئيس الأسد وهو انه رغم مرور 20 عاماً على أول مقابلة لي مع الأسد إلا انني الان أسير في الطريق نفسه الذي ذهبت منه من قبل، لمقابلة الشخص نفسه، وللحديث في الموضوعات نفسها، وأضاف هيكل، حين صارحت الرئيس الأسد بما جال في خاطري، رد عليّ ضاحكاً: وانت الشخص نفسه أيضاً الذي قابلته منذ 20 عاماً، وأضاف هيكل، في القضية نفسها أيضاً، أرسل لي الرئيس الليبي معمر القذافي منذ أسابيع طائرة خاصة للذهاب اليه في ليبيا والعودة في اليوم نفسه، وكانت هذه بعد مقابلة له منذ 30 عاماً، وثانية في القاهرة منذ عام أو أكثر، وأثناء لقائي به في ليبيا، خطر لي أن القذافي هو من أكثر القادة العرب شباباً، لكنه يحكم منذ 33 عاماً، واستنكر هيكل ما يراه البعض في ذلك كنوع من الاستقرار، قائلاً: ان هذا ركود وشيخوخة.