الملف السياسي: كان الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان مولعا باستخدام عبارة «ان الذعر لايتملكنا بسهولة» ولهذه العبارة تراث في الغرب الامريكي، اذ ان الكاوبوي الجيد والرامي الدقيق كان لا يشعر بالذعر وهو يصوب فوهة مسدسه باتجاه غريمه. وكلما كان اقل ذعرا واكثر هدوءا كان اكثر قدرة على تحديد واصابة الهدف. والعكس صحيح. القوات الامريكية في افغانستان اليوم يتملكها الذعر، وبالتالي فان قدرتها على ارتكاب الاخطاء كبيرة و .. قاتلة ، وهنا نماذج من اعترافات «القتلة الابرياء» وهم ابرياء لأن احدا لم يحاكمهم، فالعدالة الامريكية، في زمن الحرب عمياء، سواء كانت في افغانستان او في فلسطين، ومع ان الرئيس جورج بوش بات يجمع الساحتين معا في سلة الحرب العالمية ضد الارهاب، الا ان ما يجمع بينهما بالفعل هو سقوط ضحايا مدنيين برصاص جيش نظامي، يخوض حرب دفاع عن النفس لا حدود لجبهاتها .. كما يعلن الرئيس بوش ويرددها معه ارييل شارون. ضحايا ومعتقلون و«قتلة ابرياء» يوم 24 يناير الماضي، ووفقا لتقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الامريكية قامت القوات الامريكية باقتحام بلدة «اورزوغان» الافغانية فقتلت «21» قرويا واعتقلت 27 آخرين. ولكن بعد اسبوعين من الاعتقال افرجت عنهم، بعد ان تبين انه لا علاقة للضحايا ولا للمعتقلين بحركة طالبان ولا بتنظيم القاعدة. وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية «سي. آي. ايه» قامت بدفع تعويضات لأهالي الضحايا وفقا لما يقوله المسئولون المحليون في البلدة. المعتقلون بعد الافراج عنهم، قالوا ان الجنود الامريكيين «ضربوهم بقسوة» خلال فترة اعتقالهم وتعاملوا معهم باعتبارهم من مقاتلي طالبان والقاعدة، قبل ان يكتشفوا انهم قرويون مسالمون. القيادة المركزية الامريكية رفضت الاعتراف بوقوع اية اخطاء في عملية اقتحام بلدة اورزوغان، وقالت ان الهجوم كان ردا على اطلاق نار تعرضت له، اي انها كانت في حال دفاع عن النفس. اذن لماذا دفع تعويضات، ولماذا الافراج عن المعتقلين؟ ان 21 قرويا قتلوا برصاص جيش نظامي يخدم في دولة ديمقراطية، ومع ذلك فان احدا لايقدم للمحاكمة، فالمسئولون جميعا هم من «القتلة الابرياء». .. وموقعة اخرى يوم 17 مارس الماضي، وفقا للصحيفة الامريكية، هاجمت القوات الامريكية مجمعا قرويا في منطقة «خرميتاد» وهي تبعد 40 كيلومترا، غرب مدينة قندهار، واعتقلت 30 قرويا، واعلن البنتاجون ان العملية هي نموذج حي على قدرة القوات الامريكية في تنفيذ خطة اقتلاع الارهاب من جذوره، فالمعتقلون كانوا ينتمون الى قوات طالبان والقاعدة. ولكن بعد اربعة ايام فقط تم الافراج عن جميع المعتقلين، بعد ان تبين انهم من «حلفاء» قوات تحالف الشمال، وان قوات التحالف تدفع لهم رواتب لمساعدتها على مكافحة الجرائم وحفظ الأمن. 18 شخصا من المعتقلين، قالوا في مقابلات صحفية ان الدبابات الامريكية كانت تحاصرهم مدعومة من طائرات الهليوكبتر، وانهم استسلموا الى المهاجمين على الفور، وابلغوهم انهم حلفاء للقوات الامريكية، غير ان الجنود الامريكيين اما انهم لم يفهموا ما قالوه او انهم تجاهلوه، فقيدوهم وانهالوا عليهم لكما وركلا وامروهم بالركوع على ركبهم، ثم سجنوهم في اقفاص داخل قاعدة عسكرية امريكية، قبل ان يفرجوا عنهم بعد اربعة ايام. الناطق العسكري في قاعدة قندهار العسكرية الميجور اغناسيو بيريس، قال ان عملية 17 مارس لن تخضع للتحقيق، اضاف: «ان هؤلاء المعتقلين تم التعامل معهم بلباقة شديدة، اننا نتعامل مع جميع المعتقلين بانسانية تتوافق مع الحماية التي منحها لهم مؤتمر جنيف». الجنرال جون روسا من سلاح الجو الامريكي ونائب مدير العمليات في البنتاجون، قال في تبرير الحادثة «انه كانت هناك سلسلة من العلامات تشير الى نشاطات معادية، وعندما تتجمع هذه العلامات في خط واحد فان المجمع القروي يتحول الى هدف». وبعد اطلاق المعتقلين قال الجنرال نفسه: لقد كنا نراقب ذلك الموقع منذ بعض الوقت، ومن خلال الاستخبارات، فقد شاهدنا المزيد من الذخيرة والمزيد من الاسلحة تتدفق على ذلك الموقع، اضاف: «شاهدنا ايضا اشخاصا لم نتعرف على هويتهم في المنطقة، والاهم ان الافغان الذين انضموا الى قواتنا لم يكونوا يعرفون المقيمين في ذلك المجمع». خياران امام العرب والمسلمين لماذا الاشارة الآن الى هذه الاحداث؟ اولا لان مقتل الافغانيين لا يصنع عناوين في الاعلام ولا في الادارة الامريكية، بينما كان سقوط اول جندي امريكي في افغانستان، موضوعا لتحقيقات مطولة انتهت قبل ايام بانه قتل بنيران «صديقة» اي بنيران الجنود الامريكيين، واحتل زوايا بارزة في الصحف، وتناولته شبكات التلفزيون، ورددته اذاعة «صوت امريكا» في كل نشرات اخبارها، وعلى مدى يوم كامل، وثانيا: ان الادارة الامريكية ومعها اغلبية الاعلام، وخاصة المتلفز، تتعامل مع اغتيال الفلسطينيين، كما مع مقتل الافغانيين، بينما الصور والروايات عن «الضحايا الاسرائيليين» تصنع معظم العناوين، وتكاد تصبح الحديث المفضل للرئيس بوش الابن. وثالثا عندما يجمع الرئيس بوش الابن منظمات حماس والجهاد الاسلامي وكتائب الاقصى وحزب الله في سلة الارهاب مع طالبان والقاعدة فانه لا يترك امام العرب والمسلمين الا خيارين: فاما ان يكونوا جميعا فلسطينيين، او ان يتحولوا افغانيين، وفي الحالتين فانهم ارهابيون. (!) المغني وليس الاغنية واخيرا، كنت على مدى الاسبوع الماضي اتابع تغطية عماد الدين اديب، في قناة اوربت، للاحداث في فلسطين، قال عماد ان في العالم العربي والاسلامي فئة درست في الغرب وتؤمن بمباديء الليبرالية والديمقراطية، ولكن بعد مواقف الرئيس بوش من القضية الفلسطينية فان هذه القيم نفسها باتت مهددة. وهنا اتساءل مع الزميل الهاديء والمحترف عماد: هل هي الديمقراطية من يحكم امريكا اليوم .. ام انها الاصولية في حلة جمهورية مذعورة، يقودها رئيس لم يدخل البيت الابيض بأصوات الناخبين بل بحكم قضائى ... ويساوي بين ديمقراطية بناها واشنطن وجيفرسون وبين ديمقراطية بناها المطلوبون من العدالة: شامير وبيجين و.. شارون؟ .. ومع ذلك مازلنا نؤمن بصحة المثل الامريكي: ان الخلل في المغني وليس في الاغنية.