إنها سابقة في تاريخ الاستعمار.. رئيس سلطة منتخب شرعياً من شعبه تعتقله قوات الاحتلال العسكرية.. جمود عربي رسمي.. عسكر بني اسرائيل يقتل بالمئات المدنيين الفلسطينيين.. والجيش الاسرائيلي يكرر في الاراضي المحتلة ما يدعي انه حدث لليهود من النازية الألمانية.. واشنطن منحازة للدولة العبربة التي تملك الأسلحة العسكرية الثقيلة، وتقف لجانب الأقوى ضد الشعب الضعيف، الذي لا يملك إلا ارادته وثباته على المقاومة. والخيارات الرسمية للعرب مظلمة، حيث ان مصر الشقيقة الكبرى مكبلة باتفاقية «كامب ديفيد» السلام مع العدو، وكذلك الأردن. والسعودية قدمت مبادرة سلام تبنتها القمة العربية، ورفضتها اسرائيل، وردت عليها بإخراج لسانها لكل العرب، تضرب الفلسطينيين وتسحقهم بالدبابات والطائرات. حول الاجتياح الاسرائيلي ومأزق السلام، والانعكاسات السافرة لتصرفات العدو الصهيوني، أجرى «الملف» الحوار التالي مع الدكتور فيلم براند خبير الشئون العربية الاسرائيلية في هولندا.. المبادرة والحصار ـ كيف تستقبل اسرائيل تبني القمة العربية لمبادرة سلام عربية شاملة ترحب بالتطبيع معها، بأن تحاصر رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وتعزله عن شعبه والعالم، وهو شريكها في مفاوضات السلام؟ ـ لقد رأت اسرائيل في المبادرة العربية رأس حربة ستكون غائرة في صدرها، لأنها تتضمن حصارا لسياسة العنف واليمين المتطرف الاسرائيلي، وهو سلام يضعها في مأزق دولي، فجاء الرد الاسرائيلي هو اعلان رفضها، ومن ناحية ثانية بدأ شارون في تنفيذ سياسة الطريق المسدود التي صنعها وينفذها لعرقلة تحقيق السلام مع الفلسطينيين، وهي ايضا استراتيجية لليمين الاسرائيلي لتأجيل حلم اقامة الدولة الفلسطينية، في حياة عرفات، لذلك تعلل شارون بأسباب العمليات الانتحارية، وبشكل خاص التي قام بها أحد عناصر «عزالدين القسام» التي تتبع حركة حماس في 29 مارس الماضي، وأصدر أوامر لاقتحام مقر السلطة الفلسطينية، بهدف حصار عرفات وعزله، وحتى ينشغل الرأي العام العالمي، عما ترتكبه القوات العسكرية الاسرائيلية من عمليات تصفيات جسدية للمقاومة الفلسطينية، بهدف اجهاض الانتفاضة الثانية وإفساد أهدافها حتى يعيد شارون الوضع الفلسطيني إلى مرحلة ما قبل اتفاقية أوسلو. ـ ما انعكاسات اقتحام اسرائيل لمناطق الحكم الذاتي، المدن، مقر الرئاسة الفلسطينية؟ ـ المناخ السياسي والرأي العام الغربي بصفة خاصة ليس في صالح الفلسطينيين حالياً، حيث ان توجهات المسارات الاعلامية تصب في القضية التي تتبناها امريكا وهي محاربة الارهاب، ورئيس وزراء اسرائيل شارون يكاد يردد حرفياً الخطاب السياسي الامريكي، وكلام رئيسها، جورج دبليو بوش باستبدال شارون لكلمات طالبان والقاعدة بحماس وحزب الله، وهو تشويش اعلامي وسياسي خطير جداً، ومن هنا نجد الانعكاسات الشعبية الأوروبية باردة للغاية، اما على المستوى الرسمي السياسي الاوروبي فهو ليس بأفضل من الشعبي، وله أسباب مختلفة حيث ان الاتحاد الأوروبي التزم أمام أمريكا سياسياً وعسكرياً، بالوقوف معها لمحاربة الارهاب، وشارون وأمريكا أقنعا قادة وزعماء أوروبا بأن العمليات الانتحارية الفلسطينية هي ارهابية، لذلك لا ننتظر من أوروبا موقفاً سياسياً مدافعاً أو مؤيداً للفلسطينيين، وهناك ثمة توقعات لانعكاسات أخرى في المنطقة العربية، ليس بالضرورة ان تنجح فيها اسرائيل، لكن توجد لها مؤشرات غير آمنة، وقد تكون لها عواقب وخيمة. تهويش إسرائيلي ـ هل تقصد ان اسرائيل تريد جرّ الدول العربية لحرب جديدة في المنطقة؟ ـ مساعي اسرائيل عامة، وشارون الليكودي بشكل خاص تكمن في: ـ إثارة سياسة «صرف الأنظار عن الملف الرئيسي»، وهي تحقق بذلك حال نجاحها في كسب عنصر الوقت، أما لأسباب داخلية تخص الساحة الاسرائيلية، وإما لشغل العرب بقضايا فرعية، وإما لتوجيه الدول التي لها وجهات نظر ومواقف معتدلة الى طريق آخر، وبالتأكيد المرحلة الراهنة تكسب بها اسرائيل ورقة الوقت، ألم تلاحظ معي ان الاعلام العربي، والحكومات العربية اصبحت قضية القضايا لديها الآن رقم (1) هي تخليص عرفات من حصاره، ومئات القتلى الفلسطينيين تحولت لقضايا فرعية، والحديث عن مفاوضات السلام يأتي في رقم (3)، بينما الاهتمام الثاني هو وقف تدمير الآلة العسكرية الاسرائيلية للمدن الفلسطينية، خلط الأوراق على هذا النحو، هو هدف اسرائيلي. ـ أما الحرب الشاملة «الآن» فهي ليست في صالح اسرائيل، فقط التوتر العسكري في المنطقة العربية، وإثارة الخلافات بين حكومات هذه المنطقة، هي أيضاً استراتيجية اسرائيلية. ـ المحور الثالث هو علاقة اسرائيل بأمريكا، تلك العلاقة شديدة التعقيد، فهي ليست بصداقة كاملة، ولا عداء تام، وهو ليس مجالنا هنا.. لكن بالتأكيد اسرائيل تلعب بورقة المعلومات المغلوطة التي تمرر من خلالها ملفات كاملة وهمية لصُنّاع السياسة في واشنطن. ـ إذن تستبعد أن اسرائيل تهدف لجرّ المنطقة لحرب شاملة، بلا حدود جغرافية، كما ذكرت حكومة شارون في أولى ردود فعلها على مبادرة السلام العربية؟ ـ ذكر اسرائيل لتعبير «حرب شاملة بلا حدود جغرافية» سمعناه.. ونحن في أوروبا نفهمه على انه رسالة «تهويش»، تعتمد فيها اسرائيل على حقائق سياسية، وواقع عسكري، ولنبدأ بالأولى: ـ ترتبط كل من مصر والأردن باتفاقيتي سلام، وسوريا تريد استرداد هضبة الجولان، إذن هذه الدول الثلاث مكبلة، الأولى والثانية بمعاهدات شهدت عليها امريكا، وحكومة دمشق لا تريد المغامرة العسكرية، لكي لا تخسر ورقة سياسية تسعى لتقويتها. ـ أما الواقع العسكري: فهو ان الولايات المتحدة الامريكية لها قوات عسكرية في منطقة الخليج العربي: قطع بحرية، قوات أرضية، قوات جوية. ومعرفة اسرائيل ـ بأن الموقف على عكس ما حدث في حرب 6 اكتوبر 73 ـ بقدرة الآلة العسكرية الأمريكية على الدفاع عنها خلال زمن قصير جداً، هو عصا تستخدمها اسرائيل وراء الباب. أوروبا والموقف العربي ـ هل الفهم الأوروبي بأنه تهويش.. على الرغم من التهديدات التي أطلقها وزير الدفاع الاسرائيلي بن اليعازر لكل من سوريا ولبنان؟ وتبع هذا التهديد ضرب بالطائرات الاسرائيلية على الحدود اللبنانية في الجنوب؟ في الوقت الذي استدعت فيه اسرائيل قوات الاحتياط. ـ منذ رحيل القوات العسكرية الاسرائيلية عن الجنوب اللبناني، بعد احتلال دام قرابة 22 عاماً والموقف على الحدود لا ينعم بالهدوء الكامل، حيث تحدث عمليات تبادل لإطلاق النيران بين حزب الله والجيش الاسرائيلي، بالقرب من مزارع شبعا، ومعرفة اسرائيل بقدرة حزب الله على المقاومة العسكرية طويلة الأمد، وما تقوله بأن سوريا تدعمه بالسلاح، يثير القلق من فتح هذه الجبهة مرة ثانية، خاصة بعد اعلان الأمين العام حسن نصرالله بأنه سيدعم المقاومة الفلسطينية، ولا ننكر ان اسرائيل خائفة من مفاجأة عربية خارج حساباتها، لذلك فهي مريضة بالهاجس الأمني، وسواء كان اعلان المخاوف خيالاً أو حقيقة فالواقع لا يتغير، وربما تسعى اسرائيل لإشعال الحرب الشاملة، وأعتقد ان الدول العربية الكبرى لن تقع في هذا الفخ حال ثبوته، فمصر أعلنت ان السلام خيار استراتيجي، وتبنت الحكومات العربية ذلك الخيار، وأكرر ان تحقيق السلام يقلص من حجم اسرائيل، ويسحب منها تبريراتها بأن أمنها وشعبها مهدد من الدول العربية، وبذلك تخسر المساعدات المالية الكبيرة، وتخسر السلاح الذي تحصل عليه من أمريكا، وتفقد التقنية النوعية التي تساعد على تفوقها على العرب، إذن السلام ينهي كل ذلك. ـ هل تتوقع تحركاً أوروبياً قوياً تجاه تحقيق العدالة في القضية الفلسطينية ووقف العنف الإسرائيلي؟ ـ لست متشائماً.. لكن التحرك الأوروبي مرتبط بحدوث تحرك عربي صارم ومحدد، لماذا لا تنتهج الدول العربية مواقف سياسية مثلما فعلت ابان حرب اكتوبر 73. أمام العرب قدرتهم على قطع النفط عن الغرب، وإعادة العلاقات مع اسرائيل لنقطة الصفر، وتجميد العلاقات التجارية مع أوروبا، وهي كلها ضغوط مشروعة، فأوروبا استخدمت ذات الأساليب ضد يوغسلافيا، واستخدمتها بجانب أمريكا ضد ليبيا والسودان والعراق، فعلى العرب ان يعاملوا الغرب بالمثل لتحقيق مصالحهم، طالما ان القنوات الدبلوماسية لم تنجح في وقف ضرب الفلسطينيين.