الملف السياسي: لم يكن اجتياح القوات الاسرائيلية لمدينتي (رام الله) و(البيرة) يوم الجمعة 28 مارس الماضي مفاجأة، فقد كان أمرا متوقعا منذ تولي شارون السلطة، لينفذ أهدافه السياسية والاستراتيجية التي انتخبه الشعب الاسرائيلي لتحقيقها، وهي فرض (إسرائيل الكبرى) في المنطقة على حساب كل البلدان العربية وليس فلسطين فقط، توطئة لقيام (الكومنولث العبري) الذي تحدث عنه الزعيم الصهيوني المتطرف (جابوتنسكي) عام 1929، وتكون فيه اسرائيل بمثابة قوة اقليمية عظمى تدور في فلكها عدة دويلات عربية ضعيفة مقسمة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، وذلك من خلال منظومة استراتيجية ذات عدة مراحل تكرس استخدام قوة البطش العسكرية بأقصى طاقاتها وعلى كل الصعيد الفلسطيني، ثم ضد الدول العربية طبقا لخطة اعداد سياسي ومخابراتي تخلق الظروف والذرائع التي تعطي المبرر لذلك. تبين ذلك بوضوح منذ اقتحم شارون المسجد الأقصى وسط آلاف الجنود الاسرائيليين في سبتمبر 2000 وهو خارج الحكم، وبتأييد من رئيس الحكومة آنذاك (باراك)، وكان شارون مدركا تماما تبعات وردود الفعل المتوقعة على الساحة الفلسطينية ومتحسبا لها، لأنه كان يسعى للصدام العسكري مع السلطة الفلسطينية توطئة لضربها والقضاء عليها، وبما ينهي عملية (أوسلو) برمتها، وهو الذي كان معارضا لها منذ ابرامها في عام 1993 لأنها كانت تتعارض مع أهدافه بعيدة المدى. لذلك كان اقتحامه للمسجد الأقصى عملية محسوبة لاشعال الموقف ووضع حد للعملية السلمية التي تعرقل تنفيذ أهدافه، ولاكتساب تأييد التيار اليميني والديني المتطرف الذي يسيطر عليه الحاخامات والأحزاب الدينية وتدعمه المؤسسة العسكرية والموساد، وقد نجح شارون في ذلك عندما تمكنت هذه القوى المتطرفة من توصيله الى الحكم في اسرائيل. لقد بدأ شارون منذ اليوم الأول لتوليه السلطة في تنفيذ خطته، باعلان عزمه على انهاء الانتفاضة في خلال مائة يوم باستخدام القوة العسكرية في تدمير البنية الاساسية للسلطة الفلسطينية، وارهاب الشعب الفلسطيني بكل وسائل القوة المتاحة في اسرائيل، حتى لم يبق شيئا لم يستخدمه سوى القنبلة النووية!! ثم اعلن انهاء اتفاق أوسلو، وعدم تعامله مع عرفات، بل وندمه على عدم تصفيته في حرب لبنان عام 1982، ثم أعلن عن وجود بديل لعرفات جاهز لديه، وذهب الى واشنطن لمحاولة تسويقه. بعد ذلك حاصر عرفات في رام الله على النحو المعروف، وصعد شارون من اتهامه لعرفات بمسئوليته عن عمليات المقاومة الفلسطينية والاستشهادية منها على وجه الخصوص، في حين ان شارون يدرك جيدا ان لا سيطرة لعرفات على هذه العمليات، التي تجري بشكل تلقائي من جانب الشباب الفلسطيني تعبيرا عن سخطهم على الحالة التي وصل اليها الشعب الفلسطيني بفعل الاحتلال الاسرائيلي، ولتكبيده أكبر قدر من الخسائر البشرية انتقاما من الجرائم التي يرتكبها الاسرائيليون في حق الفلسطينيين وبعد أن فشل شارون في انهاء الانتفاضة، وبالتالي فشله في تحقيق وعوده للشعب الاسرائيلي بالأمن والسلام، بل والى تفاقم التمرد الذي ظهرت بوادره داخل المؤسسة العسكرية بالعريضة التي قدمها ضباط الاحتياط، معلنين فيها رفضهم الخدمة في المناطق المحتلة، ومطالبين بحل سلمي للمشكلة مع الفلسطينيين، وهو ما كان له انعكاسات سلبية في الرأي العام الاسرائيلي تجاه شارون، وتقليص حجم التأييد الذي كان يحظى به في السابق، وجد شارون نفسه في مأزق داخلي صعب وضع نفسه فيه بيده، ولم يجد مخرجا منه الا الهروب الى الامام بتكثيف الممارسات الوحشية ضد الشعب الفلسطيني، وفرض مزيد من الضغط على عرفات، واحكام الحصار عليه حتى وصل الأمر أخيرا الى اعلان شارون عزل عرفات، وكأنه كان معينا رئيسا للسلطة الفلسطينية من قبل الحكومة الاسرائيلية، وليس من قبل الشعب الفلسطيني في انتخابات ديمقراطية حرة، ثم اعلان شارون الأخير بعزل عرفات جسديا على حد تعبيره في المؤتمر الصحفي، وعندما سئل عن معنى ذلك لم يعط اجابة واضحة. التوقعات المستقبلية لكي نواجه هذا الموقف الحالي، ونتحسب لعواقبه مستقبليا، ينبغي أن ننطلق من أسوأ الاحتمالات المتوقعة، وهي كالآتي 1ـ انهاء مرحلة عرفات اما بالقتل، أو الاسر، أو الابعاد خارج الاراضي الفلسطينية. 2ـ اجتياح اسرائيلي كامل لجميع مدن الضفة الغربية، واعادة احتلالها على النحو الذي جرى مؤخرا في رام الله والبيرة، وتصفية جميع عناصر السلطة الفلسطينية وبما يجبر الفلسطينيين على الهجرة من أراضيهم. 3ـ القيام بعمليات اعتقال بالجملة للشباب الفلسطيني من عمر 15 سنة الى 45 سنة، وهو ما بدأ شارون منذ أسابيع في تنفيذه بهدف القضاء على البنية الاساسية للمقاومة. 4ـ تنفيذ عمليات ترحيل جماعي للفلسطينيين الى الدول العربية المجاورة. في ظل هذا السيناريو الاسوأ من جانب اسرائيل، ماذا نتوقع على الجانبين الفلسطيني والعربي؟ 1ـ بداية ستتوحد جميع الفصائل الفلسطينية رغم اختلافاتها حول عرفات باعتباره الرمز الفلسطيني الذي يمثل المقاومة الفلسطينية في وجه الاحتلال الاسرائيلي. وفي حالة استشهاد عرفات سيتم انتخاب قيادة جماعية مؤقتة تتولى مسئولية قيادة النضال الفلسطيني، تمثل فيها جميع فصائل المقاومة، وتنسق اعمالها سياسيا وعسكريا، وهو ماسيصعب الموقف امام شارون أكثر لأنه لن يجد وجها معتدلا يمكنه التعامل معه، أو يمكن للأمريكيين التعامل معه، لأن أي قيادة فلسطينية جديدة ستخلف عرفات لن تقبل بأقل مما كان يطالب به عرفات من انسحاب كامل للاسرائيليين، واقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. 2ـ انهاء كل مايتعلق بعملية السلام، والتوسع في عمليات المقاومة الفلسطينية - خاصة الاستشهادية - وقد تتبع المقاومة أساليب أخرى أقصى من العمليات الاستشهادية تستخدم فيها أساليب أخرى غير تقليدية تحقق المزيد من الخسائر البشرية بشكل جماعي داخل اسرائيل باعتبار مبدأ (الحاجة أم الاختراع) وستستغل المقاومة في ذلك جميع عناصر الضعف في المجتمع الاسرائيلي وبنيته الاساسية داخل وخارج اسرائيل ومااكثرها. فقد تطول أيدي المقاومة الفلسطينية أهدافا اسرائيلية معرضة في الخارج مثل السفارات. مكاتب الطيران والمؤسسات التجارية وتجمعات اليهود والمعابد.. الخ 3ـ وقد يتواكب ذلك مع فتح جبهة جنوب لبنان ضد شمال اسرائيل بواسطة المقاومة اللبنانية وحزب الله لتفتيت جهود اسرائيل بين جبهتين أو أكثر، وقد تفتح أيضا جبهة الجولان في هذا الاطار، وقد تطول هذه العمليات أهدافا استراتيجية أمريكية في منطقة الشرق الاوسط وخارجها، وذلك في اطار هدف استراتيجي يتمثل في تحقيق (توازن الرعب) لمواجهة غياب (التوازن العسكري)، بمعنى تصدير الرعب الذي استهدف شارون بثه في نفوس الفلسطينيين الى نفوس الاسرائيليين في الداخل لاجبارهم على ازاحة شارون والضغط عليه لسحب القوات الاسرائيلية من الاراضي الفلسطينية، كما انسحبت من قبل من جنوب لبنان بسبب ضغط الرأي العام الاسرائيلي في مايو 2000، وتحت وطأة الخسائر البشرية الجسيمة التي تعرضت لها هناك بعد ثماني سنوات من الاحتلال. 4ـ كذلك من المتوقع أن يكون للأحداث الأخيرة مردودا عنيفا في الشارع العربي في كل المدن العربية تضامنا مع الشعب الفلسطيني، وقد تخرج هذه المردودات عن سيطرة الحكومات العربية، وهنا منبت الخطر. لأن هذه المردودات العنيفة ستفرض على الحكومات العربية اتخاذ اجراءات أمنية للحفاظ على الأمن وممتلكات المصالح الأجنبية - خاصة الأمريكية، وقد يحدث تصادم بين الجماهير الغاضبة والسلطات الأمنية، وهذا ماتريده اسرائيل بل ستستغله بدس عناصر تابعة لها لتحدث ما تشاء من أعمال عنف (قتل، تخريب، تدمير) لتضرب أكثر من عصفور في وقت واحد، من ذلك تصدير أعمال العنف الى قلب الدول العربية، واشغال الحكومات العربية في مشاكل أمنية داخلية تبعدها عما سيجري على الساحة الفلسطينية من أعمال ابادة وتخريب وتدمير وتهجير منظمة على أيدي القوات الاسرائيلية. وهذا ماينبغي ان تفطن له الجماهير العربية الغاضبة وتفوته على اسرائيل، وهو أيضا واجب الأجهزة السياسية والاعلامية في الدول العربية التي عليها أن تنبه شعوبها الغاضبة الى حقيقة المخططات والأهداف الاسرائيلية التي تسعى الى تصدير مايحدث في اسرائيل الى داخل الدول العربية. المفروض عربيا لا ينبغي أن يظل العرب يحملون في أيديهم كلها غصن الزيتون بينما يحمل الاسرائيليون البنادق في كل أيديهم، وبعد أن حطم شارون بوحشية غصن الزيتون الذي رفعه القادة العرب في قمة بيروت في أقل من 24 ساعة من اعلان السلام الذي قدموه، معلنا تحديه السافر باعلان الحرب على الفلسطينيين، ولم يكتف بذلك، بل أعلن بغطرسة وتبجح أن لا حدود جغرافية للعدوان الاسرائيلي، بالتالي بدا واضحا للجميع سخافة الحديث الممجوج عن خيار السلام الاستراتيجي الذي تبناه العرب لاكثر من عشر سنوات بلا فائدة أو نتيجة أو ثمرة، في مواجهة دولة اسرائيل التي لا تعرف بكل أحزابها وفئاتها وطوائفها سوى حديث الحرب، ولا تفهم سوى منطق القوة. ومن ثم ينبغي أن تتحول دفة الحديث السياسي العربي، والسلوك العربي الى وجهة أخرى نحو دعم ومساندة المقاومة الفلسطينية بكل الوسائل البشرية والعسكرية، وليس الاقتصادية والسياسية والمعنوية فقط. وذلك بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك التي تضم فلسطين ضمن البلدان العربية، حيث يتعرض شعبها اليوم للابادة المنظمة من قبل الاسرائيليين. واذا كان شارون قد أعلن أن عرفات والفلسطينيين اعداء لاسرائيل، فإنه ينبغي ان تعلنها الدول العربية بلا استثناء ان اسرائيل هي العدو الرئيسي للعرب أجمعين، ويكون هذا هو منطلق التعامل معها مستقبلا، وفي حديثنا عنها مع الدول الاخرى، خاصة الولايات المتحدة. وإذا كان من الصعب اليوم استخدام الجيوش العربية في الدفاع عن الشعب الفلسطيني لاعتبارات الضعف التي تسود الموقف الرسمي العربي على مستوى الحكومات، فلا أقل من الاستجابة لرغبات الشعوب العربية التي تريد التطوع لنجدة اخوانهم الفلسطينيين في محنة الابادة والتدمير التي يتعرضون لها. وذلك بفتح أبواب التطوع والحدود لكل من يريد أن يذهب لاسرائيل، مع دعم المقاومة بالأسلحة والذخائر والعتاد التي تكفل لها الصمود امام آلة البطش الاسرائيلية - على أن يتم فتح الحدود من جميع الجبهات حتى يمكن تشتيت جهود العدو الاسرائيلي على أكثر من جبهة، مع اعتبار كل الدول العربية تشكل عمقا استراتيجيا لفلسطين. ان يكون الرهان على الشعب الاسرائيلي الذي من المؤكد انه تحت وطأة الخسائر البشرية الجسيمة التي سيتكبدها بتفعيل (ميزان الرعب) سيضغط على شارون لأنهاء هذه الدوامة من بحور الدم التي تسبح فيها اسرائيل، بجانب ماتتعرض له من خسائر اقتصادية وسياسية ومعنوية وتمزق داخلي، كما فعل الشعب الاسرائيلي مع باراك من قبل واجبره على الانسحاب من جنوب لبنان في ابريل 2000 تحت وطأة الخسائر البشرية التي تعرض لها هناك، أما الرهان على الموقف الأمريكي، وامكان ان تضغط ادارة بوش على شارون لايقاف المذابح التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، فهو رهان خاسر ولا معنى له. فقد ثبت ان واشنطن لا ولن تتحرك الا اذا أدركت ان مصالحها تتعرض للخطر، فقد ثبت ان واشنطن ضغطت فقط على اسرائيل في عام 1991 عندما أدركت ادارة بوش الأب أن تدخل اسرائيل في حرب عاصفة الصحراء يمكن أن يهدد تماسك التحالف الذي بنته لتحرير الكويت، كما تدخلت ادارة بوش الابن أيضا مرة أخرى ابان الحرب في افغانستان حرصا على تماسك التحالف المناهض للارهاب، حتى لا تفسد اسرائيل هذا التحالف. أن تستوعب الحكومات والشعوب العربية دروس التاريخ قديما وحديثا، فقد سبق للأمة العربية أن تعرضت لغزوتين شرستين في القرنين العاشر والحادي عشر، وهما الغزوة الصليبية والغزوة التترية. واذا كان عمر الغزوة الصهيونية 52 عاما، فينبغي ان ندرك أن دولة الصليبيين التي احتلت كل بلدان الشرق العربي أكثر من 198 عاما قد انتهت على أيدي الجيوش المصرية والسورية في حطين عام 1187 وتم تحرير القدس عام 1188 ثم هزيمتهم واسر مليكهم في المنصورة عام 1250، ثم كانت معركة نهايتهم في عكا عام 1291 - أما الغزوة التترية التي اجتاحت كل بلدان اسيا الوسطى وايران والعراق وسوريا وفلسطين، فقد تصدى لها الجيش المصري بقيادة قطز في عين جالوت يوم 25 رمضان 658هـ ـ 1275م وانتهت بهزيمة التتار لأول مرة في تاريخهم، وبداية تحولهم الى الاسلام. هذه هي دروس التاريخ التي لا تريد اسرائيل استيعابها. لذلك فإننا على يقين كامل بأن مصير اسرائيل لن يكون أفضل من مصير الصليبيين والتتار، وان بداية النهاية لاسرائيل قد وضعها شارون بنفسه، بمغامرته الاخيرة بحفر قبره وقبر اسرائيل بنفسه، مصداقا لقوله تعالى: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الابصار). ـ خبير استراتيجي مصري