الملف السياسي: من الواضح ان بداية عملية الدخول للقضية الفلسطينية انطلقت من بوابة الاوضاع الخطرة التي تعيشها المنطقة أو التي تتجمع غيومها السوداء في أفقها القريب، فقد اشعلت محركها المقاومة الفلسطينية الباسلة وحفزتها القمة العربية في بيروت، وبقدر ما كانت صرخات الغضب عالية ضد اسرائيل وحلفائها بقدر ما كانت صيحات مدوية طالبت قمة بيروت بوقفة تتناسب مع تحديات اللحظة، وكان ذلك أمراً طبيعياً في ضوء الانفلات الاسرائيلي غير المسبوق، كما في ضوء العجز والتلكؤ العربيين. ولعل ما زاد الطين بلة ان ما أحاط بالقمة من تشويش وارتباك ترك الانطباع بأن الوضع العربي ما زال دون امتلاك الشروط المطلوبة لمواجهة المرحلة المصيرية الراهنة، ولو بالحد الأدنى وبما يكفل على الأقل وقف الاستباحة الاسرائيلية التي تهدد الجميع بمفاعلها وتداعياتها وبهجماتها المباشرة في تعذر صدها ودحرها في الوقت الراهن. وهدف اسرائيل في البداية هو اجهاض أية فرصة لتحقيق السلام وإهانة للمشاعر العربية، وبعد انتهاء أعمال قمة بيروت وتبني «مبادرة» الأمير عبدالله للسلام الشامل مقابل العلاقات الطبيعية مع اسرائيل، والتي تتوافق تماماً مع خيار السلام الاستراتيجي الذي يتبناه النظام العربي الرسمي والتي يمكن ان تعرف أيضاً بأنها مبادرة الفرصة الأخيرة أمام اسرائيل لتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة. ولم تأت المبادرة من فراغ بل هي فاعلة ومؤثرة على الصعيد الدولي وتحمل دلالات مهمة، لعل أبرزها هو التمرد العربي على هذا العجز الذي عانى منه النظام العربي الرسمي طوال عقود من الزمن، من هنا اكتسبت هذه الخطوة أهميتها وقيمتها للوصول لحل عادل ودائم للصراع القائم في المنطقة، فكان الرد الاسرائيلي هو قيام الدبابات باجتياح المناطق الحيوية في الأراضي المحتلة وبشكل خاص في «رام الله» وبتركيز على مقر الرئيس ياسر عرفات، حين أعلن شارون قرار عزل الرئيس الفلسطيني عن العالم الخارجي، كخطوة أخرى بعد فشل مخطط التخلص من عرفات بإبعاده عن الأراضي الفلسطينية لو تمت مشاركته في مؤتمر بيروت وعدم السماح بعودته مرة أخرى. لذا خرجت الدبابات الاسرائيلية لهذا الغرض ولتبديد فرصة السلام التي نادى بها مؤتمر قمة بيروت. واقع جديد وحيال تطورات الوضع الخطير الذي تعرضت له السلطة الفلسطينية، والجهود التي بذلها عدد من القادة العرب والمسئولين الأوروبيين لاحتواء الموقف وتقديم أقصى درجات الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني ورئيسه الواقع في الحصار، فإن الانتفاضة قد فرضت واقعاً جديداً وفاعلاً ربما لم يكن في الحسبان، صمود أسطوري في مواجهة آلة حرب مدمرة تستخدمها اسرائيل في كل اتجاه وبدعم أمريكي مكشوف. هذا الواقع فرض على الفلسطينيين ان يتخذوا موقفاً استثنائياً لأن الصراع على أرض فلسطين تحول الى صراع وجود: أن يبقى شعب فلسطين على أرضه أو لا يبقى.. وبمعنى آخر فإن الانتفاضة الفلسطينية تجاوزت ما كان يطرح من حلول وترتيبات، إنها فرضت على الجميع أن يحددوا مواقفهم والمواقف لم تعد بالكلام، إنها بالفعل الذي يكون في مستوى ما يرتسم على أرض فلسطين، مواقف تشكّل تحدياً للعدوان الاسرائيلي المتمادي، وكان على القمة ان ترد على هذا التحدي الداهم، وتجاوز واقع الشعور بالضعف والاستكانة والانقسام وعدم تقدير ما تملكه الأمة من قدرات وإمكانات. وحين اتخذت القمة الموافقة الجماعية على المبادرة، كان ذلك يعني ان المنطقة مقبلة على تطورات عنف غير عادية، وان اسرائيل التي لم تتحمل حجم الانتفاضة الفلسطينية وأصبحت أمام جبهة سياسية جديدة لتشكل ضغطاً عنيفاً على حكومة شارون، فالمبادرة العربية للسلام وضعت المجتمع الاسرائيلي المتأزم أمام أسئلة صعبة تتعلق بخيارات جديدة وجماعية للسلام، وعلى شارون مواجهتها بأي ثمن حتى ولو كان ذلك باهظاً، فاليمين الاسرائيلي المجروح تحت ضغط التضخمات الفلسطينية لن يستطيع ان يقاتل عبر جبهتين في الوقت ذاته: جبهة المقاومة والانتفاضة، وجبهة صراع السلام على مستوى العلاقات الدولية والاقليمية. من هذا المنطلق، وبمناورة سياسية مكشوفة انطوت على الكثير من الاحاييل، قام شارون باعلان الحرب العدوانية غير المتكافئة على الشعب الفلسطيني وقيادته في المنطقة العزلاء، والتي وصفها الصهاينة بانها ستكون حربا طويلة وشرسة، ومن ابرز اهدافها تحطيم هيبة السلطة الفلسطينية وتقويضها بالكامل، والمساس بمكانة الرئيس عرفات وتصفية دوره وقتل اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين حتى يعود التوازن الى ترجيح كفة القدرة الاسرائيلية حيث الظروف الدولية مناسبة، لاسيما وان الادارة الامريكية تعي وتفهم مقدار الغضب الاسرائيلي على كل ما جرى وتدرك ان ردا قويا عليه سيتم حتما. والواضح ان شارون قرر ان يغامر بورقته الاخيرة للاطاحة بالرئيس عرفات، سواء عبر محاولة تكرار سيناريو بيروت عام 1982 اي الاكتفاء بنفي الزعيم الفلسطيني الى خارج ارضه، او بالمضي الى ابعد من ذلك، وان انفجار جنون شارون على النحو الذي شهده العالم في الايام القليلة الماضية دليل آخر على مدى عجزه عن الخروج من مأزق حشر نفسه فيه ومعه اسرائيل كلها، ليؤكد انطلاقا من ارتباطه بوهم النصر الكامل الذي يعزز في نهايته امكانية تصفية الرئيس الفلسطيني. ولكن من المؤكد ان الموقف بات اكثر تعقيدا، لان مشكلة اسرائيل والاسرائيليين لن تحل بالاطاحة بالرئيس الفلسطيني او تصفيته، والبراهين على ذلك كثيرة، كوقوع هجمات استشهادية في الوقت الذي كانت فيه دبابات واسلحة شارون تقتحم مقر الرئيس عرفات في رام الله، ومن الواضح ان اعدادا كبيرة من الشباب الفلسطيني باتت مستعدة للتحول الى قنابل بشرية ضد اسرائيل، وهو ما يعني ان القاعدة الشعبية الفلسطينية مصممة على انهاء الاحتلال الصهيوني مهما كان الثمن، واكد ذلك ايضا الرئيس الفلسطيني حين صرح من مقره المحاصر «ليفهم القاصي والداني ان لا فلسطين ولا الامة العربية يمكن ان تركع أو تستسلم واننا سنسير الى القدس شهداء بالملايين». ان في ذلك رسالة لشارون الذي كان قد اعتاد منذ توليه الحكم قبل اكثر من عام القفز على المعطيات وتجاهل حقائق الواقع، وقد اراد من خلال كل هذه التصعيدات استباق الاحداث وفرض اجندة جديدة على المجتمع الدولي والاطراف ذات الصلة واغراق الجميع في دوامة البحث عن مخرج يدرأ خطر الحرب قبل البحث عن السلام والاستقرار، وتلك هي الاجندة الوحيدة التي يمتلكها شارون لنسف المبادرة والالتفاف على اي دعم سياسي ودولي يحظى به. ومن جهة اخرى التوجه لزيف النوايا وكذب الادعاءات بشأن التسوية، وليس ادل على ذلك من انه هو الذي اعلن الحرب على الفلسطينيين قبل عدة ايام، وهو ذاته من اراد خداع الاسرة الدولية، بالاعلان عن رغبته في حضور اجتماع قمة بيروت منذ ايام قلائل، ويعلن ايضا مع وزير حربه «بنيامين بن اليعازر» ان عدوانهم لا حدود جغرافية له وانه ليس هناك من يمتلك حصانه، بمعنى ان الجميع مستهدفون، كل من في فلسطين وكل من حول فلسطين وكل من هو بعيد عن فلسطين من المحيط للخليج. فهل يتم التعامل مع هؤلاء القتلة كما تم التعامل معهم منذ اكثر من خمسين عاما وبالاسلوب والنهج نفسه وربما تكرر النتيجة المعروفة نفسها، رئيس فلسطين يحاصر في ارضه، ويحاول مجرمو الكيان الصهيوني اذلاله بوسائل شتى وعبر اذلال شعبه لكي يرضخ لشروطهم الاستسلامية، ويأتي كل ذلك تحت غطاء الولايات المتحدة التي تراهن الدول العربية على ان تبدل استراتيجيتها وسعيها الى شطب العرب وقضاياهم لمصلحة اسرائيل واطماعها. وقد كانت لتلك الاحداث ردود فعل عديدة تناقلتها مواقف وممارسات في جهات مختلفة من العالم، وتجاوزت ردود الفعل العربية والعالمية مرحلة الادانة والاستنكار للعدوان السافر على مدينة رام الله ومقر الرئيس الفلسطيني حيث جرت اتصالات فلسطينية عربية دولية مكثفة من اجل وقف ذلك التدهور الخطير ودفع القوى الكبرى للتدخل للوقوف بجانب الممثل الشرعي الوحيد للسلطة الفلسطينية. لذلك فان خيار الانقاذ الوحيد لشارون الآن ولمستقبله السياسي هو القبول بفكرة اعلان الدولة الفلسطينية والعودة للحوار والتفاوض من اجل ذلك، وهو مايتطلع له الفلسطينيون والعرب وكل المحبين للسلام والامن. ولكن يبدو واضحا رفض شارون لذلك واندفاعه في جنون العظمة، فلم يتسع فكره وتطلعاته الى ان الصراع في كل معارك التحرير الوطني عبر التاريخ لم يكن غير صراع ارادات ولقد اثبت الشعب العربي في فلسطين انه يمتلك كل متطلبات الصمود والمقاومة، فعلى مدى سبعة عشر شهرا من الصدام المدمر باتت ارادة هذا الشعب العربي عصية على الانكسار ووجد في الجسد الحي لشبابه وصباياه معوضا موضوعيا عن افتقاره للطائرات والاباتشي والدبابات الصهيونية، وهو الامر الذي لم يأخذه الصهاينة في حسابهم ولم يستوعبوا مايشهده المجتمع السياسي الفلسطيني من تحولات جذرية في جيل من الشباب تربى في السجون الاسرائيلية وبرز من بينهم من فرض بعملياتهم الاستشهادية بما يوازي الرعب لآلة الحرب الصهيونية. كما ولابد من الاشارة الى اهمية الاعتماد على استغلال عناصر القوة العربية الاستغلال الامثل في التعامل مع الكيان الصهيوني ومن يدعمه، وبعبارة اخرى ان اوراق الضغط المتاحة لم تستثمر على نحو جيد سواء بشكل مباشر او غير مباشر، فلابد ان تعتمد على خيارات استراتيجية اخرى وعدم الاعتماد على خيار استراتيجي واحد، كي لاتقتل فرص المناورة والمفاجأة وتجمد اليات ادارة الازمة عند حدود معينة. ويبقى استثمار جميع الخيارات العربية الممكنة التي تعزز فرص اقامة الدولة الفلسطينية على كامل ترابها وعاصمتها القدس وحق العودة وازالة المستوطنات الاسرائيلية. واذا كان من الصعب تبني خيار الحرب فلا اقل من «الحرب الاقتصادية وتفعيل المقاطعة» انطلاقا من الثقة في القدرات العربية، ودعم المقاومة بلا حدود وباسلوب مبتكر وغير تقليدي، فالمبادرات السلمية لن تجد طريقها للتنفيذ في غياب مصادر قوة حقيقية تجبر الاسرائيليين على قبولها وتهدد مصالح من يدعمهم، فاقناع القوة لاقوة الاقناع يجب ان يكون خياراً استراتيجياً آخر ضمن الخيارات المتاحة، ويعكس تصميما وارادة موحدة تترجمها وسائل وبرامج عمل تنتهي باعلاء صوت الحق للفلسطينيين والارتفاع لمستوى الاحداث والانتقال من عالم التنظير الى عالم الواقع. ان ليل العرب لابد ان يكون له آخر، وان شمعة يمكن ان تضييء في نهاية النفق، وذلك افضل من لعن الظلام الذي لف الامة العربية بالخطوب المدلهمة، فقد تكالبت عليه قوى الشر الباغية المدعومة بقوانين الارهاب والايقاع المهين، وتقول الحكمة «الحق ينام احيانا ولكنه لا يموت». ـ كاتبة عراقية