الملف السياسي: حالة الحرب التي يخوضها رئيس الوزراء الصهيوني مع حكومته وجيشه ضد الفلسطينيين هل ستقتصر على الضفة الغربية وقطاع غزة؟ وهل سيكتفي شارون باعادة احتلال المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية حسب اتفاق اوسلو والمسماة بالمنطقة «أ»؟!. الواقع ان الصورة السياسية التي يبحث عنها شارون بمخالبه العسكرية باتت أشد وضوحاً، منذ اندلاع الانتفاضة وتوليه السلطة ووعده بالأمن الصهيوني وانهاء الانتفاضة بمئة يوم، وامام عدم تحقيق هذه الآمال فتح شارون باب الحرب على مصراعيه، وتحدى بشكل اولي العرب جميعهم حينما اعلن رفضه للمبادرة التي صارت عربية بعد قمة بيروت. وجاء هذا الرفض قولاً وفعلاً حينما اعلن صراحة عن عدم قبوله بها وحينما اقدم على احتلال رام الله وتدمير مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، مع تجاهل واضح لكل القرارات الدولية والعربية وحتى الامريكية التي تسانده مساندة شبه مطلقة او لنقل مساندة تامة، ولكن فيها بعض الرياء القليل على العرب الذين باتوا مهددين ايضاً، حسب تعبير وزير الحرب الصهيوني بنيامين بن اليعازر حين قال: «ان العمليات الاسرائيلية لن تكون محدودة جغرافياً». وتناوب اللعبة مع شارون الذي استدعى الاحتياط لحرب غير متكافئة تقنياً، مما يدعنا نتساءل عن افكار الحكومة الصهيونية بعد احتلال المدن الفلسطينية! حرب.. إلى أين؟ منذ اندلاع الانتفاضة يعيش الفلسطينيون حرباً حقيقية ولكن من الطرف المهاجم وهو الكيان الصهيوني، وكيف لا نسميها حرباً وقد بلغ عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين ما يزيد على 46 ألف شهيد وجريح، علماً ان معظم اصابات الجرحى هي اصابات خطرة ذات عاهة مستديمة والمعروف ان كلفة العناية بأصحاب الحاجات الخاصة تماثل عالمياً ثلاثة اضعاف الاشخاص الطبيعيين، مما يعني ان الفلسطينيين يحتاجون الى نفقة مضاعفة كونهم يعيشون تحت وابل نيران الجيش الصهيوني، وهم في الواقع قد خسروا ما يزيد على 7.5 مليارات دولار منذ اندلاع الانتفاضة. وفي سياق الحدث وتطوره فإن شارون يريد بشتى الوسائل اخضاع الشعب الفلسطيني وسلطته لمشروعه الشخصي الذي لا يعرف حدود المنطق، بقدر ما ينطلق من حدوده الثقافية التوراتية التي ما زالت تحلم بالوطن البديل وتتابع سياستها مع تطور السياق التاريخي والسياسي الحالي، فكان الحصار لغة اولى للضغط ثم التدمير، والآن الاحتلال وهو خطوة سياسية قذرة رغم شكلها العسكري، فكما قلنا بأنه لا يوجد اي تكافؤ ميداني في هذه الحرب ورغم ذلك فقد استدعى شارون الاحتياط، مما يعني ان جبهة اخرى ستفتحها اسرائيل وهذا ما سنتحدث عنه لاحقاً، لأن حركة شارون الحالية تعتبر مقدمة لتهديد الأمن العربي بكامله، وهذا التهديد يرتبط بلا شك بالدعم الامريكي اللامحدود للكيان الصهيوني. فالولايات المتحدة الآن ورغم موافقتها على قرار مجلس الأمن 1402، الا انها بهذا القرار تحاول ان تتعامل ضمن تناقض التفسيرات والمبررات، خاصة ان القرار قد جاء فيه التعبير عن القلق ضد الهجمات «الانتحارية» كما سماها هذا القرار ولكن يبدو ان الولايات المتحدة تدخل الآن في صلب اللعبة الشارونية القذرة، فقبل القمة ارسلت واشنطن نائب الرئيس ديك تشيني والمبعوث زيني، والمعروف ان تشيني فصل بشكل علني بين مهمته ومهمة زيني، مما يعني ان جولة نائب الرئيس حاولت بكل الاشكال ان تهدد الأمن العربي مرتدية ثوب ضرب العراق، ولكن بعد فشل تشيني في أخذ اية موافقة عربية، وبعد المصالحة العراقية الكويتية توجهت مهمة تهديد الأمن العربي الى الكيان الصهيوني، فتبنى زيني نظرية شارون وحاول الضغط على السلطة الفلسطينية لقبولها، بدلاً من تقرير ميتشيل او توصيات تينيت التي لا تحقق الحد الادنى من الأمن للفلسطينيين ورغم ذلك قبلوا بها وللمقارنة فإن الفلسطينيين لم يقبلوا بكامب ديفيد الثانية (95% من الاراضي المحتلة عام 1967 واجزاء كبيرة من القدس الشرقية). اذا الولايات المتحدة تترك لاسرائيل الآن مهمة تنفيذ خطتها الى ان يحين دور الاخرى، وبتلاعب سياسي تريد واشنطن ان تبقى الحالة العربية في توتر دائم من خلال القضية الفلسطينية من جهة وقضية ضرب العراق التي ما زالت معلقة بالنسبة للادارة الامريكية من جهة اخرى، ولعل واشنطن لم تكن تتوقع اي اجماع عربي او مصالحة في قمة بيروت ولكنها فوجئت بالحد الادنى من الاتفاق العربي، مما دفعها لاعطاء الضوء الاخضر لشارون لتلعب الآن عربياً بالورقة الفلسطينية. ولذلك كانت عمليات اجتياح الاراضي الفلسطينية وكانت المباركة الامريكية لها، وبالمقابل الدعوة المستمرة لعرفات بايقاف ما تسميه الادارة الامريكية بالعنف، مما يدفعنا امام الواقع الحالي للتساؤل هل تريد واشنطن وتل أبيب ايقاف الاعمال العسكرية المحدودة التي تقوم بها بعض التنظيمات الفلسطينية؟! الواقع الذي ظهر مؤخراً خاصة بعد تدمير مقر السلطة الفلسطينية ان الادارة الامريكية وحكومة شارون لا تريدان على الاطلاق اي دور للسلطة الفلسطينية او حتى للعرب، فالمبادرة السعودية رفضها الكيان الصهيوني وقبلتها الادارة الامريكية مرغمة، لكنها ضمنياً مرفوضة ايضاً مما يعني ان الطرفين (واشنطن وتل أبيب) لا يريدان مؤقتاً اي تدخل عربي في الشأن الفلسطيني، بل الاكثر من ذلك فأمريكا تهدد العراق واسرائيل تهدد كل العرب، وفي الجانب الآخر فكيف تطالب الادارة الامريكية السلطة الفلسطينية بايقاف اطلاق النار وهي لا تمتلك اية آلية في الوقت الحاضر لتنفيذ ذلك كون الجيش الصهيوني يحاصر عرفات، ومراكز الأمن الفلسطيني محاصرة او مدمرة والأسلحة الفلسطينية الخفيفة التي تمتلكها الشرطة تصادر كل يوم؟ فهل يمتلك عرفات عصا سحرية لحل كل هذه المسائل؟ ان ما يحصل لا يمكن تصوره على الاطلاق ولا يمكن لأي عاقل ان يرى ما تراه الولايات المتحدة، الا اذا كانت واشنطن تمتلك مشروعاً امريكياً اسرائيلياً مشتركاً وهذه هي الحقيقة. شارون والأمن العربي ان شارون اليوم لم يعد يرضى بتدمير المدن والقرى الفلسطينية واحتلالها بل بات يفكر بأكثر من ذلك خاصة في ظل الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة فمن الجانب العربي العام رفض المبادرة السعودية، مما يعني انها قد اثرت عليه وجعلته يصاب بالتوتر باعتبار انها المبادرة العربية الاولى الخاصة بالصراع العربي الصهيوني التي يتفق عليها العرب، ولأنها كذلك فهي تحاصر اعماله الاجرامية وتحاصر بجانبها السياسي الافكار الشارونية العسكرية. لذلك سارع الى حربه المدمرة ضد الفلسطينيين واعلن ان حربه ستستمر، وبالطبع مع استدعاء الاحتياط وايجاد التوتر على الحدود اللبنانية. وكل ذلك تمهيداً لحرب شاملة بات شارون يخطط لها كرد مباشر على المبادرة السعودية التي حققت التأييد العربي والعالمي. ومن خلال الاهداف السياسية المستمرة صار واضحا ان الهدف لم يعد الفلسطينيين وحدهم بل العرب جميعهم، أي ان الحرب التي لا تعترف بالجغرافيا كما وصفها وزير الحرب الصهيوني بنيامين بن اليعازر ستصبح واقعا برؤية الحكومة الشارونية عاجلا أم آجلا، وبالتأكيد هذا الواقع الجديد يفرض على العرب مجموعة من الآليات التي يجب ان تتخذ في مواجهة اسرائيل التي باتت تعيد ترويج مفهومها القديم بالنسبة للارض والأمن، فالارض بالنسبة للكيان الصهيوني وعقيدته مازالت تندرج ضمن الاحلام التلمودية من جهة والايديولوجية من جهة اخرى ولن تقتصر على مقولتها التقليدية «من الفرات الى النيل»، بل ستسعى جاهدة لتحقق المفهوم الآخر وهو الامن الذي قد يمتد حسب الرؤية الاسرائيلية الى ابعد من حدود الوطن العربي. والواقع ان هذا المفهوم بدأت اسرائيل تمارسه لمحاصرة العرب، خاصة اذا نظرنا الى اهدافها وتحركها المتسارع في آسيا الوسطى التي مدت فيها اقدامها وايديها وتمتد فيها بكل راحة. ان اسرائيل قد رددت مرارا ان العراق يشكل خطرا وان سوريا ولبنان يهددان امنها، ومع التجميد المؤقت لضرب العراق وجدت نفسها حسب عقيدتها الدموية محاصرة بالهدوء النسبي الذي كان من الممكن ان يحدث بعد قمة بيروت ورفض العرب اية ضربة او تهديد للعراق وتأكيدهم على حق الشعب العربي بالكفاح لاسترجاع اراضيه. ولكن مع كل تلك التأكيدات العربية وأمام التهديد الشاروني للأمن العربي كان من المفيد ان يتخذ القادة العرب قرارات تحدد آلية تطبيق المبادرة والمواجهة في آن معا، وآلية المواجهة العربية هذه تضمن مجموعة من المسائل التي كان من الممكن للقادة العرب اتخاذها. اولها آلية دفاع عربي مشترك تكون رادعا حقيقيا لشارون وحكومته التي اعلنت الحرب، ولكن مع الاسف لم تناقش هذه القضية في قمة بيروت ولم يتطرق لها البيان الختامي للقمة او القرارات التي اتخذت. وللحقيقة ان ما يتعلق بالأمن العربي كان شبه غائب في قرارات قمة بيروت باستثناء بند خجول في البيان الختامي حمل الرقم 18 جاء فيه: «يؤكد القادة العرب ان السلام والأمن الدائمين في المنطقة يستلزمان انضمام اسرائيل الى معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية، واخضاع كافة منشآتها النووية لنظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويؤكدون في هذا المجال الأهمية البالغة لاخلاء منطقة الشرق الاوسط من السلاح النووي وكافة اسلحة الدمار الشامل باعتباره شرطا ضروريا ولازما لارساء اي ترتيبات للأمن الاقليمي في المنطقة مستقبلاً. فإلى متى ينتظر العرب هذه الترتيبات وهم يدركون ان اسرائيل تطور اسلحتها النووية بشكل يومي وكذلك اسلحة الدمار الشامل!! والعرب لم يستطيعوا حتى الآن ايجاد آلية دفاع عربي مشترك اوحتى ردع عربي مشترك!! اما المسألة الثانية التي تعتبر متلازمة كقوة عربية مع الجانب العسكري، فهي السوق العربية المشتركة التي قد تبدو للوهلة الاولى انها بعيدة عن الحرب التي تشنها اليوم اسرائيل، ولكنها في الواقع تدخل في صلب القوة العربية وتأثيرها العالمي. فالاقتصاد العربي المشتت والضائع لن يستطيع الحفاظ على الامن القومي العربي أو حتى مواجهة اسرائيل اقتصاديا، وبتلازم المسألتين العسكرية والاقتصادية يمكن للوطن العربي ان يكون نداً حقيقيا للكيان الصهيوني، ولكن اين القمة من ذلك وهي التي تجاهلت كل هذه القضايا الهامة؟ ان الامن العربي اليوم مهدد اكثر من اي وقت مضى في ظل حكومة اسرائيلية لا ترى الا في المجازر حياتها، ولا ترى إلا في التوتر مستقبلها، وما يجري اليوم في فلسطين هو تهديد حقيقي للأمة العربية التي صار لزاما عليها ان تسارع نحو الحفاظ على وجودها وكيانها امام التهديد الحقيقي الذي يحيط بها. والحقيقية ان العرب مازالوا يمتلكون ادوات المواجهة، ولكن كيف يستخدمونها وهل سيستخدمونها الآن؟! ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق