الملف السياسي: يمكننا أن نثبت بداية وببالغ القناعة المدعمة بزخم الأحداث المتلاحقة على الأرض الفلسطينية، أن العنوان الأساسي الكبير للمرحلة الشارونية هو: «التسوية السياسية الشاملة المستحيلة، والتصعيد الحربي الدموي الجرائمي الشامل ضد الفلسطينيين». وهذا ليس عبثاً، فنحن نقف عملياً في مواجهة الخلاصة المكثفة للفكر الأيديولوجي السياسي الصهيوني من جهة، وأمام كمٍ لا حصر له من المخططات والخطط والأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية التي يرمي شارون وحكومته الائتلافية الموسعة بكل الثقل العسكري الحربي الإرهابي للدولة العبرية وراءها من جهة ثانية. فهذا البلدوزر الإرهابي المنفلت بلا كوابح - شارون - إنما هو التلميذ المتميز لجابوتنسكي الأب الروحي للفكر السياسي الإرهابي الصهيوني. فقد كان جابوتنسكي مؤسس معسكر اليمين الصهيوني المتشدد قد لخص مشروعه السياسي ضد العرب منذ مطلع القرن الماضي في كتابه «جدار الفولاذ- 1923» بالعبارات المكثفة التالية: «لا يمكن أن يكون هناك مجال لمصالحة إرادية بيننا وبين العرب، لا الآن ولا في المستقبل.. إن لدى كل فرد من العرب فهماً شاملاً وكاملاً لتاريخ الاستعمار، وليحاول أحد أن يجد بلداً واحداً تحقق فيه الاستعمار بموافقة سكانه الأصليين، فكل شعب يقاتل المستعمرين حتى آخر بريق أمل، وسيقاتل الفلسطينيون كذلك إلى أن لا يعود أمامهم أي لمحة أمل، والنتيجة المنطقية لذلك هي أنه لا يمكن تصور أي اتفاق طوعي بيننا، إن على كل عملية استعمار أن تستمر، ولا يمكنها أن تستمر وتنمو إلا بحماية سور من القوة، أي جدار فولاذي لا يستطيع هؤلاء السكان اختراقه.. هذه هي سياستنا العربية، وليس التعبير عنها بأية صيغة أخرى إلا نوعاً من التخابث والنفاق». وعليه فإن الأفكار الأساسية الجوهرية المستخلصة من تلك السياسة الصهيونية في مواجهة العرب: أن عملية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يمكن لها أن تقوم وتستمر إلا باستخدام سياسة السور والبرج المعروفة أي القوة.. والقوة القصوى.. وأن التسليم العربي بهذه العملية، التي أنجبت دولة الاحتلال الصهيوني، والتأقلم معها أيضاً، لا يمكن أن يتحقق من وجهة نظرهم - إلا عبر قمع وخفض سقف الطموحات التحررية العربية في فلسطين، كما أن أي مصالحة أو عملية سلام أو تسوية لا يمكن لها أن تتحقق إرادياً وطوعياً بين بني صهيون والعرب، وإنما عبر القوة القصوى وخفض سقف التطلعات الوطنية القومية التحررية في فلسطين. فأين نحن اليوم يا ترى بعد نحو ثمانين عاماً من جوهر تلك السياسة الصهيونية التي خطها جابوتنسكي..؟ وهل هناك من يستطيع أن يعثر على أية فوارق جوهرية بين السياسة الصهيونية الإسرائيلية، وبين تلك السياسة الجابوتنسكية..؟ وهل هناك من يستطيع أن يعثر على أي فارق في تطبيق تلك الخطوط والأفكار بين أي رئيس وزراء للكيان الصهيوني وآخر، على امتداد تاريخ ذلك الكيان..؟ ربما تكون الحقيقة الكبيرة الناصعة جداً، التي يمكننا قراءتها عبر تراكمات الصراع العربي - الصهيوني على مدى أكثر من قرن من الزمن، أن تلك السياسة الجابوتنسكية الصهيونية قد فرضت وأنتجت وصقلت - إلى جانب جملة أخرى من النظريات الصهيونية - تراثاً صهيونياً مدججاً بأدبيات القوة والإرهاب والدم والحرق والتدمير، كما قادت إلى إقامة مجتمع صهيوني لا يعرف سوى لغة «السور والبرج» والاستعمار الاستيطاني التوسعي العدواني الاحلالي الالغائي، في الوقت الذي أنجبت فيه التنظيمات والحركات الإرهابية، وعدداً لا حصر له من مجرمي الحرب. على أرضية تلك السياسة والأدبيات، وفي خضم ذلك المجتمع العنصري، ولد ونشأ وترعرع وانصقل بلدوزر الإرهاب الصهيوني شارون. سيكولوجيا القوة بيت القصيد في هذه السطور المكثفة أن سيكولوجيا القوة والإرهاب والدم والنار هي التي تكونت وانصقلت لدى شارون على مدى العقود الماضية، وقد عرفه الإسرائيليون، كما عرفه الفلسطينيون والعرب على طبيعته هذه، فهو «رجل لا ينظر للعربي إلا من فوهة البندقية». كما أنه لا يفكر ولا يخطط ولا ينفذ إلا بعقلية الجنرال الحربي، وبلغة وعنهجية القوة والبلطجة والعربدة العسكرية والحرق والتدمير والإذلال والإخضاع والتركيع. أشارت صحيفة معاريف العبرية (6/2/2001) الى «أن شارون أعد مبكراً مخططاً عسكرياً لمكافحة ما يصفه الإرهاب الفلسطيني»، وقالت الصحيفة «أن عدداً من كبار الضباط الذين خدموا أو ما زالوا في الجيش رحبوا بهذا المخطط، وينص مخطط شارون على أنه إذا استمر إطلاق النار على جنود الجيش الإسرائيلي تقوم إسرائيل بفرض حصار شامل ومستمر على الأراضي الفلسطينية، وتعلن بأنه إذا لم يتوقف إطلاق النار سيستمر الحصار كما يعتزم شارون في إطار هذا المخطط توجيه تعليمات بمضاعفة نشاطات الوحدات الخاصة ومضاعفة الحراسة في الشوارع وتعزيز الحراسة في المواقع الاستراتيجية وفي المستوطنات التي يسيطر الجيش عليها. وسيسمح شارون في الأراضي المحتلة بحرية العمل وبتوجيه ضربات أكثر قوة للفلسطينيين». وعليه فإن المفردات التي كان من المنتظر أن يستخدمها شارون لم تبتعد عن مفاهيم ومنطلقات سياسة «العصا والجزرة» و«الغابة العربية والردع الإسرائيلي» ونزعة التفوق والعجرفة و«أن السلام ممكن فقط من موقع القوة والردع» وعبر انتهاج سياسة صارمة مع الفلسطينيين والعرب. ولذلك يمكننا أن نثبت أن شارون إنما يعمل على إعادة صياغة سياسة الجدار الفولاذي للصهيونية بمفردات ومصطلحات وأشكال تتناسب مع المرحلة والظروف المختلفة من جهة أولى، وبغية تكريس جوهر وآفاق المشروع الصهيوني في فلسطين من جهة ثانية، عبر قمع وتقزيم الآمال والتطلعات الوطنية العربية الاستقلالية في فلسطين من جهة ثالثة. وانطلاقاً من تلك السياسة الجابوتنسكية واستناداً إلى أهم ركائزها المشار إليها، شرع شارون بشن وتصعيد حربه العدوانية التدميرية التركيعية ضد الشعب الفلسطيني، وذلك ضمن حملة حربية متصلة بدأت بالخطة التي أطلق عليها «الخطة المتدحرجة» وانتقلت إلى «الخطة الإسرائيلية العظمى»، ثم إلى «خطة أورانيم الجهنمية» ووصلت أخيراً في إطار هذه الحملة الحربية الأخيرة إلى خطة «الجدار الوقائي» وهي عملياً الجانب والبعد التطبيقي لسياسة الجدار الفولاذي الجابوتنسكية. فعبر المتابعة الحثيثة يتضح من التفاصيل الموثقة أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون - بيريز، إنما أخذت تطبق مبكراً خطة استراتيجية أطلقت عليها المصادر الإسرائيلية اسم «الخطة العظمى». وجاء في تفاصيل الخطة التي نشرت في صحيفة يديعوت أحرونوت 25/10/2001 خطوطها الأساسية: «باختصار لقد كان نموذج بن جوريون هو الصهيونية العملية، أما نموذج شارون فهو الصهيونية المسيحانية، والفارق بين نوعي الصهيونية، هو أن العملية تتطلع إلى أن تقيم داخل حدود أرض إسرائيل ملجأ تاريخيا لشعب إسرائيلي، أما المسيحانية وترى أن الهدف هو جلب الخلاص لشعب إسرائيل من خلال «تحرير» أرض إسرائيل برمتها، والصهيونية العملية مستعدة لأن تقتل وتقتل كي تضمن لليهود وجوداً آمناً في دولة إسرائيل، أما الصهيونية المسيحانية فتدعو إلى أن تقتل وتقتل كي تضمن أعمال التهويد ومن الأفضل أن يكون شرعياً عقائديا لأرض اسرائيل. مدرسة الارهاب والذي يجري على الأرض الفلسطينية في هذه الأيام إنما هو تطبيق محموم أيضاً لـ «خطة أورانيم الكبرى»، من وضع وانتاج مدرسة شارون الإرهابية، وبمبادرة وتنفيذ منه، وتقضي هذه الخطة ب: أولا: وقف إطلاق النار التام بمعنى قطف رأس الانتفاضة وتنكيس أعلامها، وانتزاع روح الصمود والاحتجاج لدى الفلسطينيين. ثانياً : قمع التطلعات السياسية الاستقلالية الفلسطينية، وتصفية كافة المبادرات أو مقترحات التسوية التي يمكن أن تنطوي على أفق سياسي سيادي للفلسطينيين، في حين أن البديل السياسي لدى شارون هو خطته المعروفة لتسوية بعيدة الأمد - لمدة عشرين سنة - يمنح فيها الفلسطينيون دولة - بلا مقومات دولة - في قطاع غزة فقط بينما تبقى الضفة الغربية تحت السيطرة والغزو الاستعماري/ الاستيطاني التهويدي إلى الأبد. وشارون يستخدم كل الأسلحة المتاحة بغية تحقيق الهدف الأول، وما وثيقة تينت وتقرير ميتشل وكافة المقترحات حول الترتيبات الأمنية إلا في خدمة الهدف الأول. واستتباعاً لتلك الخطط الحربية الإسرائيلية جاءتنا في الأيام الأخيرة خطة «الجدار الوقائي» التي تتكون من ثلاث مراحل أساسية حسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» 31/3/2002 هي: الأولى : احتلال العاصمة الفلسطينية المؤقتة رام الله والسيطرة عليها سيطرة عسكرية كاملة، وهذا ما حدث . الثانية : تعبئة الاحتياط الإسرائيلي بغية تعزيز قوات الجيش الإسرائيلي المدرعة المنتشرة في أنحاء الضفة، تمهيداً لاجتياح المدن والمخيمات الفلسطينية الأخرى. الثالثة : اجتياح واحتلال المدن الفلسطينية الأخرى بهدف تدمير ما أسمي «البنية التحتية للإرهاب الفلسطيني». ميزان التوقعات لقد أخفقت «عملية السلام» في محطاتها التفاوضية المتلاحقة، مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الممتدة من شامير إلى رابين، إلى بيريز، إلى نتنياهو، وصولاً إلى باراك. وتكشفت النوايا والخطط والخرائط والأهداف الإسرائيلية الاستراتيجية على حقيقتها في محطة الكامب -2- أكثر من غيرها.. وتبين لنا ببالغ الوضوح أن باراك إنما أراد «إنهاء نزاع القرن» ووضع حد للمطالب الفلسطينية على أساس مصادرة الوطن والحقوق المشروعة، وأراد الحصول على الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية على ذلك، وكان هذا سقفه ولم يحققه ولم يتخل عنه تفاوضياً، مما جعله يمارس مهنته الحقيقية بشن الحرب العدوانية التركيعية ضد الشعب العربي الفلسطيني. واندلعت الانتفاضة وسقطت الأوراق والأوهام المتعلقة بالسلام والتسوية النهائية والتعايش والتطبيع.. فبات أهلنا كلهم في فلسطين على قناعة باستحالة «السلام الشامل» وكذلك شعوبنا العربية على امتداد خريطة الوطن العربي. ونقف اليوم أمام المرحلة الشارونية الواضحة بعنوانها الواضح: «انغلاق أفق المفاوضات واستحالة التسوية النهائية والسلام الشامل» والتصعيد الشامل. فهل يرتقي الموقف العربي حقاً إلى مستوى التصدي لعناوين وتداعيات المرحلة..؟!! كما هو منتظر لم ينجح شارون بارتداء زي رجل السلام والاعتدال مطولاً، وأخفق في الخروج عن طبيعته المعروفة وسرعان ما عاد لارتداء زي الجنرال والقفازات الحديدية، إذ صادق على الخطة العسكرية القاضية بـ «فرض سياسة الحصار والإغلاق والخنق ضد المدن والقرى الفلسطينية وحفر القنوات العميقة وإقامة الحواجز وتدمير الطرق بين المدن والقرى الفلسطينية، وعزل الكتل الفلسطينية عن بعضها، وتنفيذ عمليات عسكرية في مناطق ( أ ) وممارسة ضغوطات مباشرة على قادة السلطة الفلسطينية - عن صحيفتي «القدس» 10/3/2001 و«يديعوت أحرونوت» 12/3/2001. وإذا ما أضفنا المبادئ الخمسة التي تحكم العلاقات مع الفلسطينيين كما أعلنها شارون يوم 12/3/2001 والتي تعهد فيها بـ «عدم استئناف محادثات السلام إلا بعد وقف الانتفاضة وأن أولويته هي ضمان أمن الإسرائيليين، وأنه سيحرص على ألا يستخدم الفلسطينيون العنف لانتزاع تنازلات من إسرائيل في عملية السلام» فإن المشهد يصبح بالغ الوضوح: حكومة وحدة إسرائيلية شارونية عدوانية من جهة أولى، وانغلاق الأفق السياسي الحقيقي لعملية المفاوضات والسلام من جهة ثانية، وتصعيد حربي قمعي إسرائيلي من جهة ثالثة. وعلى ذلك فإن أهم وأبلغ الاستخلاصات المحتملة، أن الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية ستبقى متوهجة ومستمرة حيث باتت هذه الانتفاضة الخيار الشعبي الفلسطيني الجارف الممتد من الحائط إلى الحائط. ـ باحث في شئون الصراع العربي الاسرائيلي