الملف السياسي: قبل أن يجف المداد الذي كتبت به المبادرة العربية التي أطلقتها قمة بيروت، جاء الرد الإسرائيلي حربا شاملة بلا حدود، ودون سقف، ليمثل رسالة شديدة الوضوح أطلقها شارون، مؤكدا للجميع أن (المعادلة الصفرية) هي خياره الوحيد: أما إسرائيل، أو فلسطين.. من ثم فإن عليه (أي شارون) طبقا لخياره، أن يستكمل (حرب استقلال لم تكتمل بعد!! ولابد من ابعاد شبح إجهاضها إذا ماتبنى المجتمع الدولي المبادرة العربية. هكذا كان قرار شارون باجتياح مقر عرفات، وإعادة احتلال الأراضي الفلسطينية التي تقع في نطاق السلطة الوطنية، أمر لا يحتمل التأجيل! وبدلا من الاكتفاء بتفعيل تكتيكات (التصعيد التدريجي)، قرر شارون أن يقامر بكل مايملك من أدوات القوة وعناصرها، لتدمير ماتبقى من (اطلال أوسلو)، لكنه استبعد من حساباته أن مثل هذا القرار سوف يدفع أصحاب الأرض، والحق المغتصب إلى مستوى من الأداء النضالي غير المسبوق، بعد أن أصبحت الانتفاضة الخيار الوحيد الصحيح الذي لا يمكن التخلي عنه، أو تبني أي بديل آخر، والا كان معنى ذلك التخلي عن الحق في الحياة، أو الحلم بالمستقبل! وإذا كان استمرار الانتفاضة بمثابة الرد الفلسطيني الطبيعي على الاجتياح الإسرائيلي، والموقف الأمريكي المؤيد لشارون، فإن الانتفاضة تحمل ـ أيضا ـ رسالة واضحة للضمير العالمي، تؤكد على انه مهما كانت همجية شارون وجحافله، وقوته الغاشمة، فإن كسر إدارة الشعب الفلسطيني، أو اثناءه عن هدفه في تحرير أرضه، وبناء وطنه المستقل احتمال يتقاطع فحسب مع (يوم القيامة)، وليس قبلها. المطلوب عربيا ـ في ظل وضوح الخيار الفلسطيني ـ يجب أن يتمثل ـ وبذات الدرجة من الوضوح ـ في اعلان مشروع محدد المراحل والآليات لدعم الانتفاضة على كل المستويات، ورفع كافة القيود التي تحول بين الشارع العربي واعلان المساندة للانتفاضة، وكذلك رفع أي محاذير امام أي شكل من أشكال الدعم المادي أو المعنوي، لأن الاكتفاء بردود الفعل التقليدية المعتادة من قبيل اصدار بيانات الشجب أو مناشدة المجتمع الدولي، والادارة الأمريكية، وحكومات أوروبا أن تتحرك لتحمل مسئولياتها في (حفظ السلام)! لم تعد مناسبة للرد على سياسات شارون التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وكافة المرجعيات القانونية والاخلاقية. إجراءات صارمة في هذا السياق لابد من إجراءات عربية صادمة وصارمة: لماذا لا يتم اعلان تجميد المبادرة التي أطلقتها قمة بيروت في قمة استثنائية لا تحتمل التأخير أو التأجيل؟ ثم ألم يحن الوقت بعد الكف عن ترديد مقولة أن (السلام هو الخيار الاستراتيجي العربي الوحيد)؟ ان ذلك لا يعني ـ بالضرورة ـ أن العرب يسعون للحرب، الا إذا فرضت عليهم، لكن لابد أن يكون واضحا للعالم أجمع أن الموقف العربي الساعي للسلام يرفض بنفس القوة الإذلال والمهانة، وان ذلك الرفض منزه عن القبول بالاستسلام، أو نبذ حق الدفاع الشرعي عن النفس. الأمر على هذا النحو ليس مجرد تسجيل لمواقف حماسية في لحظة مفعمة بالانفعال، لكن المسألة ـ إذا ماوضعت في نصابها الصحيح، تعني أن الشعب الفلسطيني لم يعد لديه مايخسره أكثر مما بذل وضحى، كما أن الصبر العربي، والالتزام بضبط النفس ـ مقابل انفلات شاروني بلا حدود بزعم كشف حقيقة شارون امام المجتمع الدولي ليس وقتها الآن. وربما كان استدعاء (الدرس الكوري) - في هذا السياق ـ ضروريا، فقد فوجئ الرئيس الأمريكي بوش خلال زيارته لكوريا الجنوبية بمظاهرات عارمة تعلن رفضها، وغضبها من وضع ادارته لكوريا الشمالية ضمن (محور الشر)، وأبلغ بوش بشكل محدود وواضح أن الكوريين لن يقبلوا ما يقبل به العرب! وأن تهديد أي كوري مرفوض، ولم يجد الرئيس الأمريكي بدا من اعادة النظر في تهديداته، وطرح تفسيرات مناقضة لما سبق أن أعلنه! ثم أنه اصبح من الحتمي بعد تلويح شارون بتفجير المنطقة، وتوجيه التحذير لسوريا ولبنان، ثم الهجوم على جنوبه، واعلانه بوقاحة انه بصدد (حرب لن يستثنى منها أحد)، بعد كل هذه التداعيات أصبح من الحتمي وقف كافة أشكال التطبيع وصوره، ومطالبة الجميع ـ دون استثناء ـ بقطع العلاقات الدبلوماسية، أو تجميدها ـ أيا كان مستواها ـ بين أي دولة عربية واسرائيل، اذ من غير المقبول أو المعقول أن يحرص (بعض) العرب ـ تحت أي دعوى أو مبرر ـ على استمرار وجود علاقات طبيعية مع حكومة عنصرية لا ترعى أي حرمة، ولا تحترم أي تعهد، فضلا عن أن شارون ـ تحديدا ـ سجل اعتراضه في الكنيست على كافة الاتفاقات التعاقدية بين اسرائيل وأي أطراف عربية. وإذا كان من المفيد ـ طبقا لما يراه البعض ـ مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي أو تلك التكوينات الهامشية المهزوزة التي تزعم مساندتها للسلام، أو ذلك اليسار المزيف، فإن الردود الحاسمة الواضحة على نهج شارون هي الرسالة الأفضل للداخل الإسرائيلي، إذا كان ثمة رهان على اهمية هذا الخطاب، لان الخصم القوي فقط هو الجدير بالاحترام، أما تغليف الضعف بالواقعية، فلا يعني سوى الانكفاء في هاوية الوقوعية، واشاعة روح الانهزامية في الصف العربي، مقابل رفع الروح المعنوية على الجانب الآخر! في الاطار ذاته، لابد من صياغة للخطاب العربي توضح للشارع الإسرائيلي، انه مسئول بالأغلبية غير المسبوقة التي منحها لشارون عما يعانيه كرد فعل طبيعي لسياسات شارون الدموية، وأن تصل للرأي العام الإسرائيلي رسالة محددة مفادها أن ثمة ثمن لابد من دفعه نتيجة اختياره لنهج شارون. المعركة الأخيرة ان شارون يخوض ـ دون شك ـ معركته الاخيرة، ولابد أن يسعى العرب كافة ـ وليس الشعب الفلسطيني وحده ـ لأن يخسر شارون تلك المعركة، كما خسر من قبل في لبنان قبل نحو عشرين عاما، وكما خسر ـ ثانية ـ حين طلب مهلة المائة يوم ـ من ناخبيه ومن واشنطن أيضا ـ لكسر ارادة الانتفاضة، ومر من الزمن أربعة أمثال ماطلب، ولم يجن سوى الثمار المرة. وعندما يخوض الجنرال السفاح المعركة الاخيرة، على هذا النحو من الجنون الهمجي، ناسيا أو متناسيا، مايدرسه طلبة الصف الأول في الاكاديميات العسكرية، من أن ارهاب المواطنين المدنيين بالآلة الحربية لدفعهم لزاوية الاستسلام، لا يحالفه في المحصلة النهائية الا الفشل، لأن آلة الحرب الغاشمة ـ على العكس تماما ممايتصوره السفاح ـ تحفز الارادة، ولا تكسرها، وتدفع أصحاب القضية العادلة للالتفاف حول قيادتهم وأيا كان لقبها أو اسمها ـ وعدم السماح بسقوط راية الحرية والاستقلال. حين ينسى شارون هذا الدرس، يجب على العرب الا يكافئوه بتناسي الدرس الذي اثبت التاريخ صوابه، من ثم فإن على العرب اعادة النظر في التعامل مع خيارات لا تناسب المعطيات الراهنة، والتداعيات التي فرضها الاجتياح الإسرائيلي الأخير، ليس فقط للأرض، لكن ـ أيضا ـ كان هدف الاجتياح (تجريف) المرجعيات والمبادئ والحقوق المشروعة. بالتالي فإن رد الفعل لابد أن يكون في مستوى الموقف، وعلى العرب تفهم أن مأزق شارون خطير، ولا يجب أن يتطوعوا بالبحث عن مبررات لشارون، اذ أن البعض يدفع بأن احساس شارون بمأزقه يقوده إلى استخدام القوة دون حدود! وعلى هؤلاء أن يسألوا أنفسهم أولا: من قاد شارون إلى مأزقه؟ أليس برنامجه الانتخابي، واصراره على استكمال المشروع الصهيوني بكل مايحمله من فجاجة استعمارية وعنصرية اصبحت خارج الزمن؟ المطلوب ـ على العكس تماما ـ بدلا من البحث عن تبرير لتعاطي شارون مع مأزقه، تضييق الخناق عليه أكثر، عبر تحركات عربية حاسمة ومحددة تقطع الطريق تماما امام أي محاولة أمريكية ـ أو غربية ـ تستهدف الغاء التبعة على الشعب الفلسطيني وقيادته، من خلال قلب الحقائق الثابتة وفضح النهج الشاروني الرافض للتسوية، ولابد لمثل تلك التحركات أن تستهدف بذات القدر مراكز صنع القرار في عواصم الغرب، إلى جانب الراي العام من خلال خطاب عربي موحد، واستخدام كل الأوراق المتاحة لاسيما التأثير عبر المصالح التي تربط الدول الغربية بالعرب، والتلويح بورقة المقاطعة، لأن مفهوم المقاومة، لا يجب أن يتمحور فقط حول دعم الانتفاضة، ولكن لابد أن يمتد ليشمل كل الآليات التي يمكن تصنيعها في اطار مفهوم المقاومة الشاملة، فليس مطلوبا التحرك للتوسل إلى أطراف متواطئة، لكن على تلك الأطراف أن تستشعر ضغطا حقيقيا، تحت مظلة عربية شعبية ورسمية في آن معا. خط الدفاع الأخير ان تفعيل كل آليات المقاومة، ودعم الانتفاضة ـ بما يتجاوز حجم الخسائر وليس سد الرمق ـ يمثل في جوهره خط الدفاع الأخير عن كل الحقوق العربية، والشرف العربي، ليس فقط حقوق الشعب الفلسطيني وكرامته، ولابد من تبني تلك الرؤية لما يحدث على أرض فلسطين، بعد أن اختزلت القضية في مجرد نزاع، وإعادة المسألة إلى حجمها الحقيقي باعتبارها صراعا عربيا ـ صهيونيا بالمعنى الحضاري الشامل، بل والوجودي أيضا. من ثم فإن الدعم الكامل للانتفاضة كخيار عربي جامع يتطلب تحركا لا يحجمه الخوف، فمن الخوف؟ ولماذا الخوف؟ لماذا لا يكون هناك مطلب عربي ـ اسلامي جماعي في الأمم المتحدة بضرورة تطبيق الباب السابع من ميثاق المنظمة الدولية على اسرائيل الذي يفرض تدخلا دوليا بالقوة العسكرية، لأن دولة فلسطين التي تعترف بها القرارات الدولية تتعرض للعدوان الغاشم؟ ولماذا لا تلوح الكتلة العربية ـ الاسلامية في الأمم المتحدة بامكانية تجميد عضويتها أو الانسحاب من المنظمة الدولية ما دامت غير قادرة على حماية شعب يتعرض لكل هذا الظلم أو القهر؟ أليس تحويل الوضع الميداني للانتفاضة والاجتياح الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية إلى مكسب سياسي مسئولية عربية، يجب أن تحظى بتأييد اسلامي في المنظمة الدولية، والا فما جدوى أن الكتلة العربية ـ الاسلامية تقترب من ثلث عضوية الأمم المتحدة؟ ان تبني آليات مبتكرة في المقاومة يدعم الانتفاضة، وارادة الصمود في الأراضي الفلسطينية، وينتشل العرب من براثن العجز، والا فما جدوى تعداد المليار مسلم وتجاوز التعداد العربي للربع مليار؟ وقبل أن نطالب المجتمع الدولي بمناشدة شارون أن يكف عن عدوانه، في ظل تفهم أمريكي لسياسته، واكتفاء أوروبا بالإدانة ـ في أحسن الأحوال ـ يجب على العرب تجييش طاقاتهم، والتلويح الجدي بكافة الخيارات، واختبار قدرتهم على الرد، لأن عدم الرد يغري بالتمادي، ولا يجلب التعاطف. العرب ـ وليس الفلسطينيين فقط ـ امام تحد تاريخي، وفي مواجهة العدوان لا سبيل سوى المقاومة بكافة الوسائل: دعم الانتفاضة، تفعيل المقاطعة بأساليب مؤثرة، اجتهاد فقهي في قضية الجهاد يتواءم مع الواقع الراهن، استراتيجية اعلامية تحمل خطابا موحدا، تفعيل دور النخب والمجتمع المدني والدبلوماسية الشعبية، قرارات مقرونة بالفعل، و.. و.. لابد أن يعي العرب أن النضال حرب طويلة المدى، وان موازين القوى يمكن تعديلها، إذا لم تتراجع الانتفاضة، وإذا تصاعدت آليات المقاومة، لأن اسرائيل في ظل شارون أو غيره، لا تفهم سوى أسلوب وحيد هو فقط الذي يمكن أن يدفعها للتراجع امام الاصرار العربي على المقاومة ودعم صمود الانتفاضة. ـ كاتب مصري