جاء الاجتياح الإسرائيلي الهمجي لمناطق السلطة الفلسطينية، وحصار الرئيس ياسر عرفات في مقره الرئاسي، ليُشكّل منعطفاً جديداً في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، ويُعيد من جديد واقع النكبة العربية في فلسطين عام 1948، لكن هذه المرة بإضافة نوعية مُميزة، وهي النقل الحي المباشر لكل الجرائم والارهاب الرسمي المنظم الذي تُمارسه قوات الاحتلال، بدعم «حي ومباشر» أيضاً من أعظم قوة في العالم تتشدق بمحاربة الارهاب و«رعاية» السلام وحقوق الإنسان! وبالتأكيد فإننا هنا لسنا بصدد إدانة هذا العدوان وشجبه، فقد شبعنا بيانات الشجب والتنديد التي أصبحت تتقيؤها دورات المياه ومكبات النفايات بعد كل مؤتمر أو اجتماع عربي. لكن من حقنا أن نتساءل، بل ونقلق على نُخبنا السياسية والثقافية التي أصبحت في عداد المفقودين، بينما رئيس عربي يواجه وحيداً حصاره المُذل وشعب عربي مسلم يتعرض لإبادة علنية، في حين تغلي الشعوب الأخرى إحباطاً وضياعاً، دون قيادة تعضدها وتوجهها وترشّد انفعالاتها نحو فعل جاد ومؤثر، ليس دفاعاً عن فلسطين والفلسطينيين، رغم كل ما في هذه الأرض المباركة من مقدسات دينية وعمق حضاري، وإنما دفاعاً ـ على الأقل ـ عن الذوات الرسمية القابعة فوق كراسي السلطة! لقد أصبح مجرد التفكير في إجراء دبلوماسي باهت، لحفظ لحم الوجه، وليس ماءه، وكأنه تهمة إجرامية كبرى تستوجب سرعة النفي والتكذيب. إن المعاهدات الدولية لا تقوم من طرف واحد، ومجرد إلغائها لفظياً من أي طرف من أطرافها معناه سقوطها تلقائياً في العرف والقانون الدوليين، فكيف ونحن نرى الإلغاء يتم عملياً وعلى مرأى ومسمع العالم كله؟! وعندما يُعلن شارون وأركان حكومته الإرهابية أن حربهم الجديدة «بلا حدود جغرافية» ويستدعون أكثر من ثلثي احتياطيهم العسكري ويحشدون كل ما لديهم من قوة وعتاد، فما الذي ننتظره أكثر من ذلك؟ وبماذا ستفيدنا الاتفاقيات والمعاهدات أو المبادرات السلمية، بعدما تستباح الحدود وتتساقط المدن والعواصم تحت أقدام الغزاة؟! إن عرفات الصامد وشعبه المجاهد، ليسوا هم المحاصرون وحدهم، وإنما نحن كلنا أمة تحت الحصار.. لكنه حتماً إلى زوال، وعندها سيكنس في طريقه كل الصامتين والمتخاذلين.. فمتى تستيقظون؟!