أكد الدكتور عبدالوهاب المسيري ان تحرك الشارع العربي يشكل أملاً كبيراً نحو الضغط على الحكومات بعد أن ظهرت كتب تحمل عناوين مثل اكذوبة الشارع العربي وشطبه الغرب من حساباته. وقال المسيري في حوار مع «البيان» ان نظرية الأمن الاسرائيلي سقطت تحت وطأة الانتفاضة الفلسطينية التي أكدت الاستخبارات الاسرائيلية انها مرشحة للتواصل حتى 2006 بجانب تنظيمات مسلحة أخرى. ودلل المسيري بوجهة نظر روبنشتاين أحد أبرز المعلقين بصحيفة معاريف عندما أكد ان اسرائيل حصلت على عكس النتائج التي راهنت عليها. وقال ان الصهيونية تسعى لاقناع الولايات المتحدة بأن اسرائيل تخطط وتتولى عنها السياسة الأمريكية، وقال انه عندما يقوى العرب يقل التطرف وعندما يتقاعس العرب يزداد التطرف. وأكد ان الأمن الاسرائيلي وأمن المستوطنين مهدد، مشيراً الى خسائر الاقتصاد الاسرائيلي الفادحة منذ أحداث 11 سبتمبر. وأكد وجود أزمة ذات أوجه عديدة للمجتمع الصهيوني، وفيما يلي نص الحوار: ـ اسرائيل ومنذ حصار عرفات انتقلت الى مرحلة جديدة في المواجهة.. ما قولك؟ ـ الصهيونية تريد الآن اقناع أمريكا أن اسرائيل تتولى عنها التخطيط للسياسة الأمريكية وتقوم عنها بحماية الغرب في المنطقة، بعد أن ثبت أن اسرائيل غير قادرة على حماية أمن نفسها، انظروا الى افتتاحيات الصحف الأمريكية، إنها تطالب أمريكا أن يكون لها موقف أكثر نشاطا في الشرق الأوسط لأن شارون غير قادر على حماية أمن اسرائيل، كل المتحدثين في أمريكا من اليمين الى اليسار يطالبون الآن أن يكون لأمريكا دور أكثر نشاطا، وهذا معناه أن تملي أمريكا صيغة مقبولة على الطرفين. ـ هل تقصد بصيغة مقبولة المبادرة السعودية مثلا حيث أنها تمت بترتيب أمريكي كما نشر؟ ـ حتى المبادرة السعودية تنفيذها يتطلب ضغوطا والأداء العربي فيه إفلاس كامل حتى الآن، توصيات القمة تتحدث عن المبادرة السعودية فقط، وهذه تحتاج لضغوط. ـ ما يحدث في فلسطين الآن، هل يؤدي الى مزيد من التطرف، أم مزيد من اعتدال الشارع الاسرائيلي؟ ـ أنا لي نظرية في حكاية التطرف والاعتدال هذه وهي: عندما يقوى العرب يقل التطرف، وعندما يتقاعس العرب يزداد التطرف، وبعد أن استقوت الانتفاضة نشطت قوى الاعتدال، بدأوا في الصحف الاسرائيلية يتحدثون عن أن الاستيطان مكلف ويعترضون عليه، يتحدثون عن أن الحدود بين اسرائيل والمستوطنات طويلة جدا، أطول من حدود اسرائيل نفسها، يتحدثون عن أنه في اسرائيل 200 ألف مستوطن حمايتهم تتكلف أكثر مما يتكلفه الشعب الاسرائيلي كله، وهذا نتيجة للنضال الفلسطيني، عندنا نمط جنوب لبنان، عندما تزايدت الخسائر جاء الانسحاب الاسرائيلي، حركة رفض الخدمة العسكرية تتزايد الآن، اضطر شارون أن يستدعي جيش الاحتياط، هل تعرفون ما معنى هذا، هذا يعني أن المصانع ودواليب العمل في اسرائيل تتوقف، يوجد ادراك اسرائيلي الآن أن الأمن مهدد وشارون يبذل أقصى جهده حتى يتحقق أمنه، والذي يحدث أن تهديد الأمن يزداد. ـ الأمن الاسرائيلي مهدد مع حصار السلطة الفلسطينية واجتياح رام الله والمدن واعدام الفلسطينيين كل يوم هذا انتصار وليس أمن مهدد؟ ـ انظروا الى اسرائيل كمجتمع، مجتمع جذوره ليست قوية، فقبل الانتفاضة تصور المستوطنون الصهاينة أنه سيمكنهم خلال السنوات السبع بين توقيع أوسلو واندلاع الانتفاضة إحكام هيمنتهم على الشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية من خلال سلطة فلسطينية لا سلطة لها، منعدمة السيادة، ويمكن إفسادها بالرشوة وتقوم بالغاء الحياة السياسية، وتحكم بشكل مطلق فيضمر الاحساس القومي والديني، وتتحول الجماهير الى مجرد وحدات اقتصادية انتاجية استهلاكية تنسى الكرامة والوطن، وتركز بدلا من ذلك على تحسين مستوى المعيشة، ويصبح من الممكن رشوتها هي الأخرى (وهذه هي رؤية بيريز لما أسماه بالشرق الأوسط الجديد) ـ ولوح الغرب والصهاينة للسلطة والجماهير بأشياء وردية مثل تحول فلسطين واسرائيل والأردن الى سنغافورة وهونج كونج الشرق الأوسط، بلد لا تاريخ له، عدد سكانه محدود، ولكن انتاجيته مرتفعة الى أقصى حد، ومستوى المعيشة مرتفع الى درجة تدير الرؤوس الاستهلاكية، وكل من يقف ضد هذه الرؤية. ومع تأثير أحداث سبتمبر تواصل التأثير على الاقتصاد الاسرائيلي. وكان الأثر الاقتصادي ملاحظا على بعض القطاعات مثل السياحة والزراعة والعقارات، ففي قطاع السياحة أغلقت 25 شركة سياحية هذا العام، وبلغت الخسائر حوالي 7.3 مليارات شيكل، وتم الاستغناء عن حوالي 15 ألف عامل، بل أنه حتى في الأماكن البعيدة مثل البحر الميت انخفضت نسبة حجوزات الفنادق 66% عن عام 2000، وفي الانفاق العسكري رصدت اسرائيل 50 مليار شيكل زيادة لموازنة عام 2002، التي تبلغ 255 مليار شيكل، فضلا عن تخصيص 15 مليون دولار لتأمين وسائل النقل العام داخل الخط الأخضر والمستوطنات، وارتفع عدد الفارين من الجيش الى 30% في العام الماضي، فضلا عن انخفاض الصادرات خاصة صادرات التكنولوجيا المتطورة والألماس المصقول والصادرات الزراعية. ـ رغم أهمية الجانب الاقتصادي إلا أن الأهم هو فعل الانتفاضة في الوجدان الاسرائيلي فماذا حدث؟ ـ سوف أورد بعض العبارات من الصحف الاسرائيلية التي تلخص ما حدث في الوجدان الاسرائيلي، فالانتفاضة هي «حرب استنزاف» و«لجة الدماء» و«رقصة الموت» و«بنج بنج الرعب» «والغوث في مياه راكدة» و«المستنقع الذي غرقت فيه قواتنا» في اشارة الى المستنقع اللبناني، أي أنهم يربطون انتفاضة الأقصى بتجربة الهزيمة في لبنان، وقال أحد الكتاب في معاريف «صغيرة هي المسافة بين الخوف والذعر والجمهور الاسرائيلي يعيش بين هذا وذاك» واقرأوا معنى قضية ذلك المستوطن الاسرائيلي الذي نزح عن اسرائيل وعاش في الأرجنتين وحمل الجنيسة الاسرائيلية والأرجنتينية ورفضت زوجته الاسرائيلية عرضه أن تلحق به في الأرجنتين فقام باختطاف ابنه ورفعت الزوجة قضية لاسترداد الولد وحكمت المحاكم لصالحه لأن اسرائيل مكان غير آمن للأطفال واقرأوا قصة الجندي الذي نشر رسالة مفتوحة في يديعوت أحرونوت منذ 6 أشهر يقول فيها: «أخاف الموت بلا سبب كالأبله على الرمال النتنة المسماه قطاع غزة.. لا أعرف أن أطير عندما يطلقون علي النار، عدت من الانتفاضة الأولى، ومن حرب لبنان بحالة جيدة بمحض المصادفة، اذا مت فسأموت كالأبله، أبله لم ينتبه له أحد». ـ دائما تقول: إن العقل الاسرائيلي وصل مرة أخرى الى حالة «اين بريرا» ماذا تعني بهذه العبارة؟ ـ هي عبارة تعني «لا خيار» كانت تعني في الماضي أن المستوطن الصهيوني محكوم عليه بالدخول في حروب مستمرة، ولكن قد يكون هناك مخرج في نهاية النفق من خلال ما يسميه الفكر الأمني الاسرائيلي «الحائط الحديدي» وهو يعني أن المستوطنين سيبنون حول أنفسهم حائطا حديديا لا يمكن للعرب اختراقه، والآن بدلا من الحائط الحديدي ظهرت عبارة العجز الأمني هي حالة من «إين بريرا» أو كما قال أحد الكتاب في معاريف «إن المجتمع الاسرائيلي يشعر بأنه قطيع بلا راع، محاط بذئاب مجنونة» وقال آخر «ليلة سعيدة أيها اليأس والكآبة تكتنف اسرائيل فالحائط قد تهاوى وقد نجح الفلسطينيون في زرع الرعب في صفوفنا»، وتطرح هآرتس الآن شعارا جديدا للصهاينة مفاده «دعونا نأكل ونشرب فسوف نموت غدا» وبالمناسبة تقول الصحف الاسرائيلية أن عدد المرتادين على عيادات الأطباء قد زاد بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وتحدثت عن ظاهرة يسميها علماء النفس ظاهرة العجز المكتسب ولشرح هذه الظاهرة تقول الصحف: انه أجريت تجربة عرض فيها كلبان لصدمات كهربائية وأعطي واحد منهما فرصة للفرار وحرم منها الآخر فاكتسب الأول حسا سريعا بتجنب الصدمات وقفز في الجهة الآمنة، أما الآخر فقد تكيف مع الحالة وتقبل الموقف بخنوع حتى أنه حينما اتيحت له فرصة للهرب لم يغتنمها، فالعجز المكتسب سلوك سلبي ينشأ من الادراك أن لا وسيلة لتجنب آثار مؤلمة، فهي حالة «اين بريرا بامتياز» وهذا يؤدي الى الشلل والتطلع لحلول سحرية كانتظار لمسيح دجال أو قبول شارون كقائد قوي. ـ دائما تكتب وتتحدث عن مصير الجيب الاستيطاني الصهيوني ما هي فرصة استمراره وبقائه؟ ـ هذا موضوع لا يحب أحد في اسرائيل مناقشته ولكنه يطل برأسه عليهم، فقد كتبت يديعوت أحرونوت مقالا منذ شهرين بعنوان: «يشترون شققا في الخارج تحسبا لليوم الأسود» واليوم الأسود هو اليوم الذي لا يحب الاسرائيليون أن يفكروا فيه، ويستدعي المقال: أن جيش الحفاة في فيتنام هزم الأمريكيين المسلحين بأحدث الوسائل. ـ ما هي أسباب رفض الخدمة العسكرية، هل هو استيقاظ ضمير المجندين أم الخوف من الهلاك، أم أزمة في بناء الكيان الصهيوني؟ ـ كل هذه الأسباب، أزمة التجمع الصهيوني ذات أوجه عديدة، أزمة هوية، أزمة سكانية، أزمة صراع ديني علماني. كانت الخدمة العسكرية وساما يعلق على صدر المجندين وجواز مرور لأعلى الوظائف ولعضوية النخبة السياسية «وهذا نمط متكرر في كل الجيوب الاستيطانية التي يستند بقاؤها الى قوة السلاح» وقد ساند هذا اطار ايديولوجي متماسك وانتصارات عسكرية باهرة حتى عام 1967، ثم توالت الضربات حرب استنزاف، حرب 1973 حرب لبنان الانتفاضة الأولى، الانتفاضة الثانية أدى هذا الى اهتزاز صورة الجيش، وتراجع مكانته وتزايد الوعي بين الاسرائيليين بأن فلسطين ليست أرضا بلا شعب، وأن الحروب والهزائم خارج اسرائيل ليست حروبا حتمية وإنما هي حروب توسعية تتم بمحض ارادة المؤسسة العسكرية، وكان أهم العوامل على الاطلاق هو احساس المجندين بأنه لا جدوى من الاستمرار في الحرب، فضلا عن السلاح الفلسطيني الذي أدى الى الخوف من الموت وهو سلاح الاستشهاد فكل المجتمعات الانسانية، وكل رؤى الكون مشغولة دائما بتفسير ظاهرة الموت وكيف يمكن للبشر التعامل معها فالديانات السماوية تتحدث عن عالم آخر وما الموت إلا بوابة العبور اليه. والعقائد العلمانية القومية تعد بالخلود إذا كان الموت من أجل الوطن والأرض، ولكن مع عدم وجود أي إطار ديني أو أيديولوجي يصبح الموت نهاية عبثية وعدمية وهذا ما يحدث الآن في الأرض.