احتشدت الصحف الاسرائيلية بالعديد من المقالات التي حملت أسماء محللين اسرائيليين سياسيين كبار تناولوا ما يدور داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وتحت الحملة العسكرية الشرسة في العديد من المدن الفلسطينية. واستعرضت المقالات أسباب شن الحملات «العسكرية» وحدد الكتّاب هدفين أساسيين، الأول هو عزل أو ابعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والثاني ما أسموه مكافحة الارهاب. ورأى هؤلاء بما يشبه الاجماع ان الحملات العسكرية قد سجلت فشلاً ذريعاً ولن تحقق أياً من أهدافها المعلنة، بل وبخلاف ذلك أدخلت اسرائيل في مستنقع يتعين عليها أن تجتهد في ايجاد السبل الكفيلة لاخراجها منه، فالرئيس الفلسطيني الذي تحاصره قوات الجيش الاسرائيلي يزداد قوة وتتسع شعبيته كل يوم، والارهاب ليس كائناً ملموساً يمكن القضاء عليه بتوجيه ضربات عسكرية، هو في الحالة الفلسطينية بشكل خاص يعد نوعاً من الدفاع المشروع عن النفس أمام قوة عسكرية مدججة بالسلاح. وقال عوزي بنزمان الكاتب الرئيسي في صحيفة «هآرتس» شكل العملية العسكرية التي تدور في الضفة الغربية يعبر عن الشرك والمأزق الذي علقت فيه اسرائيل في موقفها من الفلسطينيين: عمليات جيش الدفاع غير قادرة على تغيير جذري للوضع الذي يتسبب في تنفيذها والقيام بها. ومع ذلك تبدو في لحظة معينة كعمليات لا مفر من القيام بها. تحديد العملية وتعريفها يحمل من البداية بشائر النتائج التي ستترتب عليها: فهي لن تحقق الاهداف المرجوة منها. الحكومة اعتبرت اهداف العملية هي القضاء على البنية التحتية للارهاب الفلسطيني واعتبرت عرفات عدواً سيتم عزله في هذه المرحلة. هذه الاهداف لا تخلو من الاشكالية، اذا لم نقل انها اهداف غير محققة ومدحوضة: الدولة لا تخرج للحرب وتجند 20 ألف جندي احتياط من اجل عزل شخص واحد وشل قدرته - ياسر عرفات. لهذا الامر يكفي حشد سرية واحدة من الجنود النظاميين. أضف الى ذلك انه اذا كان عرفات العدو المطلق فلماذا تم تحديد مهمة جيش الدفاع بعزله. ايضا المراهنة على القضاء على البنية التحتية للارهاب الفلسطيني ليست بالامر الواقعي: اسرائيل غير قادرة على مطاردة كل واحد من آلاف المخربين الفلسطينيين. «البنية التحتية للارهاب الفلسطيني» اذا أردنا تحديدها عمليا هي بعض الورشات والمباني (التي دمرها جيش الدفاع منذ مدة) وبضع عشرات من القيادات والمخازن، وعشرات آلاف الاشخاص الحاملين للسلاح. ليس من الواقعي ان نتوقع ان تقوم دولة اسرائيل بشغل موقع السلطة الفلسطينية في السيطرة على تحركات وأنشطة المنظمات الارهابية. «البنية التحتية للارهاب» هي مجموعة سكانية فلسطينية تعيش كلها في الضفة والقطاع: هي التي توفر الدعم الاخلاقي والحقيقي للمخربين، وباسم هذه المجموعة يهاجمون اسرائيل واليها يعودون لايجاد مخبأ لهم. اسرائيل لا تستطيع ازالة هذه البنية التحتية وتدميرها. وهكذا تجد اسرائيل نفسها في عيد الفصح لعام 2002 وهي تعيد احتلال مناطق محتلة وتحشد ألوية كاملة لاعتقال «في احسن الاحوال» بضع مئات من الفلسطينيين المطلوبين وتجمع الوسائل القتالية والاسلحة التي سيعوض الفلسطينيون خسارتها بأسلحة اخرى من دون أية صعوبة خاصة وخلال فترة قصيرة. بسبب هذه الظروف الاساسية ستخيب هذه العملية المتدحرجة الآمال ولربما تورطت وتعقدت: اذ يتربص بنا ضغط دولي سيقصر الفترة الزمنية المحددة من قبل المخططين للعملية، وضغط داخلي من صفوف قواتنا ومن الانقسامات الاساسية التي يعتبر جنود الاحتياط جزءاً منها حول عدالة وجودنا في المناطق. وهناك ايضا الاحباط الذي يصيبنا من نتائج العملية: بعد ان يخرج جيش الدفاع من المدن الفلسطينية سيتبين ان العمليات ما زالت مستمرة ومتواصلة. الامر الذي سيتسبب في التكدر والخيبة بشكل خاص هو الاستيقاظ من التوقع الذي أثارته الحكومة في قرارها بعزل عرفات. العالم لن يسمح لشارون بأن يحقق هذا الهدف. ووضعه على رأس اهداف العملية يشير الى تقدير غير سليم للمسألة: فهذا الامر قد يحدث هزة قد تجر الشرق الاوسط كله وهي تزيد من مكانة عرفات الاعتبارية في عيون أبناء شعبه وتعزز من صورته الدولية كقديس يجري تعذيبه واضطهاده. كما ان تركيز الانتباه حول عرفات انما يزيف جوهر الصراع: اسرائيل تخوض كفاحا وطنيا مريرا مع الشعب الفلسطيني كله وليس فقط مع من يقوده الآن. للوهلة الاولى يتبين ان الاستنتاج المطلوب هو اعادة تحديد أهداف العملية العسكرية: اعلان الحرب على الشعب الفلسطيني كله. ولكن قد تبرهن على ان اسرائيل غير قادرة على السيطرة على المناطق التي يعيش فيها شعب يتطلع للاستقلال. من الناحية الاخرى قدمت اسرائيل للفلسطينيين اقتراحات بعيدة المدى في كامب ديفيد فجاءها الرد من خلال الارهاب وبطرح مطلب حق العودة. في مواجهة الطريق المسدود لا مفر من العودة للفكرة الاساسية: الاعلان من جديد عن الاستعداد للشروع في المفاوضات حول التسوية الدائمة وعناصرها: الانسحاب من المناطق، تنازل فلسطيني عن حق العودة، وترتيبات امنية موثوقة. هذا هو الاستخلاص المطلوب ايضا في الساعات التي تتدحرج فيها العملية العسكرية التي تبدو ردا يفرضه الواقع على سلسلة العملية الوحشية التي كانت مذبحة عشاء عيد الفصح في نتانيا ذروتها. ويستعرض شمعون شيفر المحلل السياسي لصحيفة «يديعوت» في مقال ما دار خلال مجلس الوزراء الاسرائيلي في الساعات التي سبقت وصف عرفات بالعدو فقال: لثماني ساعات تحدث الوزراء، من منتصف الليل وحتى صباح يوم الجمعة، متعبون، مرهقون، متألمون. اتفاق واحد تبلور بين أعضاء حكومة الوحدة، من اليمين الى اليسار: الحديث لا يدور عن مواجهة مع الفلسطينيين، هذه الآن حرب. لم يستطع الوزراء فهم غير ذلك حين صادقوا على تجنيد 20 ألف شخص من قوات الاحتياط. منذ ذلك الحين صدر قرار باضافة عشرة آلاف جندي آخر. في المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الحكومة ارييل شارون في بداية الجلسة المرهقة أعلن: «أنا لا ألتزم بأي يوم وأي ساعة سيتوقف الارهاب، ولكننا قررنا ان نصفي الارهاب وقاعدته». والى جانبه كان يجلس قادة الكتل من اجل اظهار «الوحدة الوطنية». السؤال الآن هو: الى أين تتدحرج العملية العسكرية؟. الجواب: مرتبط بمن تسألون. شارون يواصل السعي لابعاد عرفات من المناطق وتقويض السلطة الفلسطينية. والقرار لم يصادق عليه في هذه الاثناء، وشارون معني باتخاذه وحزب العمل الى جانبه في حكومة الوحدة وبموافقة ضمنية من الامريكيين. حتى الآن لم تتضح الظروف لذلك، ولكن مصدراً سياسياً كبيراً أوضح انه اذا لم يساعد عزل عرفات واستمرت العمليات فانه سيُبعد. يقول وزير الدفاع، بنيامين بن اليعازر انه «في هذه المرة سنسير حتى النهاية». ما هي النهاية؟. «تحطيم الحد الأقصى من القاعدة الارهابية حتى يطلب الفلسطينيون وقف اطلاق النار». وفي المؤتمر الصحفي أضاف بن اليعازر «ان هذه الحرب لا تعرف أي حدود جغرافية ولا غيرها، ليس هناك شخص محصن من الجيش طالما كان يحمل دمغة الارهاب، وبالتأكيد حين يتعاطى بالارهاب ولا يهم ما هو موقفه». ويضيف بن اليعازر «يستطيع عرفات ان يبقى في رام الله ولكن لن نجري معه مفاوضات. سنحرص على توفير كل احتياجاته. سنوفر له الكهرباء، الطعام والماء، هذا هو». واذا أراد المبعوث الامريكي انتوني زيني زيارة عرفات في رام الله؟ «أنا واثق انه سيحترم قرارنا بعزل عرفات وسيسألنا قبل ان ينطلق». وزير الخارجية يفكر على نحو آخر. يعتقد أننا في نهاية الامر سنضطر الى الحديث مع عرفات. معه، وليس مع أي زعيم فلسطيني آخر. «عارضت في الحكومة مباديء العملية العسكرية لانها عرضت لنا خطة وليس عناوين. اذا شاء أحدهم، يستطيع ان يختفي وراءها من اجل فعل أشياء لا يوجد اتفاق بشأنها». من الصعب الامتناع عن المقارنة بين حرب لبنان والحرب الحالية: في الحربين لم يتخذ المستوى السياسي قرارا واضحا بشأن اهداف الحرب. علم الوزراء بكل خطوة قبيل بداية تنفيذها أو بعد ذلك. ونشر يوئيل ماركوس المعلق بصحيفة «هآرتس» مقالاً بعنوان «إلى أن يتم اخراج ورقة الجوكر» قال فيه ان شارون يريد اشعال نار كبرى كي يصل الى وقف للنار، وورقة المفاجأة الأخيرة في هذا القمار الدموي ستكون التدخل الدولي بسيطرة أمريكية وقوة رقابة لوقف النار واعادة الطرفين للحوار. وجاء في المقال: عندما تتلاحق العمليات واحدة تلو الاخرى لا شك ان اسرائيليين كثيرين يستمتعون من المظاهر والاصوات التي تتعالى من باحة عرفات. عرفات يجلس في ضوء الشموع متحدثا بهاتفه النقال وهو يلتهم معلبات جيش الدفاع. شارون يستطيع ان يكرر ما قاله في لبنان: لقد كان على مرمى الهدف، الا اننا لم نطلق النار عليه حسب تعليمات بيجن. عرفات الآن على مرمى الهدف لمدفع الدبابة وشارون يطالب مرة اخرى بضبط نفسه من بوش ومقيد من حكومته، الامر الذي حال دون طرده لعرفات من مناطق السلطة. الا ان شارون معروف في أماكننا. قبل عشرين سنة قدم للحكومة خطتين لحرب لبنان، خطة كبرى وصولا الى بيروت وخطة صغرى (40 كم). الحكومة صادقت على الخطة الصغرى الا انه نفذ خطته الكبرى في نهاية المطاف. كلما أهين عرفات اكثر كلما ازدادت العمليات وسرعان ما تبين لشارون ان عرفات السجين والمهان أكثر ضررا من عرفات الطليق. شارون قد يتصرف في نهاية المطاف حسب الفكرة العفوية الاولى التي خطرت في باله. ولو كنت شركة تأمين لما أغراني أي شيء لاعطاء عرفات تأمين على حياته. السؤال الاساسي الآن هو كيف يمكن تعريف الهجوم المتدحرج على مناطق السلطة. هل هو عملية انتقامية عقابية تهدف الى التنفيس عن غضب الجمهور؟ هل هي عملية متدحرجة لاحتلال كل المناطق حسب اقتراح نتانياهو؟ هل تحدد موعد انهاء العملية وما هو الشيء الذي سيعتبر نصرا؟. الوزراء الذين توجهت اليهم لم يتمكنوا من اعطاء جواب قاطع باستثناء الجملة الفارغة: «اقتلاع الارهاب من جذوره». النقاش في الحكومة لم يكن استراتيجيا. والوزراء لم يعرفوا بالضبط الى أين ستتدحرج العملية المتدحرجة. زمرة الناطقين الاعلاميين الرسميين تتحدث عن تدمير البنية التحتية للارهاب فقط. من الغريب ان نسمع شخصا معتدلا وذكيا مثل مئير شطريت وهو يقول اننا سنتمكن خلال شهر من القضاء على الارهاب والعودة الى المحادثات السلمية. قوله هذا بسيط جدا لدرجة تبعث على الضحك. عبارة القضاء على الارهاب حمقاء بدرجة لا تقل عن حماسة الشعار: «اتركوا جيش الدفاع ينتصر». أولم ندخل للمدن والمخيمات من دون ان نمسك شيئا او نقضي على شيء؟. وفي مقال لصحيفة «يديعوت احرونوت» وصف سيما كدمون مراسل الصحيفة للشئون الحربية حياة الاسرائيليين بأنها أصبحت لا تطاق والفصل هو الكفيل بأن يعيد لهم الحياة. وقال الكاتب في المقال الذي حمل عنوان «هذه هي حياتنا» هذه ايام عصيبة للمواطن العادي. ايام مجنونة. لم يسبق للبيت ان كان محصنا مثل هذه الايام. البيت هو الحصن. انه غرفة عمليات. مع الهواتف، التلفزيون، والتأكد من ان الجميع على قيد الحياة. الوسادة هي كيس رمل. الغطاء هو سور اسمنتي. رائحة الربيع تطرق النوافذ، رائحة البرتقال، رائحة الياسمين ولكن الايدي خاوية والارجل ثقيلة لا تقوى على الخروج. هذه ايام مجنونة. ننهض في الصباح مع ألم اليوم التالي ولحظات الخوف قبل ان نفتح المذياع لنسمع عن اليوم السابق. ندخل في يوم جديد مع خوف بألا يعود الينا الجميع. الامور البسيطة، اليومية، يجب ان نفكر مرتين، ثلاث، اربع قبل ان نفعلها. هل نخرج مع الكلب. ان نتوجه الى البقالة. ان نسافر في الباص للعمل. ان نذهب للتسوق. ان نجلس في المقهى. ان نرسل الاولاد للمدرسة. كل شيء يدرس بامعان. كل سؤال بسيط بات مشكلة وجودية.