بيان الاربعاء: حطمت صحيفة «الخبر» الجزائرية الصادرة باللغة العربية، الرقم القياسي في حجم التوزيع، الذي قارب في الاشهر الاخيرة نصف مليون نسخة يوميا و هو مستوى لم تصله من قبل اية مطبوعة يومية، سواء كانت تصدر باللغة العربية اوالفرنسية متزامنا ذلك مع ميلاد العديد من الصحف اليومية في وقت قصير. ورغم ان البعض في العاصمة الجزائرية يفسر نجاح «الخبر» بوجود دوائر نافذة في السلطة تدعمها مقابل الزامها بالدفاع عن رؤاها السياسية اوالامنية الا ان هذا لا ينقص من اهمية الانجاز ودفع الذين ظلوا يعتقدون بأن الصحافة المكتوبة بالعربية في هذا البلد مصابة بعجز مزمن وغير قادرة على فرض وجودها وعلى كسب قراء كثيرين، الى مراجعة مواقفهم واعتقاداتهم. فما هي العوامل الموضوعية التي ساعدت الصحافة الناطقة العربية في الجزائر على تحقيق هذه الطفرة حيث لا تزال اللغة الفرنسية مهيمنة في وسائل الإعلام بصفة عامة ؟ الجواب يتمثل في انه يبدو ان دروسا استخلصت من تجربة السنوات الأخيرة الغنية بالتحولات ويتجلى ذلك من خلال عدة مؤشرات ملموسة، لعل أبرزها تراجع الخطاب الايديولوجي المتحزب في التحاليل والتعاليق الصحفية، كرد فعل ناتج من دون شك عن تفاقم ظاهرة العنف السياسي. هذا الجو يكون قد سهل كثيرا على الصحافة الصادرة بالعربية عملية الانتقال الى العمل الاعلامي المحترف والعصري ودخول سوق المنافسة بطاقاتها الشابة وسعة ذكائها، مع اهتمام ملحوظ بتحسين نوعية اللغة المكتوبة لأن كثيرا ما كان القراء يشتكون من حالة ظلت مستديمة، يجدون فيها الصحفيين الأكثر حرصا على الكتابة بأسلوب عصري كانوا في الغالب أكثر ميلا الى الكتابة بلغة بسيطة ساذجة في بعض الأحيان ومنمطة، تستعير أساليبها من الفرنسية المتداولة من الأحاديث العامة. أضف الى ذلك عدم حسن استغلال الثروة اللغوية التي تزخر بها البلاغة الأدبية العربية، من بيان وبديع، بما فيه الكفاية بسبب هذا التفكير الذي رسخ في أذهان العديد من الصحفيين والكتاب الجزائريين المحدثين. في حين نجد فئة أخرى من الصحفيين أكثر محافظة على النمط التقليدي، وأكثر تمسكا بالصنعة اللفظية، الا أنهم لم يستطيعوا أن يواكبوا الأذواق الفنية و الأدبية الجديدة وأن يستغلوا فنيات التحرير الحديثة وتتميز هذه الصحافة بقلة احترافيتها مقارنة بالصحافة الليبرالية مما أدى بسرعة الى تدني مقروئيتها. في خضم هذا الانبعاث الجديد ظهرت منذ ثلاث سنوات الصحافة، يومية تصدرها مؤسسة «ليبرتي» التي تملك أحد أكبر العناوين باللغة الفرنسية، وهي مقربة من الأوساط الليبرالية العلمانية واستطاعت الصحافة في ظرف بضعة أشهر فقط أن تقفز الى المرتبة الثانية بسحب يومي وصل الى 50 ألف نسخة . قبل أن تتوقف عن الظهور نهائيا هذه السنة. لكن في نفس الفترة عناوين عربية كثيرة رأت النور، وهذا ان دل على شيء فانما يدل على أن الصحافة المكتوبة بالعربية في الجزائر لها من الادارة الذاتية ما يكفيها لكي تمضي دائما الى الأمام محققة مزيدا من النجاحات اليوم ،«الشروق اليومي»، من العناوين التي بدأت تشق طريقها بثبات نحوالشهرة والامتياز. في الجزائر توزع حاليا حوالي 30 جريدة يومية وطنية 14. منها بالعربية و16 بالفرنسية ستة فقط من المجموع تابعة لقطاع الدولة هذا وينتظر أن تزود الأكشاك عما قريب بعناوين جديدة حرة بالعربية هذه الانتعاشة يقولها الملاحظون بعودة الحرية الاعلامية في الجزائر بعد سنوات من التشديد على الرقابة جراء حالة الاضطراب والارهاب الذي عانى منه الجزائريون منذ ثماني سنوات. تقريبا كل التيارات السياسية والفكرية، من اسلامية وعلمانية وقومية ممثلة في الصحافة ... التي تتحول دوريا الى منابر سياسية جد نشطة، لاسيما «الخبر» الجريدة الوحيدة في نظر المراقبين التي تنافس الصحف الناطقة بالفرنسية في هذا المجال. تاريخ حافل تاريخيا، يعود ظهور الصحافة العربية في الجزائر الى أواسط القرن التاسع عشر وبالضبط الى سنة 1847 وكانت «المبشر» وهي مطبوعة نصف أسبوعية تصدرها الولاية العامة الفرنسية بالجزائر العاصمة، أقدم عناوينها، رسالتها تتلخص في العمل على تقليب الأهالي ونخبها العلمية والدينية من السلطات الاستعمارية. احتجبت عن الظهور عام 1927 وتبعت المبشر تجارب أخرى في نفس النهج الكولونيالي الدعائي البحت منها الخاصة والحكومية، ونذكر من بينها المنتخب 1882 ـ 1883 النصيح 1899 ـ 1900 الأخبار 1903 ـ 1930 من الجانب الجزائري، أقبل رواد الحركة الوطنية منذ مطلع القرن العشرين على إنشاء جرائد تدافع عن حقوق الأهالي السياسية والمدنية وتطرح لأول مرة فكرة الاستقلال . كانت أبرزها جريدة «الإقدام» التي أسسها الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر عام 1920 وتوقفت عن الصدور عام 1923 .ثم جاء دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحت قيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس. فلقد عرفت الصحافة العربية تألقها في الجزائر على يد العلماء حتى قبل تأسيس هذه الجمعية الإصلاحية الدينية عام 1932، اذ بادر ابن باديس في مسقط رأسه قسنطينة بإنشاء المنتقد عام 1925 فتلتها الشهاب 1925 ـ 1939 وهي أشهر صحيفة عرفت في تلك الفترة، كانت الى جانب نشرها لأدبيات الجمعية والفكر الاصلاحي في المجالات العلمية والتربوية والدينية، تقوم بدور همزة وصل بين الفعاليات القومية والعلمية والدينية وجمهور القراء من داخل القطر الجزائري ومن الأقطار العربية والاسلامية . عند اندلاع ثورة التحرير 1954 ـ 1962 مثل جريدة «المجاهد»، لسان حال جبهة التحرير لتحمل صوت الثورة. الصحافة المستقلة بعد الاستقلال، ومع إرساء النظام الاشتراكي القائم على الحزب الواحد، استخدمت الصحافة الجزائرية الناطقة باللغتين كأدوات إعلامية وإيديولوجية في خدمة السلطة والثورة الاشتراكية المنتهجة ولم يسمح لها بممارسة حريتها إلا بعد انتفاضة أكتوبر 1988 ففي تلك الفترة الحاسمة من تاريخ البلاد خرج الصحفيون لأول مرة لينظموا مسيرات احتجاجية نددوا فيها بأعلى صوتهم بالتعذيب وقمع الحريات وتعزز دور حركة الصحفيين الجزائريين التي برزت الى الوجود في مطلع عام 1988 كنواة من الصحفيين اليساريين معظمهم من حزب الطليعة الاشتراكية السري وكان هذا الحزب وقتها أكبر وعاء سياسي للقوى الديمقراطية المطالبة بالتغيير وكان موجودا في جميع القطاعات ولقد سمحت الانتفاضة الشعبية التي هزت النظام في أكتوبر 1988 وجعلته يعلن انفتاحه الديمقراطي على مختلف القوى الاجتماعية والسياسية في البلاد بظهور حركة الصحفيين الجزائريين كقوة موجهة للنضال في قطاع الإعلام الذي كان إلى ذلك الوقت حكوميا فطالبت بتكوين لجان تسيير المؤسسات الإعلامية الحكومية على أسس ديمقراطية وانتخابية وتشكلت حركة رأي واسعة تطالب بحرية التعبير والتعددية وأعلنت الحكومة دستورا جديدا كرسه استفتاء شعبي في 23 فبراير 1989 وأقر لأول مرة في تاريخ الجزائر السماح بممارسة العمل السياسي والإعلامي خارج الأطر النظامية للحزب الحاكم. وسمح بالتعددية الحزبية وبحرية إنشاء الصحف. وقدمت حكومة مولود حمروش مساعدات هامة للصحفيين بغرض تأسيس صحفهم في إطار ملكية جماعية أشبه ما تكون بالتعاونيات التي تأسست في مختلف القطاعات في إطار النظام الاشتراكي وانطلقت هكذا تجربة الصحافة المستقلة بإمكانيات متواضعة لكن في ظل تعطش القراء للرأي المخالف لرأي السلطة المفروض منذ الاستقلال عام 1962 بيد أن تجربة الصحافة الحرة في بدايتها لم يستفد منها المعربون مثلما استفاد منها المفرنسون كما يشهد عليه طغيان العناوين الناطقة بالفرنسية منذ ذلك الوقت وبعد إعلان حالة الطوارئ في البلاد عام 1992 مع بداية مسلسل العنف الدموي علقت السلطات عددا كبيرا من العناوين الصادرة بالعربية منها عشرة تابعة للتيار الإسلامي تم وقفها دفعة واحدة بدعوى المساس بالأمن العمومي وخرق القوانين الخاصة المعمول بها ليظهر في الأخير جيل جديد من الصحفيين بالعربية، مشبع بنية العمل من أجل بلوغ مستوى أعلى من الجدية والاحترافية، جيل رسم لنفسه هدفا مقدسا هوخدمة حرية التعبير والديمقراطية بمفهومها الشامل، بعيدا عن المضاربة الفكرية والصدامية ورغم كل النقائض المادية والأدبية التي لا تزال تعيق هذا المسار. فعلى سبيل المثال لا تزال شريحة من الفرنكوفونيين في الجزائر ضحية نظرة ازدراء إلى ازدهار الصحافة الحديثة بالعربية وتطورها الى مستويات أرقى وهذه النظرة تعكس في جوهرها الفلسفة التي بني عليها الحكم في أصله والتي يتم بموجبها فرض توزيع مناطق النفوذ في إدارة البلد حسب التقسيم اللغوي الكائن، فهكذا المكونون بالعربية يحدد نشاطهم في إنتاج وإعادة إنتاج الثقافة التعليم، القضاء، الشئون الدينية ولا يخرجون من بوتقة الفكر البالي، في حين المكونون باللغة الفرنسية يشتغلون في ميادين الإنتاج العصري التكنولوجيا، التسيير الاقتصادي، الإدارة المدنية والعسكرية ومهمتهم احتكار الخطاب الحداثي على كل الأصعدة. ثمار التعريب ويكتشف المحللون وأهل المهنة اليوم بذهول في بعض الأحيان، بروز الصحافة الناطقة بالعربية في الجزائر وقدرتها على منافسة غريمتها الناطقة بالفرنسية، بعدما صعقوا لدى اكتشافهم، لنتائج عملية سبر آراء جادة أجريت منذ ثلاث سنوات خلت كشفت أن أكثر القنوات التلفزيونية متابعة من قبل الجمهور الجزائري هي قناة فضائية عربية أمام كبريات المحطات الفرنسية الملتقطة في المنطقة منذ أزيد من عشر سنوات هذه المنجزات كلها هل تعني، كخلاصة، أن الجزائر ماضية في تعريب أوسع وأشمل على حساب الوجود التقليدي للغة والثقافة الفرنسية؟ في الواقع لا أحد ينكر أن الفرنسية تقلص تأثيرها بشكل كبير في هذا البلد وبدأت أعداد متزايدة من الجزائريين تستغني عن استعمالها في مجالات العمل والاتصال العام وهذا بفعل تعريب فعال متدرج اتبعته الجزائر منذ الاستقلال ومس مختلف الشرائح ووصل في نهاية المطاف الى تهديد مكانة اللغة الفرنسية في المجتمع وإذا كانت العربية تحتل مكانتها كلغة وطنية رسمية من دون نقاش، ولازالت هي لغة الإدارة والتلفزيون من دون منازع، فان اقتحامها فضاء الكتابة بهذه الكثافة التي نشهدها اليوم سواء تعلق الأمر بالكتابة الإبداعية أو الصحافة المكتوبة، يبدو شيئا جديدا جديرا بالمتابعة .