بيان الاربعاء: جاءت زيارة رئيس الحكومة الافغانية المؤقتة حامد قرضاي لطهران في أواخر شهر فبراير الماضي لتعلن عن بدء مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين، ورغم أن الزيارة في حد ذاتها لم تكن مفاجئة لأحد، فإن عامل المفاجأة يكمن في موعد الزيارة التي جاءت في وقت تشهد فيه العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية حالة من التوتر على خلفية وصف الرئيس الأمريكي جورج بوش لإيران بأنها إحدى دول «محور الشر»، فضلاً عن اتهامه طهران بأنها تعمل على زعزعة الاستقرار في أفغانستان، وإيوائها بعض عناصر تنظيم القاعدة. ويمكن القول بأن تلك المفاجأة -المشار إليها- جاءت نتيجة ما أشار إليه بعض المراقبين من أن التوترات المتنامية في العلاقات الإيرانية-الأمريكية ستحول دون ترسيخ السلام والأمن في أفغانستان، حيث سيكون من الصعب على طهران وواشنطن أن يتكاتفا معًا لتشكيل حكومة مستقرة في كابول، في هذا السياق يثار التساؤل حول مدى تأثير العلاقات الإيرانية-الأمريكية على العلاقات الإيرانية-الأفغانية ومدى تحقيق الاستقرار في أفغانستان، وهل حقًا يصدق ما قاله بعض المراقبين من أن التوتر في الأولى ينعكس بالسلب على الثانية؟ لاسيما أن كلا من إيران والولايات المتحدة له دور كبير في تحقيق الاستقرار في أفغانستان أو أن العكس سيكون صحيحًا؟ تعود العلاقات الإيرانية-الأفغانية بحكم الجوار والمصالح المشتركة إلى فترات طويلة ماضية، غير أن ما يهمنا هو طبيعة تلك العلاقات مع بدء الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، والواقع أن إيران طرف أساسي في دعم الجهاد الأفغاني ضد القوات السوفييتية حيث استمر ذلك الدعم حتى تم انسحاب تلك القوات في فبراير عام 1989، غير أن استبعاد حلفاء إيران من ترتيبات الحكم في أفغانستان قد أدى إلى غضب طهران، فعارضت حكومة المجاهدين الانتقالية التي تشكلت في 24فبراير1989 برئاسة صبغة الله مجددي، وقد تمثل الغضب الإيراني في اتجاهها-منذ تشكيل تلك الحكومة-إلى التقارب مع نظام نجيب الله في كابول وأقامت معه علاقات جيدة توجت باستقبال نجيب الله في مدينة مشهد الإيرانية في نوفمبر1990. ومع سقوط نجيب الله أمام هجمات المجاهدين ثم نشوب الحرب الأهلية نتيجة الخلافات بين الفصائل الأفغانية حول السلطة وجدت إيران نفسها منخرطة في تلك الصراعات، حيث عملت على دعم الشيعة وتأييدهم في مواجهة الفصائل الأخرى، غير أن استمرار القتال بين المجاهدين الأفغان قد أدى في النهاية إلى بروز حركة طالبان في عام 1994 التي استطاعت أن تفرض نفسها رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية الأفغانية آنذاك. ولم تكن العلاقات بين إيران وطالبان ذات طبيعة ودية وإنما كانت ذات طبيعة عدائية منذ البداية، حتى إن الأمر كاد يصل إلى حد نشوب حرب بينهما في عام1998، وتبدأ القصة حينما قامت طالبان في 2يونيو عام 1997 بإغلاق السفارة الإيرانية وطرد العاملين منها متهمة إيران بالتدخل في الشئون الداخلية الأفغانية وإرسال الدعم العسكري للشمال تحت شعار المساعدات الغذائية الإنسانية، واستمر التوتر بين الدولتين وبلغ ذروته على خلفية أزمة الدبلوماسيين الإيرانيين التسعة في القنصلية الإيرانية في «مزار شريف» والذين قتلوا في أفغانستان ومع تطور الأحداث حشدت إيران 70ألفًا من قوات الحرس الثوري على الحدود مع أفغانستان وقابلتها حركة طالبان بحشد 25 ألفًا من مقاتليها ونشر صواريخ «سكود»، غير أن تراجع إيران واعتمادها سياسة عقلانية ومبادرة طالبان بالإفراج عن عشرة من الأسرى الإيرانيين ثم عن جميع الأسرى فضلاً عن المصالحة بين الحركة وقادة الهزارة الأفغان..كل ذلك أدى إلى تهدئة التوتر بين الطرفين. وبصفة عامة يشير المراقبون إلى أنه كانت هناك مجموعة من الأسباب التي أدت إلى حالة العداء الإيرانية تجاه طالبان ولعل أهم هذه الأسباب ما يلي: 1- اعتبار إيران أن «طالبان» خصم أيديولوجي أقام نظامًا جامدًا أساء للإسلام، فضلاً عن أنها لم تكن راضية عن تعصب طالبان ضد الهزارة وقمعهم بشتى السبل التي تراوحت بين الإقصاء السياسي وقتل أعداد منهم في مزار شريف. 2- رأت إيران أن السيطرة التي حققتها طالبان على مجمل أراضي أفغانستان كانت قد تمت بدعم من بعض الدول الأخرى التي كانت على خلاف وتوتر وتنافس دائم معها، ويشير البعض إلى أن المصدر الأهم للقلق الإيراني من نظام طالبان كان يعود إلى التأييد الأمريكي الذي حظيت به الحركة في البداية حيث اعتقدت إيران أن هذا التأييد لا ينفصل عن استراتيجية «الاحتواء» التي تمارسها واشنطن ضدها. 3- إن وجود نظام «غير ودي» في أفغانستان على حدود تمتد إلى حوالي 900كيلو متر ويصعب السيطرة عليها تمامًا قد زاد من مخاوف إيران وقلقها، وفي هذا السياق أكد المحلل الاستراتيجي الإيراني حسين هاشمي أن الحدود الإيرانية-الأفغانية أيام طالبان كانت مصدر قلق دائم بالنسبة لإيران بسبب تهريب المخدرات وقدوم اللاجئين الفارين من حكم طالبان وغير ذلك من المشاكل الأخرى. 4- استمرار نظام طالبان في مواصلة العداء تجاه إيران خاصة وأن ذلك الأمر قد امتد إلى الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى حيث شكلت طالبان مصدر تهديد لإيران في هذه الجمهوريات مما أدى إلى وجود مواجهة «ثقافية» علنية مستمرة بين الطرفين. في ضوء حالة العداء المشار إليها رفضت إيران في البداية الاعتراف بالمجلس الانتقالي الحاكم الذي يتألف من ست شخصيات جميعها من الباشتون والذي نصبته طالبان في كابول برئاسة الملا محمد عمر، كما أكدت إيران صعوبة إحلال السلام في أفغانستان من دون تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة تمثل كل العرقيات الأفغانية الأخرى، من جهة أخرى عملت إيران على توحيد الفصائل الأفغانية وإيجاد حلف بين برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار، بل حاولت تحقيق مصالحة بين كل من حكمتيار وعبد الرشيد دوستم مع برهان الدين رباني، ومع تشكيل تحالف الشمال الذي ضم مختلف الفصائل الأفغانية المعارضة لطالبان كانت إيران إحدى الدول الداعمة لهذا التحالف. ما بعد11 سبتمبر أخذت العلاقات الإيرانية - الأفغانية صورة جديدة في مرحلة ما بعد أحداث 11سبتمبر، الأمر الذي تمثل في عدة أمور منها عدم اتخاذ موقف سلبي تجاه الحملة الأمريكية على الإرهاب في أفغانستان بل تجاوبها مع الإجماع الدولي بشأن إعادة إعمارها،فكيف ينظر للموقف الايراني من الحملة ضد الارهاب؟ واجهت إيران معادلة صعبة إزاء تحديد موقفها من الحملة الأمريكية ضد الإرهاب في أفغانستان، فهي من ناحية ترغب في التخلص من نظام طالبان، ومن ناحية أخرى فإنها تخشى من استمرار الوجود العسكري الأمريكي سواء في أفغانستان أو الدول المجاورة لها في الشمال والمطلة على بحر قزوين، ومثل هذا الاحتمال سيجعل إيران تشعر بالتطويق المباشر وبالتهديد لمصادر ثرواتها في بحر قزوين، من هنا بدت هناك مصلحة إيرانية في التخلص من نظام طالبان من جهة، وبدا من جهة أخرى وجود مخاطر وتحديات جديدة على الأمن القومي. غير أن إيران استطاعت أن تحسم موقفها، وساعدها على ذلك خبرتها إبان الغزو العراقي للكويت عام 1990 حين وجدت نفسها إزاء الموقف نفسه تقريبًا، ومن هنا بلورت إيران موقفها في ضوء أربعة محددات هي: 1ـ إدانة الإرهاب بكل أشكاله، بما في ذلك ما جرى في واشنطن ونيويورك في 11سبتمبر. 2رفض العمليات العسكرية ضد الشعب الأفغاني. 3 ـ رفض التعاون مع الولايات المتحدة وعدم الدخول في التحالف الذي تقوده ضد أفغانستان. 4 ـ التأكيد على دور الأمم المتحدة في محاربة الإرهاب. وفي ظل هذه المحددات رأى محللون أن إيران وإن اعترضت على الوجود الأمريكي وعلى الحرب إلا أنها لم تعترض على التخلص من نظام طالبان ومن دون أي مشاركة إيرانية في التحالف وهو ما أسماه هؤلاء المحللون بـ «الحياد الإيجابي»، وفي ضوء هذا الحياد بذل الرئيس محمد خاتمي في مرحلة ما قبل سقوط كابول جهدًا استثنائيًا للتوافق أو على الأقل لعدم التعارض مع التيار الدولي والإقليمي الداعي إلى الحرب على الرغم من مصاعبه الداخلية وحساسيات الصراع الداخلي في بلاده، وقد تجسد بعض نجاحاته على هذا الصعيد في منع تجييش إيران بحجة وجود حرب على حدودها، إلى جانب ذلك فقد استطاع خاتمي أن يسيطر على الخطاب الإعلامي للمحافظين ويهدئ من لهجة معاداة أمريكا في شوارع طهران في فترة الحرب. ويرى البعض أن الموقف الإيراني من الحملة الأمريكية على الإرهاب في أفغانستان والذي أصطلح على تسميته ب«الحياد الإيجابي» قد صب عمليا في صالح الولايات المتحدة وفي صالح نجاح الحملة ضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة، فقرار إغلاق الحدود الإيرانية مع أفغانستان قد شكل تبديدًا لقلق الإدارة الأمريكية من قدرة إيران على إحكام قبضتها على الحدود وعدم السماح بتسلل مجموعات من حركة طالبان أو أنصار أسامة بن لادن بالدخول إلى إيران، كما أن ذلك القرار شكل ضمانة لمنع تهريب الأسلحة وتقديم الدعم إلى تلك المجموعات، عبر الحدود الأفغانية-الإيرانية، كما أن هذا الحياد الإيجابي انطوى على تغاضي إيران عن تعاون «تحالف الشمال» مع القوات الأمريكية في الحرب ضد طالبان، وهو التحالف الذي تدعمه إيران لاسيما الجناح الطاجيكي الذي كان يقوده الرئيس برهان الدين رباني والجنرال محمد قاسم فهيم و «خليفة أحمد شاه مسعود». إلى جانب ذلك فقد أشارت مصادر ما إلى أنه كان هناك دور عملي وميداني إيراني تقوم به الجمهورية الإسلامية في أفغانستان أثناء الحملة الأمريكية، ودللت هذه المصادر على ذلك بزيارة الجنرال محمد فهيم قائد القوات العسكرية لتحالف الشمال لطهران وكان معه عبدالله عبدالله وزير خارجية برهان الدين رباني، وأبلغ فهيم الجانب الإيراني بوضوح أن على إيران أن تكون حاضرة ميدانيًا في أفغانستان أي عسكريًا، وأن غياب إيران عن المشاركة الفعالة سيفقدها دورها في تحديد مستقبل أفغانستان. ومع سقوط كابول تكتشف بعض الحقائق حيث كانت إيران قد قامت بتدريب بعض أفراد قوات التحالف الشمالي، كما أن عددًا من الهزارة على وجه الخصوص قد تلقوا تدريبات في معسكرات الحرس الثوري، وكان هؤلاء ضمن القوات التي دخلت كابول بعد انسحاب طالبان، الأكثر من ذلك أن الخبراء العسكريين الإيرانيين قد اشتركوا في التخطيط لبعض العمليات العسكرية التي جرت في أفغانستان، بل شاركوا في هذه العمليات بالفعل إلى جانب قوات برهان الدين رباني، فضلاً عن ذلك فقد دخل عسكريون وأمنيون إيرانيون كابول أيضًا. ويرى المحللون أن التدخل الإيراني الميداني والعسكري في أفغانستان كان يهدف إلى تأمين مصالح إيران العليا ويحفظ أمنها القومي ويؤكد دورها في أفغانستان، بل يمنع الولايات المتحدة من أن تنفرد بالساحة، بمعنى أن هذا التدخل كان يهدف في أحد أهدافه إلى ألا تكون الحملة العسكرية مدخلاً أمريكيًا لمد نفوذها العسكري المباشر إلى المحيط الحيوي المجاور لإيران أي آسيا الوسطى والقوقاز ناهيك عن أفغانستان ذاتها. وأخيرًا يمكن القول بأن إيران قد حققت بعض المكاسب من جراء موقفها من الحملة الأمريكية ضد الإرهاب في أفغانستان وأهم هذه المكاسب ما يلي: ـاشتراك إيران بفاعلية في رسم مستقبل أفغانستان وهو ما بدا واضحًا خلال مؤتمر بون للمصالحة بين الفصائل الأفغانية الذي عُقد في أواخر نوفمبر الماضي، كما كان لحلفائها الممثلين في طائفة الهزارة حضور فعّال في المؤتمر. ـ تمكين حلفاء إيران في أفغانستان من تثبيت نفوذهم على الأرض حيث سيطر الشيعة الأفغان على مدينة «هيرات» بالقرب من إيران، كما سيطروا على مناطق الهزارة في العاصمة كابول، وبالتالي تم دعم وجودهم داخل التحالف الشمالي. سقوط طالبان في أعقاب سقوط نظام طالبان وظهور الدعوات لتشكيل حكومة أفغانية جديدة وعودة الملك الأفغاني السابق ظاهر شاه للبلاد لتولى مقاليد الحكم.. اتخذت إيران مواقف واضحة إزاء الوضع السياسي آنذاك حيث دعت إلى اضطلاع برهان الدين رباني الذي تعترف به رئيسًا شرعيًا لأفغانستان، بدور مركزي في أي حكومة مستقبلية، ومن جهة أخرى فإنها رفضت فكرة أن يكون للملك ظاهر شاه أي دور قيادي في أفغانستان. ويرى الصحفي الإيراني المقيم في لندن «مهرداد خونساري» أن عودة الملك السابق لأفغانستان كانت ستشكل «إهانة للثورة الإيرانية ولكل شيء تدافع عنه»، إلى جانب ذلك يخشى الإيرانيون من عودة الملك الأفغاني لأن ذلك قد يُعد سابقة تشجع رضا شاه نجل شاه إيران السابق وأنصاره إلى التطلع إلى تكرار التجربة وإحياء حلمهم في عودة الابن إلى عرش الأب. وفي هذا السياق عملت إيران على الحيلولة دون رجوع الملك السابق، وقد أشارت مصادر إلى أن إيران كانت قد أوفدت مبعوثين رسميين إلى كل من إسلام أباد ودوشنبيه ودلهي وموسكو لتوحيد مواقف هذه العواصم من أجل دعم حكومة رباني بوصفها الحكومة الشرعية لأفغانستان، غير أن بعض المصادر الأفغانية قد أكدت أن أهداف تلك التحركات الإيرانية لم تكن تهدف فقط إلى تعزيز سلطات الجبهة الموحدة الأفغانية «تحالف الشمال» ودعم الرئيس رباني من أجل تولي رئاسة الحكومة المؤقتة التي سعى الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة إلى أفغانستان لتشكيلها آنذاك، وإنما هدفت أيضًا إلى إعاقة عودة الملك السابق محمد ظاهر شاه إلى كابول، وقد أشارت هذه المصادر إلى أنه مما يدعم هذا الأمر معارضة رجال المرشد اقتراح وزير الخارجية كمال خرازي بإجراء اتصالات مع الملك الأفغاني بوصفه زعيمًا يعارض تدخلات باكستان في الشأن الأفغاني، كما أن توجهاته ليست معارضة لإيران، كما أنه يحظى بقدر كبير من الشعبية في الداخل والاحترام لدى المجتمع الدولي. ومن الملاحظ أن الفترة منذ بدء الحملة الأمريكية على الإرهاب في أفغانستان وحتى سقوط نظام طالبان قد شهدت نوعًا من التقارب بين الولايات المتحدة وإيران -على الأقل فيما يخص أفغانستان- وهو ما عبر عنه الموقف الإيراني الفعلي والعملي من الحملة العسكرية ضد نظام طالبان وتنظيم القاعدة، وقد ظهر هذا التقارب في سماح الولايات المتحدة بمشاركة إيران في مؤتمر بون لتحقيق المصالحة الأفغانية والذي عقد في نوفمبر2001، والذي كان من نتائجه بعد ذلك اختيار حامد قرضاي لرئاسة الحكومة الأفغانية المؤقتة وهو الاختيار الذي حظي بموافقة إيرانية، حتى أنها كانت من أوائل الدول التي افتتحت سفاراتها في كابول وكان ذلك تحديدًا في 20نوفمبر 2001. وإلى جانب الوضع السياسي الأفغاني الذي شهد توافقًا أمريكيا إيرانيا تفاعلت إيران مع الوضع الاقتصادي، فكان أن دعت بعد سقوط كابول إلى عقد مؤتمر تنمية وإعادة بناء أفغانستان حيث شاركت فيه منظمات دولية وحضره ممثلون عن الحكومة الأفغانية ومندوبو 50شركة إيرانية تابعة للقطاع الخاص، وبعد أيام قليلة زار كابول وفد إيراني مكون من 32نائب وزير لمناقشة جميع الأمور المتعلقة بإعمار أفغانستان، ودفعت حكومة طهران رواتب أساتذة جامعة كابول لستة أشهر حين علمت أن الحكومة الجديدة عاجزة عن دفع رواتبهم. وكما شاركت إيران في مؤتمر بون فإنها قد شاركت في مؤتمر طوكيو الذي ضم الدول المانحة لإعادة إعمار أفغانستان وقد أعلن وزير الخارجية الإيراني د.كمال خرازى أن بلاده ستساهم بـ 550مليون دولار يتم تقديمها على دفعات. لم تستمر حالة التقارب بين واشنطن وطهران على الأقل بشأن الملف الأفغاني كثيرًا، ففي بدايات شهر يناير الماضي نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً أشارت فيه إلى أن إيران تمارس نفوذًا في أفغانستان في محاولة للحد من التوجه الموالي للغرب، وأنها تستضيف بعض اللاجئين من تنظيم القاعدة لاستخدامهم في هذا الصدد، وقالت الصحيفة إن القوات الأمريكية الخاصة المتواجدة حول مدينة هيرات «منطقة نفوذ إيرانية» أفادت أن عملاء إيرانيين يهددون بعض زعماء القبائل ويرشون آخرين لتقويض برامج يدعمها الأمريكيون في الإقليم، إلى جانب ذلك فقد نقلت تقارير عن أجهزة استخبارات أمريكية ان عددًا من أنصار «القاعدة» نجحوا في اللجوء إلى إيران. وفي تلك الأثناء وبالتحديد في الأسبوع الأول من يناير الماضي صرح «خالد البشتون» المتحدث باسم «جول اغا» حاكم قندهار أن مساعدات تأتى من إيران ليس لتعزيز موقع الحكومة المؤقتة بل لزعزعتها، وحسب بعض المصادر فإن بعض قادة الحرس الثوري ينخرطون في مشروع هدفه إيجاد منطقة في أفغانستان تكون خاضعة للنفوذ الإيراني وذلك بمساعدة إسماعيل خان حاكم هيرات الذي تربطه بإيران علاقات وثيقة، وكان خان -على حد قول بعض المصادر- قد وافق بعد حصوله على مساعدات مادية وعسكرية من إيران بالسماح بدخول أحمد علي غوردزائي زعيم ما يسمى ب«حزب الله أفغانستان» و300 من المسلحين التابعين له إلى هيرات، وأشارت المصادر أيضًا إلى أن جهات قريبة من المرشد واستخبارات الحرس الثوري قد دعمت رئيس الوزراء السابق قلب الدين حكمتيار الذي يرفض تواجد القوات الأجنبية في أفغانستان ويعارض الحكومة المؤقتة. في ضوء تلك التقارير الأمريكية حذر الرئيس بوش إيران من أي محاولة لزعزعة الاستقرار في أفغانستان ودعاها إلى إعلان الحرب على الإرهاب وتسليم أعضاء القاعدة الموجودين على أراضيها، وفي هذا السياق أكدت واشنطن أن بعض أجهزة الحرس الثوري في الأراضي الإيرانية تقوم بتسليح رجال بعض القبائل فضلاً عن إغراء القادة المحليين في هيرات ومقاطعتي فراه وهلمند بالمال لحثهم على التمرد ضد الحكومة المؤقتة. وجددت واشنطن اتهاماتها لطهران على لسان وزير الدفاع، فبعد أيام من إدراج الرئيس بوش إيران على لائحة الدولة المنضوية في «محور الشر» وجهت واشنطن في 23/2/2002 اتهامات جديدة إلى إيران حيث اتهم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد إيران بالسماح لأعضاء تنظيم القاعدة بالعبور إلى أراضيها، وأنها تواصل السعي لزعزعة الاستقرار في أفغانستان. في ضوء تلك التطورات أصبح الملف الأفغاني أحد الأمور التي أزمت العلاقات الإيرانية-الأمريكية في الآونة الأخيرة، حيث رأى بعض الأمريكيين أن طهران سعت إلى «استغلال» مساعداتها لأفغانستان من أجل تفصيل دور مؤثر لها في السياسة الأفغانية الداخلية ومحاولة الإمساك بعناصر التأثير في الاحتمالات المستقبلية، وهو الأمر الذي تعارضه واشنطن وتعتبره تهديدًا للاستقرار في المنطقة. ويرى آخرون أن هذا التأزم في العلاقات الإيرانية -الأمريكية والمعركة الكلامية الحادة التي اندلعت بين الدولتين كان بسبب وجود نوع من التناقض الأساسي بين الولايات المتحدة وإيران حول المستقبل السياسي لأفغانستان، وهو التناقض الذي لم يظهر في بدايات الحملة الأمريكية ضد الإرهاب في الأراضي الأفغانية بسبب التلاقي بينهما حول هدف مشترك هو إقصاء طالبان، غير أن هذا التناقض بدأ في الظهور بعد كسر شوكة طالبان، فأمريكا ترى في أفغانستان المستقبل دولة علمانية خاضعة للأجندة الأمريكية، في حين تسعى إيران إلى خلق دولة أفغانية تنضم إلى الخندق الإيراني لمجابهة المخاطر التي تواجهها الجمهورية الإسلامية. ولاشك أن ذلك التوتر بين الدولتين قد أثار المخاوف حول العلاقات الإيرانية الأفغانية بل حول مستقبل الاستقرار في أفغانستان لاسيما أن الأخيرة تحتاج لكلا الدولتين سواء في إعادة إعمار البلاد أو في إقامة حياة مستقرة آمنة، بمعنى آخر هل يؤدي التوتر الإيراني الأمريكي إلى تدهور العلاقات الإيرانية-الأفغانية وتعرض حالة الاستقرار في أفغانستان لمخاطر تؤثر عليه، أو أن ذلك التوتر لن يؤدي إلى تداعيات سلبية على علاقة كل من إيران وأفغانستان.؟ وتكمن الإجابة عن ذلك التساؤل في الجزء التالي. مستقبل العلاقات الايرانية ـ الامريكية قبل الإشارة إلى مستقبل العلاقات الإيرانية-الأفغانية خاصة في ظل التوتر الإيراني -الأمريكي الحادث، قد يكون من المفيد الحديث عن بعض محددات السياسة الإيرانية تجاه أفغانستان وذلك بغرض التأكيد على أن هناك مصلحة أساسية لإيران في استقرار أفغانستان وتحسن العلاقات بينهما، وأهم هذه المحددات ما يلي: 1- هناك حدود مشتركة بين الدولتين تصل إلى حوالي900 كيلومتر الأمر الذي يصب مباشرة في صميم اعتبارات الأمن القومي الإيراني، ولذلك كان على الحكومة الإيرانية أن تتعامل مع أي سلطة أو حكومة أفغانية انطلاقًا من مبدأ التعايش السلمي والاحترام المتبادل، لاسيما أن الأحداث والتحولات الداخلية في أفغانستان تؤثر وتتفاعل بصورة ملحوظة على المسائل والاعتبارات الأمنية الإيرانية خاصة إفرازات التفاعلات الإيرانية من تدفق اللاجئين إلى داخل إيران، إضافة إلى النشاط المتزايد لعصابات ومافيا تجارة وتهريب المخدرات التي تحولت معها معسكرات اللاجئين إلى مصدر كبير ومتزايد لعدم الاستقرار. 2- تشكل أفغانستان رئة مهمة لتواصل إيران مع الخارج خاصة مع دول تتنامى في علاقاتها معها مثل طاجيكستان وروسيا والهند والصين، كما تمثل أفغانستان أيضًا أهمية محورية لكسر حالة الحصار والمقاطعة السياسية والاقتصادية التي فرضتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الجمهوريات الإسلامية في إيران. 3- تشكل أفغانستان مجالاً حيويا لإيران وسوقًا رائجة لبضائعها ومنتجاتها التي تغرق الأسواق الأفغانية، كما أن أفغانستان تعد بلدًا غنيا بموارده الطبيعية الكافية وبؤرة مهمة للاستثمارات الإيرانية. 4- تمثل أفغانستان رصيدًا ثقافيا لإيران حيث تسعى طهران إلى استغلال هذا الرصيد الثقافي الفارسي المهيمن على الغالبية العظمى من الأفغان وتنمية الروابط الثقافية واللغوية الوثيقة مع أفغانستان من أجل دعم نفوذها. في ضوء تلك المحددات يتضح أن هناك الكثير من الفوائد التي يمكن أن تجنيها إيران حال قيام حكومة مستقرة في أفغانستان في ظل علاقات إيرانية-أفغانية قوية ولعل أهم تلك الفوائد ما يلي: 1. منع هجرة الأفغان إلى إيران وبالتالي التخلص من المشكلات التي يتسببون فيها والتبعات الاقتصادية والاجتماعية التي يجلبونها، بل سيكون هناك إمكانية لعودة 2مليون لاجئ أفغاني يقيمون في الأراضي الإيرانية إلى وطنهم. 2. سيتم وضع حد لتجارة الترانزيت والمخدرات وهجمات الخارجين على القانون في المحافظات الشرقية لإيران، وقطع مياه نهر «هيرمند» الذي يعد شريان الحياة الرئيسي لمحافظتي سيستان وبلوجستان. 3. ضمان ألا تعادى الحكومة الجديدة معتنقي المذهب الشيعي في أفغانستان. 4. إن إعادة إعمار أفغانستان وتحسين الوضع الاقتصادي والسياسي لها سيجعل ظروف المنطقة أكثر ملاءمة للتنمية في إيران، أما إذا كان الوضع بخلاف ذلك فإن تبعات الوضع السيئ في أفغانستان ستحرك أمواج حالة عدم الاستقرار، مما سينعكس بالطبع على إيران التي ستعاني هي الأخرى من تفاقم المشكلات الاجتماعية وهو الأمر الذي يمضي على النقيض تمامًا من الأهداف الطويلة الأجل للتنمية في كل الجوانب. لاشك أن تلك المحددات والمكاسب السابق الإشارة إليها بالإضافة إلى الرغبة في تفادي الاتهامات الأمريكية كانت دافعًا نحو إقدام إيران على اتخاذ بعض الخطوات التي أكدت من خلالها حرصها على دعم استقرار أفغانستان وعلى قيام علاقات إيرانية-أفغانية قوية، ويعني ذلك أن إيران حرصت على ألا تجعل علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة سببًا في توتر علاقاتها مع أفغانستان، وتتمثل تلك الخطوات في التأكيد على دعم حكومة قرضاي، وإغلاق مكاتب قلب الدين حكمتيار المعارض للحكومة الأفغانية المؤقتة، وأخيرًا تأتي زيارة قرضاي لإيران لتؤكد الرغبة الإيرانية. دعم قرضاي في أعقاب تحذير الرئيس بوش لإيران من محاولة زعزعة استقرار الحكومة الأفغانية بدأت طهران في التحرك عمليا لتنفي تلك الاتهامات حيث أبلغ الرئيس الإيراني محمد خاتمي، رئيس الحكومة الأفغانية المؤقتة حامد قرضاي استعداد طهران لمواصلة تعاونها مع الحكومة الجديدة لتعزيز الاستقرار والسلام في أفغانستان، كما أكد خاتمي تأييده لتلك الحكومة ولنتائج مؤتمر بون الذي جاء بها إلى السلطة، وفي هذا الإطار جاءت زيارة وزير الدفاع الأفغاني الجنرال محمد قاسم فهيم لطهران بدعوة من نظيره الإيراني على شمخاني في 14/1، وجاءت زيارة فهيم عقب تعهد الرئيس خاتمي بدعم الحكومة المؤقتة والاستقرار في أفغانستان. ويشير المراقبون إلى أن الرئيس خاتمي كان قد عمل على إظهار دعم حكومته للحكومة الأفغانية، فإلى جانب إيفاد وزير خارجيته كمال خرازى إلى كابول لحضور جلسة أداء اليمين من قبل رئيس وأعضاء الحكومة المؤقتة، فإنه بعث برسالة خاصة إلى الرئيس حامد قرضاي وعد فيها بتقديم مساعدات فورية وبمساهمة إيران في عملية إعادة بناء البلاد، فضلاً عن ذلك فإن الوفود الإيرانية إلى كابول لا تنقطع والتي كان أبرزها الوفد الذي رأسه الدكتور صادق خرازي مساعد وزير الخارجية لشئون التعليم والتأهيل حيث عرض على الرئيس الأفغاني المؤقت خطة لإعادة بناء الجامعات والمعاهد العلمية في أفغانستان، من جهة أخرى كانت إيران قد ساعدت من خلال أجهزة البث الإذاعي والتلفزيونى التي أرسلتها إلى كابول وهيرات على ازدياد ساعات البث الإذاعي والتلفزيونى في المدينتين. فضلاً عن تلك المظاهر الإيرانية لدعم الحكومة الأفغانية المؤقتة، فإنه مما يلفت النظر في هذا المجال ذلك التصريح الذي أدلى به زعيم قومية الهزارة عبد الكريم خليلي والذي أعلن فيه التزام الطائفة الشيعية في أفغانستان بالتأييد الصريح للحكومة المؤقتة، وكان الهزارة الذين تدعمهم وتسلحهم إيران قد سحبوا قوة قوامها 3000جندي كانت ترابط في ضواحي كابول لممارسة الضغط على قرضاي و في بادرة أخرى للتأكيد على عزم إيران عدم تدخلها لزعزعة الحكومة الأفغانية المؤقتة قامت طهران في 10/2 بإغلاق مكاتب «الحزب الإسلامي» المعارض في إيران واتهمت زعيمه قلب الدين حكمتيار بالتصرف ضد أمن البلاد التي يقيم فيها منذ سنوات. وجدير بالذكر أن هذه الخطوات جاءت بمنزلة دعم للحكومة الأفغانية المؤقتة حيث كان حكمتيار قد أعلن مناهضته للحكومة الأفغانية الانتقالية في كابول ووصفها بأنها «صنيعة أمريكية» كما اعتبر أن حكومة قرضاي «لا صفة شرعية لها» إلى جانب ذلك كان الزعيم الأفغاني المعارض قد ندد بالعمليات العسكرية الأمريكية التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2001، ودعا إلى تشكيل وحدة وطنية تضم في صفوفها «طالبان» ضد الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك اتخذ حكمتيار مواقف تصعيدية ضد الوجود الأجنبي في أفغانستان وخصوصًا الوجود العسكري الأمريكي وهدد ببدء قتال ضد تلك القوات. وجاء استقبال إيران لرئيس الحكومة الأفغانية حامد قرضاي بمنزلة دلالة أخرى على حرصها على دعم حكومة قرضاي وحفظ الاستقرار في أفغانستان، وقد جاءت التصريحات الإيرانية خلال الزيارة مؤكدة على ذلك حيث جددت إيران دعمها الكامل للحكومة الأفغانية واستعدادها للتعاون مع هذه الحكومة في كل المجالات، وفي هذا السياق قال الرئيس الإيراني محمد خاتمي «إنه يجب دعم وتقوية الحكومة القانونية في أفغانستان برئاسة قرضاي، والتعاون معها لتحقيق مطالب الشعب الأفغاني. إلى جانب ذلك أكدت إيران أن هناك جملة ثوابت تحكم سياستها حيال أفغانستان ومن أبرزها دعم الحكومة المؤقتة بوصفها شرعية، وعدم التدخل في الشئون الداخلية الأفغانية، والاستعداد للتعاون في كل المجالات مع الحكومة والشعب الأفغاني. ومن جانبه فقد أشاد قرضاي بالموقف الإيراني خلال الحرب ضد طالبان ووصفه بأنه كان مكملاً للدور الأمريكي، وطالب إيران بأن تستمر في مساعداتها لأفغانستان من خلال المشاركة في إعادة إعمار البلاد، على جانب آخر فقد حرص قرضاي على أن يطمئن الإيرانيين على أن الوجود الأمريكي في أفغانستان لا يشكل أي خطر على الدول المجاورة قائلاً «إن الولايات المتحدة ساعدتنا على التخلص من طالبان .. لكن أفغانستان لن تكون الدولة التي تؤذي من خلالها دول الجوار»، وذلك في إشارة إلى إيران، بل إن قرضاي قد أشار إلى أن علاقة أفغانستان المتميزة مع الولايات المتحدة ستكون لصالح إيران في إشارة إلى أن زيارته لطهران ستخفف من حدة التوتر بينها وبين واشنطن.. بالإضافة إلى ذلك نفى حامد قرضاي رئيس الحكومة الأفغانية المؤقتة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد في ختام زيارته بشدة اتهامات الولايات المتحدة لإيران بالتدخل في شئون أفغانستان الداخلية. وفي ختام الزيارة وقع الرئيس الأفغاني المؤقت اتفاقًا سياسيا مع الرئيس خاتمي نص على أن «إيران وأفغانستان تتعهدان بمكافحة مشتركة ضد الإرهاب»، وعلى «عدم التدخل في الشئون الداخلية» للبلد الآخر، مع التأكيد على «احترامهما المتبادل» وتمسكهما ب«احترام وحدة أراضي البلد الآخر واستقلاله»، كما تعهد البلدان مكافحة «إنتاج وتهريب المخدرات» وأكدا على إنشاء لجنة اقتصادية مشتركة إيرانية-أفغانية، إلى جانب تشكيل لجنة أخرى مكلفة بدراسة إعادة إعمار شبكة الطرق في أفغانستان، فضلاً عن ذلك فقد تم توقيع أربع اتفاقيات للتعاون في مجالات الثقافة والتربية والتجارة والزراعة والتنمية الريفية. لاشك أن الزيارة وضعت الأسس لعلاقات إيرانية أفغانية قوية حيث أشار بعض المراقبين إلى أن الزيارة قد صبت في مصلحة تعضيد الموقف الإيراني في أفغانستان ما بعد طالبان، وهو ما يعني من ناحية أخرى وضع حد للاتهامات الأمريكية بأن إيران تسعى لزعزعة الاستقرار في أفغانستان وأنها تأوي عناصر من طالبان والقاعدة في أراضيها، وعلى الجانب الآخر فإنه بالنظر إلى ثقل إيران في معادلة التوازن الأفغاني الداخلي فإن هذه الزيارة تصب أيضًا في سبل دعم سلطة قرضاي نفسه وبقائه كرئيس للحكومة الأفغانية الجديدة التي سوف يشكلها المجلس الأفغاني الأعلى في اجتماعه القادم. من الواضح إذن أن الدولتين قد نجحتا في عزل علاقاتهما عن التوتر الذي يشوب العلاقات الإيرانية الأمريكية وهو ما أكده الرئيس خاتمي حين أكد أن علاقات إيران مع بقية دول العالم-يقصد الولايات المتحدة-لن تؤثر سلبًا على علاقاتها مع أفغانستان، وفي الوقت نفسه، وكما ألمح المراقبون، فقد تحاشى المرشد خامنئي خلال استقبال قرضاي توجيه انتقادات للولايات المتحدة الأمريكية كي لا يتسبب في أي إحراج لضيفه الأفغاني، الأمر الذي يعكس اجماعاً داخليا إيرانيا على دعم الحكومة الأفغانية بالنمط الذي تسير عليه العلاقات الإيرانية-الأمريكية. على الجانب الآخر فإن قرضاي قد نجح هو الآخر في عزل علاقاته مع إيران عن علاقاته بالولايات المتحدة بدليل أنه استطاع أن يتوصل مع إيران إلى توقيع بعض الاتفاقيات التي تعود بالفائدة على كلا الطرفين لاسيما الاتفاق السياسي السابق الإشارة إليه، وفي هذا السياق أشار قرضاي إلى أن واشنطن وطهران عبرتا بوضوح عن عدم رغبتهما في أن تؤثر الثنائية على نمط العلاقات المنشودة بين كل من الدولتين وأفغانستان، ولعل ذلك يعني أن التطور بين طهران وكابول قد يؤدي إلى المساهمة في إقفال أحد ملفات المواجهة بين إيران والإدارة الأمريكية حول أفغانستان، مما يعني في التحليل الأخير أن العلاقات الإيرانية-الأفغانية يمكن أن تسير بمعزل عن العلاقات الأمريكية-الإيرانية المتوترة.