بيان الاربعاء: دعا وزير الدفاع الإسرائيلى بنيامين بن اليعازر الإدارة الأمريكية إلى إبلاغ إسرائيل مسبقا إذا ماقررت واشنطن المضي قدما في مهاجمة العراق. ونقلت وكالات الانباء عن بن اليعازر خلال زيارته الأخيرة، لواشنطن إنه يتعين على إسرائيل أن تتوقع هجمات صاروخية من بغداد إذا ما هاجمتها الولايات المتحدة. من جهته فإن الشارع العربي وحسب ما تبثه مراكز الدراسات الامريكية وتريد اشاعته، لم يعد فاعلاً أو مؤثراً في الاحداث، ويشيرون في ذلك إلى التجربة الأمريكية في افغانستان رغم معرفة واشنطن أن المواطن العربي لا يضع الشعب العراقي في سلة واحدة مع الشعب الافغاني. «بيان الاربعاء» حاول في هذا السياق استقراء اراء عدد من المحللين السياسيين الاردنيين لقراءة الموقف الأردني ومصالح الدولة الأردنية القطرية والقومية في حال قامت الولايات المتحدة بتنفيذ ما تتوعده صباح مساء للشعب العراقي، فالتقت بالمحلل السياسي مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي، والناشط النقابي المهندس علي أبو السكر، والكاتب والصحفي طارق مصاروة، وعضو القيادة المركزية لحزب البعث الاشتراكي العربي فرع الاردن هاشم النجداوي ـ سألنا في البداية النجداوي: ماهي القراءة السياسية والامنية للمنطقة في الوضع الراهن؟ ـ النجداوي: لا ابالغ في القول بأن الوضع الذي تمر به المنطقة العربية هو من اخطر الاوضاع الذي مرت به منذ عقود عديدة، فالتحديات القائمة الى جانب الوضع الدولي، وخاصة بعد احداث 11 سبتمبر التي حصلت في امريكا، فقد اضافت الى معاناة الشعوب المتطلعة للانعتاق والحرية ومنها امتنا قدرا هائلا من الضغوط والمصاعب، وجعلت الشهوة الامريكية الى هيمنة في تزايد، وفرضت ما يسمى بالنظام الجديد والعولمة تنينا هائلا، يسعى الى الانفراد بكل ما في الساحة العالمية، ومن ذلك جعل الارهاب زعما لتغطية تطلعاتها لفرض تلك السياسات على العالم وتوجيه الاتهام الى كل من تسول له نفسه من دول العالم الخروج على الارادة الامريكية ورجمه بأنه «مارق » يستوجب التأديب، كما وجدت الادارة الامريكية وفق مصالحها والمصالح الصهيونية كما تراه مجموعة «تشيني-ورامسفيلد» انها باتت تهيمن على وضع تلك السياسات التي كانت تسعى وتعمل اليها من قبل ايام ادارة «بوش الاب» صاحب التحالف الثلاثيني ضد العراق. وما يزيد من تعقيد الامور ان العرب موزعون ومجزأون بين التواطؤ مع السياسة الامريكية او الشلل مما يزيد من شراة وشراسة الصهاينة في تل ابيب تبعا لذلك مستغلة تلك الاوضاع لتحقيق احلامها الواسعة ضاربة عرض الحائط بالقرارات الدولية ومتلحفة بالفيتو الامريكي والدعم المعلن من الادارة الامريكية بغير حدود. ورغم ذلك يبقى الرفض الشعب العربي هنا وهناك دائما، والمنازلة مستمرة في المعركة التي تجد فيها الامة مثالا ومناسبة لابراز رفضها لمحاولات الهيمنة الامريكية الصهيونية على الانتفاضة الفلسطينية الجبارة والصمود العراقي الشجاع فيتجدد الامل في النجاة والفوز. ـ الرنتاوي: الشرق الاوسط بأسره يقف على اعتاب مفترق طرق استراتيجي خطير، والصورة لم تكن في يوم من الايام ضبابية كما هي عليه هذه الايام، فالملف الفلسطيني مفتوح على جميع الاحتمالات وفي المقابل يواجه الملف العراقي شتى التوقعات، في ظل حالة من التردي القومي وضعف العمل العربي المشترك وانصراف المراكز القومية العربية الرئيسية الى خطاب دفاعي تبريري اعتذاري بعد احداث 11 سبتمبر الماضي واخص بالذكر اكبر دولتين عربيتين وهما مصر والسعودية اللتان تتعرضان لحملة غربية امريكية منظمة ادت الى تعطيل الاداء الدبلوماسي لهاتين العاصمتين العربيتين الكبيرتين. وفيما يخص المسألة الفلسطينية نحن نكاد نعود الى المربع الاول واحتمالات ان يقوم شارون بشن عدوان عسكري شامل على السلطة الفلسطينية وازاحتها عن المسرح السياسي الاحتمالات قائمة وان كانت محفوفة بالمخاطر، وان كان هناك تحسسا اسرائيليا تجاه هذه المسألة، الا انه يبقى احتمالا مدرجا على جدول اعمال هيئة اركان الجيش الاسرائيلي، وليس من المستبعد على الاطلاق لجوء شارون الى هذا الخيار، علما بان ما سوف يترتب على خيار هكذا حمام دم بالنسبة للفلسطينيين وانطلاق اعمال العنف والمقاومة والارهاب إن شئت، وليس على الساحة الفلسطينية وحسب وانما قد تشمل المنطقة باسرها. في المقابل فإن سوريا لديها مأزق خطير بهذا المعنى، وملف السلام السوري الاسرائيلي مسحوب من التداول واقعيا والوجود السوري في لبنان عرضة دائمة للتساؤل والضغط في بعض الاحيان. والملفات التي تفتح بالنسبة لسوريا بين الحين والاخر، ملفات ضاغطة سواء تلك المتصلة برعاية الارهاب وادراج اسم سوريا على القائمة السوداء للدول الراعية للارهاب او فيما يختص بحقوق الإنسان او ملفات الاقتصاد والترهل والفساد وغير ذلك من ملفات تثقل كاهل السياسة السورية وتضع صانع القرار السياسي في دمشق امام خيارات محدودة وامكانيات صعبة. العراق بدوره كما تشير معظم الدلائل مرشح لان يكون الحلقة الثانية للحرب الامريكية على الارهاب وإن كان المدخل لمثل هذه الحرب لن يكون الارهاب ذاته وانما ملف العقوبات والتعامل مع فرق التفتيش الدولية وحيازة العراق لاسلحة دمار شامل من كيماوية وبيولوجية وبرنامجه النووي. وفي تقديري فإن الاحتمالات فيما يخص العراق تذهب في اتجاهات خطيرة، واية مواجهة مع العراق عسكرية قد تفضي الى نتائج لا تحمد عقباها وقد لا يتم السيطرة عليها بشكل يسير او سهل في ظل التركيبة الديمغرافية الداخلية للعراق «التنوع السكاني، وفي ظل وجود دول اقليمية جارة للعراق طامعة فيه تاريخيا، تركيا شمالا وايران شرقا. لذلك اعتقد ان الصورة قاتمة بعض الشيء وما يزيدها قتامة غياب البعد الشعبي في السياسة العربية والكثير من التطورات التاريخية التي تجري على ساحة المنطقة في ظل غياب رجل الشارع العربي في معظم العواصم العربية، فالمذبحة مستمرة في فلسطين ولا احد يتحرك والمذبحة مرشحة ان تستأنف في العراق ولا احد يتحرك، والحالة العربية السيئةالتي تعيشها الامة من محيطها إلى خليجها، ولم تسفر بعد عن ردة فعل جماهيرية كافية أو حتى حركة شعبية ضاغطة على الحكومات بحيث تستطيع أن تنتهج سياسات وخيارات تعيد لهذه الامة دورها ولمصالح هذه الامة المكانة والاعتبار التي تستحق. قناع السياسة الامريكية ـ أبو السكر: بعد احداث 11 سبتمبر اصبح هناك تغولا سافرا للادارة الأمريكية على العالم باسره وانتهى الوجه الذي كانت تتقنع فيه السياسة الأمريكية بالوان حقوق الانسان وغيرها من هذه المفاهيم الانسانية. الان اصبحت الإدارة الأمريكية تتعامل مع كل العالم دولا وشعوبا بصورة دكتاتورية سافرة ولا يهمها أن تظهر نفسها بهذه الصورة في العلن ودون مواربة صورة احتلالية عسكرية كما حصل في افغانستان. واود الاشارة هنا إلى ما صرح به الرئيس الأمريكي بوش أو وزير الدفاع أو الخارجية الأمريكي عندما اكد أن هناك دولا سماها محور الشر مستهدفة بصورة اولية وعلى رأسها العراق وايران كوريا، وهذه كما اعتقد بداية ولن تكون النهاية إلا أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع مخططاتها بنهج تدرجي انتقالي في مواجهة هذه الدول من اجل عدم استعداء الجميع دفعة واحدة. وواضح أن ادارة الرئيس بوش ما زالت تنظر إلى العراق بذات النظرة التي كان ينظر إليها الرئيس الأمريكي بوش الاب وهي سائرة في اتجاه تدخل مباشر في العراق من اجل الاطاحة بالنظام العراقي، وما تسعى اليه الان هو تكون رأي عام عربي وخصوصا رسمي غير معارض من خلال التدرج في الطرح والاعداد لمثل هذا العدوان. وهذا لا يعني أن هناك امكانية لرفض عربي للتوجه الأمريكي فالوضع العربي اضعف من أن يكون له رأي في مواجهة الإدارة الأمريكية والجميع ينظر إلى مصلحته الخاصة وحماية نظامه الخاص بعيدا عن أي اطار قومي أو اسلامي أو غيرها من الروابط التي بين الدول العربية. وانا لا اعتقد انه ستكون هناك أي معارضة عربية حتى وان كان هناك كلام من بعض الآراء الرسمية برفض العدوان إلا انه ولدى انتهاء الإدارة الأمريكية من استعداداتها الخاصة فانه لن يكون هناك أي رأي عربي رسمي يمانع من ضرب العراق. ـ الا تتوقع أن من مصلحة الدول العربية الوطنية والقطرية أن لا يضرب العراق ؟ ـ أبو السكر: الدول العربية اضعف من أن تنظر في هذا الاتجاه فمن القطع أن أي ضربة للعراق هي في حقيقة الامر ضربة لكل المصالح الأمنية القومية العربية، والجميع يعلم أن المثل القائل ا«كلت يوم اكل الثور الابيض» لا بد انه ينطبق على هذه الحالة وصانع القرار العربي يعلم هذه الحقيقة ولكنه لا يستطيع حتى التعبير عنها. فالمسألة في هذا الاطار ليس العراق هو المعني الوحيد بها بل أن أي تأثير سلبي على أي من الساحات العربية سواء القريبة أو البعيدة لا بد انه سيؤثر بصورة مباشرة على الحالة العربية سواء القطرية أو القومية. ـ مصاروة: من المستحيل أن يتمكن أحد ايا كانت قدرته البلاغية على وصف هذه الحالة، فاذا ما لاحظنا الاوضاع في فلسطين، فاننا سنشهد حالة تأزم كبيرة بلغت حدا غير مسبوق، واذا ما لاحظنا اوضاعنا في العراق فسنجد اوضاعا اكثر تعقيدا من الاوضاع الفلسطينية، ذلك أن المسألة العراقية تعكس مواقف عربية متداخلة ومتضاربة، هذه المواقف التي ستعكس بعضا منها مظلة عربية لضرب الشعب العراقي، ومشاركة ربما تكون فاعلة، بالاضافة إلى الجيرة غير السعيدة التي قدر للعراق التواجد بينها وهي ايران وتركيا. واذا نظرت إلى الاوضاع في لبنان وسوريا ليست مستقرة ايضا، واذا كان هناك سكوتا أمريكيا عليهما فانه السكوت المؤقت، فوضع حزب الله اللبناني كقوة ارهابية، بالاضافة إلى قيام الولايات المتحدة الأمريكية بوضع سوريا على قائمة الدول راعية الارهاب في العالم. اضف إلى ذلك ملفات المياه سواء لسوريا أو تركيا أو الاردن.. كل ذلك يؤكد أنه ليس من السهل اطلاقا أن يتم التعامل مع هذه الاوضاع بسهولة ويسر. ـ ما هي خصوصية الوضع الأردني خارجيا في هذا الوضع المتأزم حسب اجماع كافة السياسيين في المنطقة والعالم ؟ ـ النجداوي: الوضع الاردني خارجيا هو جزء من الوضع العربي العام في هذه المرحلة وقد كان «سايكس-بيكو» ولا يزال يمثل خصوصية معينة تتلون باستمرار او تتحرك بما يماشي الخصوصية وهو والدول العربية لا تستطيع في نهاية المطاف ان تحيد عن تلك ثوابت «سايس بيكو» مع الاخذ بعين الاعتبار مقومات الاردن الاقتصادية الضئيلة ومكانته الجغرافية وتركيبته السكانية، وبرغم ذلك فان الاردن يحرص دائما على محاولة اخذ دور خارجي اكبر من تلك المقومات لكنه محكوم بها ويصطدم دائما بالحقائق ومع ذلك فهو يواصل محاولته في الولوج الى مساحات اوسع تتناسب مع طبيعته، ومن هنا تفرز هذه المحاولات عددا من الازمات. القراءة الاردنية ـ الرنتاوي: الاردن يختلف عن غيره من الدول لانه الدولة الوحيدة التي تقع بين جحيمين الاول الأزمة المشتعلة في فلسطين وجحيم الملف العراقي المتقد تحت الرماد وبهذا المعنى فالاردن هو الساحة الاولى لتلقي الشظايا في حال وقوع الانفجار الكبير هنا أو هناك وهو البلد العربي الوحيد الذي يعتبر المسألة الفلسطينية بالنسبة له مسألة داخلية في ظل الاعتبارات الديمغرافية المعروفة للجميع وبالتالي لن يكون ابدا بمنأى عن التطورات التي ستحدث على الملف الفلسطيني سواء من حيث الوقوع على الخيار السلمي وهو الخيار المدعوم والمدفوع له اردنيا، وبهذا تتاح له الفرصة لاستئناف معالجة برامجه الداخلية بدون ضغط خارجي، لكن اذا ما صارت الامور إلى الانفجار والى التصعيد والى استمرار التصعيد، فالاردن تضرر اقتصاديا على نحو كبير، وبرنامجه للاصلاح السياسي تعطل على نحو ما على الاقل تحت ذريعة الانتفاضة والمواجهة الفلسطينية الاسرائيلية لمرحلة من الوقت، ومن هنا أقول أن الاردن من اكثر الاطراف العربية تأثرا بما سيجري على الساحة الفلسطينية فهي ساحة داخلية اردنيا. اما فيما يخص العراق فهو الشريك الاقتصادي الاول للمملكة حيث من المعلوم أن العلاقات الاقتصادية الأردنية العراقية هي كما كانت دائما معتمدة في الدرجة الأساسية على استيراد الأردن حاجاته النفطية الكاملة من العراق والتي تقدر بحوالي 450 مليون دينار أردني، وبالمقابل يقوم الأردن بتصدير السلع والخدمات إلى السوق العراقية، هناك بضائع أردنية مصدرة بحوالي 110 ملايين دينار أردني. وقد نجح خلال ربع قرن في نسج شبكة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية على نطاق واسع في الاردن وبالتالي فان أي تطور مهما كان على الملف العراقي سوف ينعكس مباشرة على الساحة الأردنية. إضافة إلى أن القراءة الأردنية ستعتمد على معلوماتها عن حجم الضربة العسكرية بالاضافة إلى الاحتمال المرعب لانقطاع النفط عن الأردن خصوصا وان الأردن في استيراده للنفط يعتمد على العراق بصورة كاملة عبر نقل النفط عن طريق الشاحنات. ومن هنا يرى الاردن أن خياراته في هذا الصدد محصورة باستيراد النفط من خلال إعادة تشغيل خط «التبلاين» بين المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية الذي يحتاج إلى 400 مليون دولار لاعادة تشغيله فهو خط غير عامل حاليا، إلا انه قادر على العمل بطاقة 460.000 برميل، في مقابل احتياج اردني للنفط بما يقدر بـ 70.000 برميل يوميا فقط. اما بديل شراء النفط من السوق العالمية فامر متعذر لارتفاع فاتورة الكلفة في حين يتعلق البديل الاخير في إقامة قدرات تخزينية غير موجودة الان في ميناء العقبة. فانت تتحدث عن 350 كيلو مترا تفصل العقبة عن مدينة الزرقاء حيث مصفاة النفط وهذا ما سيرفع التكلفة ايضا ما يعني خسائر لن تقل عن 400 مليون دولار سنويا. ومن هنا فإن الاردن يجد نفسه امام اسئلة صعبة للغاية إذ أن الصراع يندلع هذه المرة بين اكبر شريكين اقتصاديين للمملكة واشنطن وبغداد، ثم أنه ولاول مرة منذ عقود فإن المسألة الاقتصادية تحتل لدى صانع القرار مكانة مركزية في التفكير، وبالتالي فان ما سيجري سيؤثر على القرار السياسي شئنا ام ابينا والسبب عائد إلى تفاقم الضائقة الاقتصادية وتراجع معدلات النمو في السنوات الماضية وتزايد شرائح الفقر والبطالة في المجتمع الأردني، ووصول حالة الركود الاقتصادي في البلاد حدا ينذر بالخطر ولا يستطيع صانع القرار الأردني أن يغفل حقيقة انه بحاجة إلى ما يتلقاه الان من موارد ومساعدات عينية أو نقدية من العراق أو الولايات المتحدة أو العراق ولا يستطيع الاردن أن يغامر بنفط العراق وسوقه، وفي المقابل أن يقامر بالمساعدات الأمريكية واتفاقية التجارة الحرة مع واشنطن، ولا أن يغامر بلعب دور يدفع إلى وقوف الإدارة الأمريكية في وجه مساعدات الدول المانحة للاردن وغير ذلك من مؤسسات دولية تقرض الاردن مبالغ وتقدم له تسهيلات التي تتحكم بحجم دين يعادل تقريبا حجم الانتاج المحلي الاجمالي وتبلغ خدمة هذا الدين 770 مليون دولار سنويا ما يزيد 170 مليون دولار عن عجز الموازنة، وهذه حقائق لا يستطيع صانع القرار الأردني ما لم يقامر بافلاس الخزينة وما لم يقامر بمفاقمة الضائقة الاقتصادية. وعندما يصوغ صانع القرار الأردني قراره النهائي فانه سيأخذ كل ذلك بنظر الاعتبار في حال وصول الأزمة بين العراق وامريكا إلى صورة الخيارات الصعبة، على طريقة ما فعلته الإدارة الأمريكية لدى هجومها على افغانستان بالقول اما أن تكون معنا واما مع الارهاب، أو مع اسلحة الدمار الشامل في العراق. ولدى مواجهة الاردن لهذا السؤال فانا اعتقد أن مثل هذا الوقت سيكون لحظة صعبة بالفعل على الاردن. ولكن في نهاية المطاف عليه اتخاذ قراره الصائب من منظور حساباته الوطنية. العلاقات مع اسرائيل ـ أبو السكر: خصوصية الوضع الأردني ربما متأتية من خصوصية علاقته بالكيان الصهيوني وطالما أن الاردن يرتبط بعلاقات جيدة مع دولة الاحتلال، وطالما أن هناك رضى صهيونيا على هذا العلاقات فان هناك رضى امريكيا على الاردن. واذا ما تعكر صفو العلاقة بين الاردن وهذا الكيان فانه تلقائيا ستتعكر صفو العلاقة بين الاردن والولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بشكل عام ـ هذا يعني أن الاردن يلتقي في هذه الصورة مع مصر؟ ـ أبو السكر: حتى مصر فلها وضع اخر، فطبيعة مقومات الدولة المصرية ومرتكزاتها والمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها تجعلها مختلفة. ومن المعروف أن الدولة الأردنية بمكوناتها البشرية والمادية والاقتصادية والجغرافية اضعف من مكونات الدولة المصرية التي لديها امتداد واسع في كافة المجالات، في حين أن التخوف من أن تكون هناك تغييرات في اساسية تمس المصالح الغربية في مصر، فهذا يدفع الغرب بصورة مستمرة عدم اعطاء أي استقرار للاوضاع هناك على العكس من الاوضاع في الاردن حيث المطلوب من اجل بقاء المصالح الغربية على ما هي عليه وجود استقرار في الساحة الأردنية. مصاروة: الوضع الاردني كما هو معروف بين فلسطين والعراق، وبين عدم رضى قديم من السعودية وبين نوع من البرود مع سوريا، ورغم انه لا توجد بيننا وبين الاخوة في سوريا حملات اعلامية، إلا أن هذا لا يعني أن العلاقات الأردنية السورية على افضل حال، بل إن الأردن بدأ يشعر بالبرود كونه يرى أنه اصبح وحيدا في المنطقة. واعتقد اننا في حالة لا نحسد عليها ابدا، وخصوصا فيما يتعلق بالساحة الفلسطينية، فالتهديد حقيقي في هذا الجانب، وهذا التهديد ليس قادما من قبل الاسرائيليين فقط، وانما التهديد بالترحيل الفلسطيني الذي من الممكن أن يحدث كارثة في الاردن. اضف إلى ذلك اغلاق السعوديين حدودهم في وجه الكثير من السلع والمنتوجات الأردنية، وارى أن هذا الامر مثير للاهتمام والتشكك. ومجددا فان موضوع العراق موضوع اكبر من الاردن، فالاردن يرفض العقوبات الذكية وليس لدينا بدائل، فاذا ما ارغمتنا الولايات المتحدة الأمريكية على اتخاذ موقف من العراق ترضاه، فما هي البدائل التي ستضعها بين ايدينا، ونحن نعلم أن العراق يقدم لنا 300 مليون هدية سنويا بالاضافة إلى ما يقدمه العراق الينا من نفط باسعار رمزية، كما أن سوق العراق مفتوح لمنتوجاتنا. ـ ماذا عن الفروقات الداخلية ؟ ـ النجداوي: اضافة الى ما ورد سابقا في سؤال الفروقات الخارجية، فان في الاردن ملامح قد تميزه عن غيره « فالاردن» رغم الامكانات المحدودة فيه شعب يتمتع بنسبة عالية من الثقافة والتعليم، وبحكم الثقافة وتشابكه الجماهيري مع ابناء فلسطين والقضية الفلسطينية بصورة لا تقبل المفاصلة، فهو يعيش تلك القضية ومآسيها بصورة يومية منذ الاربعينيات من القرن الماضي، لذلك فهو يمتلك وعيا خاصا ومتميزا ربما جعله قوميا بالفطرة. ويتفاعل مع القضايا القومية التي تشكل خبزه وماءه وهواءه مهما اقتضت التضحيات وتطلعه باتجاه القدرة العربية اينما كان مصدرها. ـ الرنتاوي: ابرز تحد وكما سبق واشرت هو التحدي الاقتصادي المقلق الذي احتل مكانة بارزة في الاجندة الوطنية الأردنية، لكن لسنا وحدنا في الاردن بهذا التحدي فمصر على سبيل المثال يلوح لها بالخيار الارجنتيني، وقد اضطر الرئيس المصري حسني مبارك أن يقول في شرم الشيخ امام الدول المانحة أن مصر ليست الارجنتين، وهذا الكلام لن يزيل الكابوس الماثل إلى العيان في كل الاحوال فانت تقارن بالافلاس الشامل، حتى لو كانت المقارنة ظالمة فبمجرد اجراء المقارنة هو تفكير بما يمكن أن تؤول اليه الحالة الاقتصادية في مصر ما لم يوظف الثقل المصري في خدمة اجندات معينة في المنطقة في فلسطين أو العراق على وجه الخصوص. وسوريا ليست افضل حالا ايضا - وإن كانت الامور لم تقفز على السطح حتى الان لكن الوضع والاداء والكفاءة ومستويات الدخل والمعيشة، والخدمات والبنية التحتية وضع مؤسف. في الاردن لدينا تحديات اخرى مميزة إن جاز التعبير هي من نوع اخر، غير التحديات الاقتصادية، لدينا تحد تمثله وجود معادلة سكانية خاصة في الاردن، فالسياسة الأردنية مضطرة على الدوام لاتخاذ مواقف من القضية الفلسطينية تنسجم مع تطلعات جزء رئيسي من الشعب الأردني وهم الاردنيون من اصل فلسطيني، وهي حقيقة من غير الممكن القفز عنها، فالشهداء يسقطون في رام الله وغزة وبيوت العزاء تفتح في عمان والزرقاء واربد، المشهد الماثل على الدوام طوال اشهر الانتفاضة الماضية. لدينا تحد اخر مميز وهو التيار الشعبي القوي المتمثل في التيار الاسلامي، وهذا التيار له مواقف سواء فيما يخص عملية السلام أو المسألة الفلسطينية، أو العراقية وعلاقة الاردن مع الولايات المتحدة الأمريكية وحرب واشنطن على الارهاب وكل هذه المسائل ويخطئ من يظن أن صانع القرار الأردني يستطيع أن يتخذ أي قرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي دون أن يأخذ بنظر الاعتبار مواقف واتجاهات ومواقف الرأي العام الأردني. واذا كان هذا التيار قد تم ضبطه خلال الاشهر الماضية واتخذت مجموعة من القوانين والاجراءات التي ساهمت في ضبضبة الحالة الشعبية ولكن اذا انفلتت الامور من عقالها في فلسطين والعراق من يستطيع أن يضمن انضباط الشارع الأردني أو حتى العربي. وعلى الرغم من ان هذه قضية تخص جميع العواصم العربية دون استثناء إلا أن لعمان خصوصية المكان والديمغرافية التي تدفعها لان تكون حالة فريدة بين العواصم العربية على انني لا يمكن أن اغفل أن العين العربية تراقب القضية الفلسطينية من منظار أن ما يجري يخصها بصورة ساخنة وحساسة وقد برهنت الاشهر السابقة أن القضية الفلسطينية قضية عربية بامتياز، فقد تحركت عواصم لم تعرف التظاهر في حياتها وتحركت عواصم اشتاقت إلى المظاهرات بعد سبات عميق وطويل. اردنيا هذا التحدي ينقلنا إلى ما تصفه ادبيات السياسة الأردنية بتحدي الوحدة الوطنية نظرا لخصائص التكوينات السكانية كما قلنا، بالاضافة إلى أن التحدي الاصولي هو تحد قائم ومن غير الممكن التقليل من شأنه خصوصا وان هذا التيار يختلف بصورة ما عن التيار الاسلامي في الدول العربية الاخرى، والكثير من الاضطرابات التي ظهرت في الاشهر السابقة كانت ناجمة عن الافتراق في الرؤية بين التيار الشعبي العريض المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين في الاردن وتفريعاتها وذراعها السياسي وبين الحكومات الأردنية التي تمتلك قراءتها الخاصة للاحداث الدائرة في المنطقة وهذا حصل في اكثر من محطة وهو قابل للتكرار مستقبلا خصوصا اذا ما وصلت الامور إلى الانفجار، فأنا لا استبعد أن تشهد المنطقة ربيعا ساخنا وليس صيفا ساخنا كما يراه البعض. ـ أبو السكر: في البداية اريد التأكيد أن المصلحة الوحيدة التي تتغذى بصورة مستمرة ومضطردة هي المصلحة الاسرائيلية اليهودية، وهذا الامر لا تستثنى منه الولايات المتحدة الأمريكية التي تعمل ادارتها السياسية على عكس ما يجب أن تمليه عليها مصالحها سواء العالمية أو الداخلية. فدولة الكيان الصهيوني هي المحور التي تدور حوله كل القرارات في العالم واذا ما تضاربت أي مصلحة مع مصالح هذه الكيان فان الخيار سيقع على تعزيز مصالح دولة الاحتلال وهذا امر مشاهد عالميا ولا سبيل لتغطية الشمس بغربال. ومن هنا فإن الحديث عن المصالح القومية والقطرية الوطنية لاي دولة من الدول وخصوصا الدول العربية لا يعني شيئا اذا ما تضاربت مع المصالح الصهيونية. وهذا ما يمكن سوقه فيما يتعلق بالساحة الأردنية كما يمكن سوقه على جميع الساحات فاذا ما تضاربت المصالح الأردنية مع مصلحة الكيان الاسرائيلي خصوصا فيما يتعلق بما بدأ الحديث عنه وهو الوطن البديل ومعالجة مستعصيات القضية الفلسطينية على الاراضي الأردنية، ومن هنا من المنتظر اسوة بباقي القضايا العالمية أن تتقدم مصلحة اليهود على المصالح القطرية بصورة جلية. الملف الاقتصادي الاردني ـ مصاروة: الحمد لله نحن نتمتع بوضع داخلي مريح للغاية، فالحريات العامة موجودة رغم انه لا يوجد قوى حزبية حقيقية تطالب بقوة لخوض العمل السياسي، بالاضافة إلى خلو المجتمع من أي توتر وربما هذا الامر هو المبشر الوحيد لدينا كأردنيين. ـ هذا عن الملف السياسي ماذا عن الملف الاقتصادي؟ ـ مصاروة: هناك محاولات مستمرة لتغيير الصورة، فالاردن الان يملك شراكة مع الولايات المتحدة واوربا، فالاسواق الأمريكية مفتوحة بشروط معينة، وهذه سياسة نأمل أن تستمر بوضوح، بالاضافة إلى طموح الاردن إلى فتح الاسواق الاوروبية امام السلع الأردنية، وفيما عدا ذلك.. ترى أن الديون الخارجية في الحقيقة لن تقف عند حد واحد وانما تصاعدت بالاضافة إلى الديون الداخلية المتراكمة. ورغم كل ذلك استطيع القول أن الوضع الاقتصادي بشكل عام ليس كارثيا لانه توجد عملية تطوير وتغييرات على الصعيد الاقتصادي. ـ حتى تتحقق الاهداف الاقتصادية هل تتوقع أن الموضوع الاقتصادي سيؤثر على القرار السياسي فيما يتعلق بضرب العراق ؟ ـ مصاروة: هذا بالتأكيد، فقد اشرت سابقا إلى اغلاق السعودية لحدودها في وجه المنتجات الأردنية وخاصة الزراعية منها، ورغم أن للسعوديين اعذارا في هذا الموضوع والتي تتحدث عن أن المنتجات الزراعية الأردنية تسقى من ماء غير صالحة إلا أننا نؤكد دائما أن المياه المستخدمة للزراعة ذات مواصفات عالية للغاية، والاردن يزعم أن 90% من المياه الزراعية عالية الجودة خصوصا وان المناطق الزراعية لدينا مناطق صحراوية أو شمالية ويتم فيها الاستخراج من باطن الارض، هذا بالاضافة إلى غور الصافي والاغوار الشمالية جنوبا، واعتقد أن المنع السعودي المشار اليه نوع من انواع الضغوط، خصوصا وان الاسواق الأردنية مليئة بالمنتجات السعودية. ـ هذا التوصيف للوضع الأردني يحتم على الاردن اتخاذ موقف رافض ومتشدد اذا ما قررت الولايات المتحدة ضرب العراق؟ ـ مصاروة: الاردن الدولة الوحيدة التي سجلت رفضها خطيا، بعد أن تم طرح موضوع العقوبات الذكية. فقد طلب منا أن نقوم برفض الموضوع - وان كان الامر بصورة محرجة إلا أن الاردن قام وقتها برفض هذه العقوبات خطيا. ـ هل يمكن اعتبار وجود عدد ضخم من المواطنين العراقيين في الاردن تحديا اضافيا خصوصا اذا ما ضرب العراق ؟ ـ النجداوي: اعتقد ان هذا التصور فيه قدر كبير من المبالغة والتهويل وبدون اساءة الظن فان الذي نرى ان مثل هذه الطروحات دسائس مقصودة، فالمواطنون العراقيون المقيمون في الاردن هم اشقاء عرب اضطرتهم ظروف الحصار الظالم ان يبحثوا عن لقمة العيش فوجدوا في بلدهم الثاني « الاردن» بلادا او نافذة ومعبرا في عملية البحث تلك، وبالتأكيد فان مشاعرهم تجاه قضايا امتهم العربية هي ذات مشاعر ابناء الاردن وسوريا وغيرها من اقطار العروبة. ـ الرنتاوي: رقم الموجودين من العراقيين في الاردن مبالغ فيه كثيرا، وصحيح انه ليس لدي رقم مؤكد حول الاعداد الحقيقية للعراقيين المتواجدين على الساحة الأردنية إلا أن هذا الرقم لن يتعدى ال300 الف وهؤلاء خرجوا من العراق لاسباب اقتصادية في الغالب وليس لاسباب سياسية فالمعارضة العراقية واللاجئون العراقيون يعتبرون الاردن ممرا وليس مقرا، ولأنهم كذلك فإن فرصة قيامهم بدور سياسي على الساحة الأردنية امر متعذر. صحيح انه ليس من المستبعد في حال تعرض العراق لضربة امريكية أن يتحرك الشارع الأردني باشتراك من افراد عراقيين ولكن هؤلاء ليسوا مشكلة امنية. ـ أبو السكر: انا لا اعتقد أن هناك اعدادا كبيرة من الاخوة العراقيين في الاردن إضافة إلى أن كل هؤلاء الاخوة متواجدون في الاردن كمحطة مرور وليس اكثر من ذلك، ومن المعروف أن اغلبهم يسعى للهجرة إلى الخارج أو محاولات الحصول على العمل وطلب الرزق في الاردن والعودة إلى الوطن العراقي في اقرب وقت. ولا اعتقد أن هذا الوجود سيكون له أي تأثير فيما اذا اتجهت الإدارة الأمريكية نحو ضرب العراق. ـ مصاروة: لا اعتقد ذلك، فالعراقيون الموجودون في الاردن قدموا إلى المملكة لغايات الاستقرار في دول اخرى مثل كندا واوروبا وبعض الاقطار العربية الخليجية، ولكن ليس الاردن. ـ براجماتيا هل امام الاردن من خيار سوى لعب دور يشبه الدور الباكستاني، ولكن في الشرق الاوسط ؟ ـ النجداوي: انا لست مع هذا التشبيه فان الاردن يملك خيارات اخرى، وهي ان يكون مع امته وتطلعات شعبه، ويختلف الاردن عن باكستان سواء في اوضاعه الجغرافية او السياسية، فباكستان دولة قائمة بامكانات وحدود منفصلة عن افغانستان وغيرها من الدول المجاورة، بينما الاردن جزء من وطن عربي وشعبه جزء من امة عربية كبيرة لا يستطيع الانفصال عنها مهما كانت الظروف والانظمة، وفي التاريخ القريب والمتوسط جرت محاولات لجذب الاردن من هنا وهناك لابعاده عن قضايا امته فلم تنجح مثل تلك المحاولات ومن ذلك القضية الفلسطينية وحلف بغداد ومشروع ايزينهاور وحتى من خلال ما يسمى بالقضية العراقية في العقد الاخير من القرن الماضي. ـ أبو السكر: القرار الأردني في هذا الصدد صعب، والكل يعرف هذه القضية، ففي حين يوجد دعم عراقي للاردن غير مسبوق من اية دولة من الدول، تفرض معادلة علاقة الاردن مع الولايات المتحدة متطلبات اخرى للعمل السياسي. إلا انني اعتقد انه وطالما أن هذه العلاقات لم تقم على اساس صحيح ومتين من العلاقات الاخوية القوية فانها معرضة باستمرار للانزلاق إلى الهاوية فكل ما بين العراق والاردن علاقات اقتصادية مصلحية، بغض النظر أن توافر الروابط الاخرى التي لا تتعامل معها السياسة في العادة. ومن هنا فان المستجدات اللاحقة هي التي ستفرض ابجديات اخرى للعمل السياسي. ـ مصاروة: مستحيل أن يلعب الاردن مثل هذا الدور، لسبب أن العراق ليس افغانستان، وفي الحقيقة كانت هناك محاولات خارجية للانقلاب على النظام العراق ولكن الموضوع فشل في مهده، مثل محاولة حسين كامل، وفشلت بعدها كل المحاولات وسقطت سياسيا. ـ ما هي أوجه الاختلاف بين الاردن عشية الضربة للعراق عام 1991 والاردن الان ؟ ـ النجداوي: الاردن حاول عام 1991 ان يتمسك بالحل العربي للازمة آنذاك، ولكنه لم يستطع لان الانظمة العربية الممثلة في اجتماعات الجامعة العربية كانت تعتقد مدفوعة كل منها بتصورات ووعود معينة، بان هناك عليها من الاذى والوهن، وقد جرى التنبيه الى ذلك في حينه اذ قبل بقصة «أكلت يوم اكل الثور الابيض» لكن احدا لم يستوعب ذلك. وعلى اية حال فالظروف الان مختلفة عن عام 1991 والتحالف الذي كان قائما ضد العراق لا يتوفر الان وليس له ان يتوفر سواء على صعيد الاقطار العربية او الدول الاجنبية ممن شاركت في ذلك التحالف آنذاك، واذا كانت الاردن الان قد اختلفت فان هذا لا يمكن ان يدفعه بعيدا عن الدور الذي قام به في ذلك الوقت. ـ الرنتاوي: الاردن قرأ تجربته جيدا فقد تكبدنا خسائر ضخمة في تجربتنا الاولى فانخفضت صادراتنا وعاد اكثر من 300.000 أردني يعمل في الخليج وهؤلاء دخلوا السوق الأردنية ما زاد الضغط على الاقتصاد الأردني، ثم أن المعادلات السياسة الدولية تختلف بصورة كبيرة عنها الان خصوصا. ـ ما هي النتيجة التي ستسفر عنها تفاعلات المعادلة الأردنية العراقية من جهة والمعادلة الأردنية الأمريكية من جهة اخرى ؟ ـ النجداوي: مهما كانت الظروف والاوضاع الدولية وما يتخللها من معادلات فان الاردن لا يمكنه ان يذهب بعيدا عن مصالحه ومصالح امته وكجزء منها حيث يتمتع الشعب في الاردن بمشاعر قومية معروفة ويمتلك حساسية مفرطة تجاه قضايا امته وذلك بشهادة القاصي والداني، وان اية محاولات لجره الى مواقف منافية هي من محاولات اللعب في النار، تترقب ذلك وتراقب كل ما يجري ولا نعتقده انها يمكن ان تقف مكتوفة الايدي ام تلك التحديات والمحاولات وسوف تكون النتائج لتلك التفاعلات آخر الامر في صالح الامة العربية قطفا، هذه ثقتنا المستقاة من التاريخ الطويل لنضال شعبنا ضد اعدائه وهي ثقة لا تتزعزع. ـ الرنتاوي: اذا اردنا أن نتخيل حالة مريحة لصانع القرار الأردني، فالاردن النموذجي له أن يكون هناك حوار عراقي امريكي وان تنتهي الامور بسلام واغلاق الملف سلميا بطريقة من الطرق وهو الحل الوحيد الذي سيلبي للاردن مصالحه على أن هذا الحل في الوقت الحاضر على الاقل متعذر للغاية. والاردن في هذا المشهد يعيش بين النار العراقية والنار الأمريكية، فالصراع بين الطرفين يحتدم بين اكبر شريكين اقتصاديين للاردنيين. حيث للعراق شبكة مصالح هامة لا يجوز بحال من الاحوال اغفالها فالشعب الأردني من اكثر الشعوب العربية تعاطفا مع مأساة الشعب العراقي ورجل الشارع الأردني لا يميز كثير بين الشعب العراقي والنظام في العراق كما تفعل كثيرا من السياسات والاستراتيجيات في الدول العربية والعالم. ومن هنا فإن التعاطف الشعبي موجود بالاضافة إلى ضغط المصالح الأردني لصالح العراق ولا يمكن المقامرة أو اللعب بها، فلدينا على سبيل المثال احتياطات البنك المركزي ما يسدد احتياجاتنا النفطية لسنتين أو ثلاث على اكثر تقدير اذا ما اردنا أن نشتري النفط من الاسواق العالمية، خصوصا وان صانع القرار الأردني يدرك أن نفط الخليج لم يقدم في يوم من الايام بديلا مقنعا ولائقا للاردن حتى في ظل موجة التأزم بين الاردن والعراق في فترة 1996 زمن حسين كامل، ومن هنا تدرك السياسة الأردنية انها لن تقوم بالمقامرة بعلاقات سلبية مع العراق. في مقابل هذا الاردن يدرك المكانة التي تضطلع بها الادارة الامريكية على الساحة الدولية والاقليمية ويدرك تماما أن عواصم كبرى ونافذة لم تعد لديها القدرة على الوقوف في وجه القرار الأمريكي . لا دور اوروبياً بديل ويضيف الرنتاوي: اما فيما يتعلق بالعواصم الاوروبية فمنذ فترة حضرت مؤتمرا للسياسة الاوروبية الدفاعية الذي عقد في باريس وكان هناك حوار معمق مع المفوضية الاوروبية في هذا المجال، حيث لم يرد على خاطر الاوروبيين على الاطلاق للحظة واحدة أن يكون لهم دور بديل أو مواز أو مماثل للدور الأمريكي في العالم. بل اكثر من ذلك فإن الولايات المتحدة تلوح للاوروبيين بانسحابها من القارة فترتعد فرائص اوروبا فالجندي الامريكي في اوروبا مطلب اوروبي، وامريكيا تسعى للخلاص منه واوروبا متشبثة به. وعندما انفجرت الحرب في حضن القارة الاوروبية، فالذي لعب دور الاطفائي ليست اوروبا بل الولايات المتحدة الأمريكية. عندما تنظر إلى هذا المشهد، وتجد أن يد واشنطن امتدت إلى ضفاف قزوين ونفطه وعلى مقربة من العاصمة الروسية وفي قلب المجال الحيوي لروسيا ومع ذلك فان روسيا تبدي كل التعاون في حرب أمريكيا ضد الارهاب وكل الانضباط على وقع السياسات الأمريكية وخصوصا في الملفات الرئيسية، والجميع يعلم أن موسكو لم تكافأ حتى بتقليص أو تأجيل مبادرة حرب النجوم ودرع الصاروخ الفضائي وتقدم واشنطن على اتخاذ هذه المبادرة غير آبهة بموسكو وتضرب بعرض الحائط كل الاتفاقيات المبرمة حول الحد من التسلح وسباق التسلح النووي والصاروخي ولا تحرك روسيا ساكنا في هذا المجال. على المستوى الاقليمي نجد كيف استطاعت ازمة الجنيه المصري التلويح بخيار الارجنتين للقاهرة وكيف افضى إلى موقف مصري صحيح انه يندد بالموقف الاسرائيلي ورافض للهمجية الاسرائيلية، ولكن ايضا هو ذات الموقف الضاغط على السلطة الوطنية الفلسطينية... وأمام كل هذا المشهد فإن هامش المناورة السياسية الأردنية ليس كثيرا. اما فيما يخص العراق فهوامش الاردن محدودة ولكن اذا كانت هناك قراءات لدى صانع القرار الاردني يظهر منها ان الحرب آتية لا ريب فيها فماذا يتعين على القرار الأردني اتخاذه. انا لو كنت مكان صانع القرار الأردني لشاركت لصالح الولايات الأمريكية وفي الائتلاف الدولي ضد العراق، لانه باختصار شديد وجود حامد قرضاي جديد في بغداد يحتاج إلى باكستان جديدة في المنطقة ومن غير الممكن أن نتحمل أن نكون باكستان معادية فنحن في النهاية لابد أن نلعب دور باكستان وليس لدينا بدائل اخرى للعب دور اخر. ـ أبو السكر: في الفترة السابقة لم يكن الاردن ضمن دول التحالف الذي وقف ضد العراق، وقد توحد الموقف الأردني في تلك الفترة بين الموقف الرسمي والشعبي بصورة كبيرة، اما في عام 2002 فان الذي يتم الحديث عنه أن النظرة الذاتية هي المصلحة ومعادلة الدولة القطرية هي التي ستغلب على نتيجة القرار الأردني فيما يتعلق بضرب العراق. والدولة الأردنية في حقيقة الامر ليست لديها الامكانية ليكون لها ذلك الموقف المستقل والشامل الذي ينظر إلى المصلحة العربية الاوسع في ظل الضغط الدولي المستمر وحالة التردي العربي العام. ـ مصاروة: على مستوى الشارع لا اعتقد أن هناك أي اختلاف فالمواطن العادي ما زال يشعر أن تنفيذ التهديدات الأمريكية ضد العراق ما هو إلا اعتداء على العراق، وفي كل الحالات سواء في عام 1991 أو في هذه الفترة. ويجب التأكيد هنا أن الاردن حاول في عام 1991 ايجاد حل عربي غير مكلف لمشكلة العراق كما تم حل الأزمة الكويتية العراقية عام 1963 عندما رفض عبد الكريم قاسم استقلال الكويت عمل جمال عبد الناصر والملك الحسين على حل عربي لهذه المشكلة، من خلال إرسال قوات عربية للكويت ليتم حمايتها شرط أن تخرج القوات البريطانية التي دخلت، وكان لهم ذلك. وعندما تكررت القضية عام 1991 حاول الاردن تكرار تجربة 1963 ولكن لم يكن له كما اراد. وقد اثبتت الاحداث انه كان بالامكان أن يتم معالجة الامر بطريقة اقل تكلفة لجميع الاطراف دون اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ـ هل هناك ضمانات امريكية للاردن حتى يستقر قرضاي العراق على عرش بغداد اذا ما افترضنا ذلك ؟ ـ النجداوي: امريكا لا تعطي ضمانات لاحد، والوعود التي توزعها في بعض الاحيان هنا وهناك حسب الحاجة لا تلبث ان تتنكر لها عند اول فرصة، ذلك ما شهدناه على المسرح الدولي خاصة منذ احداث 11 سبتمبر، والمحاولات الامريكية منذ العراق من عام 1991 كانت ولاتزال مستمرة فهي ليست جديدة سواء بمناسبة ما يسمى بقضية «الارهاب» او قبل ذلك وبعده. ومن هنا اقول انه لن يكون لـ «قرضاي» في العراق فرص النجاح في العراق، ذلك اننا نتكلم عن شعب عظيم وقدرات كبيرة ودعم جماهيري عربي اذا كان كامنا الان فانه لن يستمر كذلك في حالة ضرب العراق. ـ الرنتاوي: أمريكيا لم تتحدث مع حلفائها حتى الان بما في ذلك حلفائها الاقرب وهم الاوروبيين حول سياساتها المستقبلية تجاه العراق. وكل ما قالته واشنطن انها اعلنت أن موضوع العراق مدرج على جدول الاعمال وان النظام العراقي يجب ازاحته وانه خطر اقليمي يهدد امن واستقرار المنطقة. واعتقد أن الموضوع مؤجل بانتهاء بعض الترتيبات في افغانستان. اما اردنيا فقد سبق وقلت أن الحوار الأمريكي العراقي هو الحل الوحيد لضمان المصالح الأردنية، ولكن لا ادري في حال بدء الصدام الاستراتيجي في العراق ما الذي ستكون عليه السياسة الأردنية وهذا سؤال ليس سهلا خصوصا وان الاجابة عليه تريدمعرفة اتجاهات الرأي العام في الاردن وحسابات المصالح ومصير المعركة مع العراق، وهذه نقاط تحتم على الاردن اقامة علاقات جيدة حتى مع النظام العراقي القادم، واذا كانت السياسة الأردنية امام مشهد تأكد غرق المركب العراقي وسباق للركاب للقفز منه - فانها ستختار الطرف العائم. ولكن في المقابل فان التجربة الأمريكية بالتعامل مع الملف العراقي تجربة مقلقة حتى لدول الخليج التي هي اقرب للولايات المتحدة وابعد عن العراق من الاردن، ولهذا السبب لاحظنا ترددها في مرات سابقة وقد تتردد في المستقبل للانضمام إلى الائتلاف الأمريكي ضد العراق، بالاضافة إلى اننا لا يمكن أن نستثني التفاعلات الدولية حيث لم يتم حسم المسألة بعد وما زالت هناك حركة روسيا واوروبا وهو امر قد يكون له تفاعلات يجب التوقف امامها، وليس من المستحيل أن تتحول الاحتمالات في الفترة المقبلة اذا ما نجح هذا الجهد إلى أن تقوم بغداد بفتح ابوابها امام فرق التفتيش. الاردن وامريكا ـ كيف تصف العلاقات الأردنية الأمريكية؟ ـ مصاروة: هي علاقات جيدة في تصورها العام، ولكنها غير مرتبة، وفي الحقيقة لم تكن العلاقات الأردنية الأمريكية علاقات مرتبة بمعنى علاقات استراتيجية بين دولتين رغم أن الاردن كان على الدوام محسوبا على انه صديق واشنطن في السراء والضراء. ـ في مقابل العلاقات الأمريكية الأردنية غير المرتبة كما وصفتها، ما هي النتيجة التي ستسفر عنها تفاعلات المعادلة الأردنية العراقية من جهة والمعادلة الأردنية الأمريكية من جهة اخرى ؟ ـ مصاروة: مع الاسف لدى بعض الدول العربية الان قناعة أن الامريكان سيقومون بضرب العراق، وتكاد تصل إلى حيث المسلمات، إلا انني لا اظن ذلك، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة لم تنته بعد من حربها في افغانستان. وانا ازعم انه اذا ما تم قتل خمسة جنود امريكان في افغانستان، فإن ذلك سيؤخر ضرب العراق خمسة اشهر، فاذا لم تسير الاوضاع في افغانستان وفق السيناريو الأمريكي فان الإدارة الأمريكية لن تقوم بأي تحرك اخر على أي ساحة. وللأسف، عندما بدأت واشنطن التلويح بضرب العراق اعتبر البعض منا نحن العرب الامر مسلمة لا ينقصها سوى التنفيذ، رغم اننا شاهدنا أن الخطاب الامريكي ضد كوريا الشمالية اختلف تماما بعد أن قام الرئيس الأمريكي بوش بزيارة اليابان وكوريا الجنوبية فقد اكتشف أن الناس هناك مع كوريا الشمالية وليس مع واشنطن فغير بوش من خطابه فورا. وكذلك الحال بالنسبة للعراق فلو أن هناك دولا عربية رافضة للموقف الامريكي فسنكون قادرين بالتأكيد على منع الضربة بل وتغيير الخطاب الأمريكي ضد العراق بصورة كبيرة خصوصا وان البعض العربي مطلوب منه دفع الاموال في مقابل ضرب أمريكا للعراق. ـ ولكن ألم ترفض الجامعة العربية التوجه الأمريكي؟ ـ مصاروة: لا ولا يعرف الامريكان أن الرفض العربي، وما ورد من تصريحات لمسئولين في الجامعة العربية مجرد رفض كلامي لا يقدم ولا يؤخر، بل إن من العرب من يقول أن على العراق الالتزام بقرارات الامم المتحدة. والكل اصبح يعرف أن كلمة الالتزام بقرارات الامم المتحدة تعني التسليم للقرارات الأمريكية. ـ هل المطلوب من العراق الموافقة على الشروط الأمريكية مهما كانت ؟ ـ الرنتاوي: ليس هذا هو المطلوب فاذا ما وافق العراق على التفتيش الدولي سيجعل الضربة الأمريكية له ضربة صعبة جدا وغير مبررة وغير مدعومة عالميا واقليميا، بل قد يمنع هذا الموقف العراقي أي ضربة متوقعة ولكن على العراق الاستعجال في موافقته والتحرك بصورة لا يقال بعدها سبق السيف العزل، كما فعلت سابقا.. فكل المبادرات التي رفضتها الحكومة العراقية عادت ووافقت عليها بعد ذلك.. وكنموذج عملية ثعلب الصحراء التي تمت بعد رفض العراق تفتيش القصور الرئاسية، ومن ثم عاد الرئيس العراقي ووافق عليها. باختصار شديد نخشى ما نخشاه أن ما يقال للعراقيين اليوم من ضرورة التجاوب على الاقل مع حلفائهم سواء فرنسا أو روسيا وبحد ادنى تركيا ويرفضه العراقييين يعودوا إلى الموافقة عليه ولكن عندما يكون الوقت قد تأخر جدا وهذا هو التاريخ الذي تتحدث عنه مسيرة الحكومة العراقية.. تاريخ الفرص الضائعة ومبادرات مرفوضة ومبادرات قبلت في اللحظة الأخيرة عندما قبلت في لحظة غير مناسبة. هناك فسحة من الوقت الان سواء للذين يحضرون للحرب أو للذين يقومون بالمبادرات السياسية لمواجهة الحرب أو منع اندلاعها. ـ النجداوي: بطبيعة الحال ذلك ما تسعى الية الادارة الامريكية، لكن العراق قال كلمته المعروفة على لسان كل المسئولين فيه، فهو لم يرضخ لتلك الشروط في الماضي ولن يرضخ في المستقبل لاية اشتراطات ذلك لان لقيادته نهجا ثابتا مهما بلغت التضحيات، والشعب العراق معروف بقوته واعتماده بنفسه فكلما ازدادت الضغوط والمصاعب والاخطار عليه، كلما زاد ذلك من استفزازه وتحفيز طاقاته ضد اعدائه، وهو مجرب في ذلك فقد اثبت صموده وقدراته عبر تاريخه القديم والحديث وهو يأمل حاليا ان يجد من امته الدعم الكامل. وأمريكا لم تستطع فرض الشروط على الانتفاضة الفلسطينية البطلة رغم دعمها للآلة الحربية ضده بكل الامكانات ورغم قلة عدد الجماهير الفلسطينيين داخل الارض المحتلة فكيف تريد الإدارة الأمريكية ان تفرض شروطها على شعب العراق بتعداده وامكاناته المعروفة. ان من العبث محاولة اخضاع العراق مثلما من العبث محاولة تركيع الشعب الفلسطيني العربي وفرض الاستسلام النهائي على جماهير الشعب العربي في مختلف اقطارها. ـ أبو السكر: امريكا غير معنية في الوقت الحاضر بتقديم أي ضمانات أو حتى اغراءات لاي كان، وما تقدمه مجرد التهديد، والتهديد والوعيد وحده، واذا نظرت إلى التجربة الأمريكية في افغانستان فإن باكستان الحليف الاول والرئيسي لامريكا في حربها ضد افغانستان والشعب الافغاني المسلم وباكستان التي استنفذت كل اوراقها مجتمعة من اجل المصالح الأمريكية، غير آمنة حتى على نفسها من الانقلاب