منذ العام 1989 دورات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تقارير المقرر الخاص التابع للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في السودان، منظمة العفو الدولية، منظمة آفريكا ووتش، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، اللجنة الدولية، لمناهضة التعذيب، المنظمة العربية لحقوق الإنسان، المنظمة السودانية لحقوق الإنسان، المجموعة السودانية لضحايا التعذيب، عشرات المنظمات العالمية والإقليمية والمحلية ظلت ترصد بعين ساهرة انتهاكات حقوق الإنسان في السودان منذ الانقلاب على السلطة الشرعية في البلاد عام 1989 موثقة بالشهادات والإفادات والصور المنشورة على آلاف الصفحات من تقارير وبيانات ومناشدات، مسجلة بذلك التاريخ الأسود لنظام الإنقاذ وهو يذبح حقوق الوطن والمواطنين: التعذيب المنهجي المدروس في بيوت الأشباح، وبأوامر مباشرة من القيادة السياسية والأمنية و«الأيديولوجية»، وليس مجرد انفلات من صغار الضباط والجنود. مدرسة جديدة، من حيث النوع، في الصراع السياسي في السودان تتلذذ برؤية الضحية وهو يتعذب حتى الموت، في حين يستفزها صموده ومقاومته للتعذيب!........قائمة الضحايا طويلة جدا، ولسنا معنيين برصدها في هذا المقال، لكن لا بأس من بعض النماذج، فالذكرى تنفع المؤمنين: ـالشهيد د.علي فضل ظل صامدا صامتا تحت التعذيب، لم تنطق شفاهه بكلمة إلا حينما رأت روحه أن تفارق جسده حماية له من وطأة التعذيب، فأخذ يهتف بحياة الشعب السوداني وحياة حزبه إلى أن فارق الحياة. بتاريخ 13/11/2000 كتب البروفيسور فاروق محمد إبراهيم، أحد علماء السودان المرموقين والذي فصله النظام من هيئة التدريس بجامعة الخرطوم، كتب في رسالة مفتوحة إلى عمر البشير قائلا: « إن ما يميز تجربة التعذيب الذي تعرضت له في الفترة من 30 نوفمبر إلى 12 ديسمبر 1989 ببيت الأشباح رقم واحد الذي أقيم في المقر السابق للجنة الانتخابات، أن الذين قاموا به ليسوا فقط أشخاصا ملثمين بلا هوية تخفوا بالأقنعة، وإنما كان على رأسهم اللواء بكري حسن صالح والدكتور نافع علي نافع. وقد أخطرني اللواء بكري بالأسباب التي تقرر بمقتضاها تعذيبي، ومن بينها قيامي بتدريس نظرية التطور في كلية العلوم بجامعة الخرطوم. أما الدكتور نافع علي نافع، تلميذي الذي صار فيما بعد زميلي في هيئة التدريس بجامعة الخرطوم، فلم يتجشم عناء التخفي وإنما طفق يستجوبني عن الأفكار التي سبق أن طرحتها في الجمعية العمومية للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، وكل ذلك من خلال الضرب والركل والتهديد الفعلي بالقتل وبأفعال وأقوال أعف عن ذكرها. فعل الدكتور نافع ذلك بدرجة من البرود والهدوء وكأننا نتناول فنجان قهوة في نادي الأساتذة». - كتب العميد محمد أحمد الريح، في شكواه التي أهملها قادة «الإنقاذ» واهتم بها المجتمع الدولي، كتب كيف أن ضابط الأمن عاصم كباشي، وآخرين، قاموا باغتصابه و الضغط على خصيته اليسرى بآلة صلبة، وكذلك جره من عضوه التناسلي «بالكماشة والزردية»!. شهداء حركة رمضان من القوات المسلحة، الكدرو ورفاقه، بقرت بطون بعضهم بالسونكي وفقئت عيون آخرين منهم ونكل بهم وعذبوا أبشع تعذيب، ثم بعد ذلك قدموا جثثا هامدة لمحكمة لم تستمر سوى دقائق لتحكم عليهم بالإعدام شكلا لأن معظمهم كان قد فارق الحياة. جريمة إن كان هناك من لا يعرف أو لم يسمع بالبيت الأبيض في جوبا و واو حيث نصبت مفرمة بشرية للمواطنين، خاصة من أبناء الجنوب، ومن نجا من التعذيب و الموت في البيت الأبيض لم ينجُ من القتل رميا من الطائرة غذاءً لتماسيح النهر ! جريمة إن كان هناك من لا يعرف أو لم يسمع بمعسكر الموت في العيلفون الذي حصد أرواح أكثر من مئة طالب، أو باستشهاد الصبي اليافع غسان أحمد هارون في معسكر جبل أولياء بتاريخ 29/5/2000. رائحة الموت من حرب الإبادة والتطهير العرقي في جبال النوبة وصلت حدا فرض على المجتمع الدولي التدخل المباشر عبر اتفاقية سويسرا لوقف إطلاق النار في جبال النوبة. ـ اتسعت رقعة الحرب الأهلية في البلاد لتدمر كل شئ، الإنسان والطبيعة، إضافة إلى إشاعة ثقافة الحرب والقتل والقسوة والتجنيد القسري للطلاب وشباب وأطفال المناطق المهمشة وإرسالهم كدروع بشرية إلى محرقة الحرب. صحيح أن الحرب الأهلية في السودان ذات جذور تاريخية في نظام الحكم الاستعماري ورثها الحكم الوطني وفشل - حتى الآن - في حلها . لكن أضيف العامل الديني بعد إعلان نميرى للقوانين الإسلامية في أغسطس 1983 ، وتفاقم بعد سعى الحكم الحالي منذ 30 يونيو 1989 لتكريس الدولة الدينية في السودان عبر الإرهاب والطغيان وانتهاك حقوق الإنسان في السودان بدرجة لم تشهدها بلادنا من قبل. ولبسط سيطرته ومواصلة نهبه لثروات البلاد، عمد نظام الخرطوم إلى تقسيمات إدارية بهدف كسب الولاءات مما عمق الخلافات القبلية، خاصة في غرب السودان، وفاقم من حرب القبائل حول اقتسام الثروة. سعي النظام إلى تصفية المؤسسة العسكرية السودانية وطمس تراثها وتقاليدها العريقة القائمة على تأكيد وطنية الضباط والجنود السودانيين وانحيازهم في كافة اللحظات الحركة من تاريخ السودان الحديث إلى جانب الشعب وحرية السودان وتقدمه وسلامة أراضيه. منذ الأيام الأولى للانقلاب قام النظام بحجز ودائع البنوك وتحديد حركة النقد وتغيير العملة وكشف حسابات المودعين أمام تجار الجبهة الإسلامية مما مكن من صعود شرائح الطفيلية الجديدة وأثرياء الحرب وسماسرة المجاعة وناهبي المال العام. ونتج من ذلك انعدام المقومات الأساسية للحياة وتفشي المجاعة واستجداء قوت الطعام وانهيارات الطبقة الوسطى لدرجة التسول، إضافة إلى انعدام الأمن والأمان، الطفولة المشردة، تحطم الأسر وتفسخ النسيج الاجتماعي. كل هذا انتهاك صريح لمبدأ أساسي من مبادئ حقوق الإنسان. ـ الموقف المتخلف تجاه المرأة والرجوع بها إلى عصور الحريم وتخلف القرون الوسطى. في بيانه بتاريخ 29/12/2001 كشف الحزب الشيوعي السوداني عن أن النظام اتخذ « قراراً غير معلن وينفذ بالتدريج، للحد من توظيف النساء في البنوك ووزارات السيادة والقضاء والنيابة العامة والسلك الدبلوماسي والقوات النظامية، ويشمل القرار تخفيض قبول الطالبات في كليات الطب والهندسة وبقية الكليات العلمية». وأضاف البيان أن «القرار السري يواصل ويستكمل حملات التشريد للصالح العام، والتشريد بسبب تصفية مؤسسات ومرافق القطاع العام، وفي الحالتين، كانت ومازالت نسبة التشريد بين النساء العاملات عالية وراجحة، فهن بين 22 ألفاً من المشردين خلال الفترة 1997 - 2000، في الفئة العمرية 25 - 35 سنة، كانت نسبة النساء 55% - وفق الإحصاءات الواردة في منتدى المرأة - جامعة أم درمان الأهلية، أبريل 2001». ـ انتهاك السيادة الوطنية بتحويل الوطن إلى مأوى وملاذ للإصوليين ليشنوا من أراضيه نشاطهم الإرهابي، ثم فتح البلاد لتستضيف خبراء أجهزة المخابرات الأجنبية، ولفترة زمنية امتدت لأكثر من عام، يستجوبون كبار المسؤولين، ويجوسون المواقع، ويراجعون حسابات البنوك، بحثاً وتقصياً لعلاقة الحكومة بالنشاط الإرهابي.؟! هذه مجرد شذرات قليلة من قائمة انتهاكات «الإنقاذ» لحقوق الإنسان في السودان، فالسجل طويل.....طويل، وكما أشرت سابقا فهو يملأ آلاف الصفحات من تقارير المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان. لكن ومن يحتاج إلى هذه الألوف المؤلفة من التقارير؟ فهناك السجل الذي يغني عن كل هذه التقارير، السجل الدائم والباقي أبدا والذي لن يمحى قط.... السجل المدون والمحفوظ في ذاكرة الشعب السوداني. في المذكرة المشار إليها في هذا المقال كتب د. فاروق محمد إبراهيم مقترحا ثلاثة خيارات لتسوية حالات التعذيب على غرار تجربة جنوب إفريقيا بعد زوال حكم الأبارتايد، وذلك في حالة توصل الجميع إلى وفاق وتسوية سياسية للمشكل السوداني. والخيارات هي: الخيار الأول: كشف الحقيقة أولا، ثم الاعتذار العلني والواضح والصريح، ثم العفو. يقول د. فاروق «إنني أدعو السيدين بكري حسن صالح ونافع علي نافع، ألا تأخذهما العزة بالإثم، وأن يعترفا ويعلنا حقيقة ما اقترفاه بحقي وبحق المهندس بدر الدين إدريس في بيت الأشباح رقم واحد، وأن يبديا ندما وأسفا حقيقيين، وأن يعتذرا اعتذاراً بينّا معلناً في أجهزة الإعلام، حين ذلك فقط يتحقق التعافي وأتنازل عن كافة حقوقي...ولنأمل أن يقبل أولياء الدم في حالة المهندس بدر الدين بالحل على نفس المنوال...». الخيار الثاني: في حال تعذر الخيار الأول فلا بديل سوى التقاضي أما المحاكم الوطنية متى ما اقتنع القانونيون بتوفر الشروط الأساسية لمحاكمة عادلة. وإذا لم يتوفر ذلك فلا مناص من اللجوء للخيار الثالث وهو التقاضي أمام المحاكم الدولية لحقوق الإنسان ومجرمي الحروب. فما رأي أهل الإنقاذ في هذه الخيارات؟! إن الجرائم ضد الإنسانية وحقوق الإنسان، كالتعذيب، وكذلك جرائم نهب المال العام وانتهاك حقوق الوطن، لا تسقط بالتقادم ولا المرض ولا تقدم السن ولا لأي سبب من الأسباب، كما شهدنا في حالات مجرمي النازية و شيلي و الأرجنتين وإندونيسيا والبلقان...الخ. إن تقاليد الدفاع عن حقوق الإنسان لها جذور ورصيد في الحركة السياسية السودانية منذ تكوين مؤتمر الخريجين والأحزاب والنقابات. وفي أرشيف الصحف السودانية سجل متصل للمذكرات والبرقيات إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة منذ تكوينها، وإلى الصحافة المصرية والبريطانية، لفضح اعتداء الإدارة البريطانية على الحقوق والحريات، أو للتضامن مع الشعوب والمناضلين في العالم. نستند إلى ذلك الرصيد لمواصلة نشر الوعي بثقافة ومبادئ حقوق الإنسان وتشجيع كل مواطن على ممارسة حقه في مقاضاة جهاز الأمن والحكومة لاسترداد حقوقه: حقه في العمل، حقه في الحرية، أو في محاكمة عادلة، حقه في استرداد ممتلكاته التي صادرها جهاز الأمن: مبالغ مالية، كتب، عربات الخ وحشد وتوحيد الرأي العام حول محاكمة ومعاقبة من أمروا بالتعذيب والقتل ومن نفذوه. إن حقوق الإنسان في عالم اليوم أصبحت ظاهرة مستقرة، لا تراجع عنها ولا التفاف حولها، ولا مبررات أيدلوجية لتجاهلها، بل لا بد من الموقف المستقيم والمبدئي منها. نشدد على هذه الحقيقة في مواجهة الموقف غير المبدئي من بعض الدوائر في الغرب تجاه قضية الديمقراطية وقضية حقوق الإنسان، وذلك في أعقاب أحداث 11 سبتمبر المؤسفة، حيث تراجعت هاتان القضيتان عند هذه الدوائر لصالح تسويق مفهومي الاستقرار ومحاربة الإرهاب مع الاختلاف البين في تعريف الإرهاب، وخاصة إذا كانت هذه الدول تملك موارد هامة كالبترول. فأصبحت الأنظمة الشمولية والديكتاتورية التي تتبنى مفاهيم هذه الدوائر حول الإرهاب، أصبحت فجأة أنظمة ديمقراطية! . الديمقراطية وحقوق الإنسان.... وجهان لعملة واحدة قضية الديمقراطية تمثل حجر الزاوية بالنسبة لأي تجربة أو نظرية تعنى بحل مهام الثورة الاجتماعية والتطور الاجتماعي. وبقدر اقتراب هذه التجربة من تبني الديمقراطية بمعناها الواسع والشامل والمباشر، بقدر ما تقترب من تقديم حلول صحيحة لقضايا التطور مهما كانت صعوبات ودرجة تعقيد هذه القضايا. قد تتعدد أشكال الممارسة الديمقراطية، وليس الديمقراطية نفسها، وهذا شيء طبيعي مرتبط بالسمات الخاصة لكل بلد بل وكل مجتمع. لكن مهما تعددت أشكال الديمقراطية فإن جوهرها واحد وثابت تمثله مجموعة من القيم والمبادئ الثابتة التي لا يجوز مطلقا ـ في الزمان والمكان ـ التخلي عن إحداها أو الانتقاص منها. وهذه القيم والمبادئ تشمل ما يعرف بالحقوق والحريات الأساسية وضمان الاستمتاع بها من قبل أي فرد أو مجموعة. وبالطبع فإن في مقدمة هذه الحقوق يأتي حق الحياة من مأكل وملبس وصحة وتعليم وتكوين أسرة وأمن...الخ. وأي شكل من أشكال الممارسة الديمقراطية مهما تفنن أصحابه في تسميته «الديمقراطية الليبرالية أو الديمقراطية الاشتراكية أو الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الثورية أو الشورى الإسلامية أو ديمقراطية التوالي... الخ» لا يمكن أن نطلق عليه وصف الديمقراطية ما لم يعبر عن تلك القيم والمبادئ الثابتة. ولكن كثيرا ما يعتقد بأن هذه القيم والمبادئ، مثل التعددية، الفصل بين السلطات، حرية التعبير والتنظيم والمعتقد......الخ، هي سمات خاصة بالديمقراطية الليبرالية وحدها، و ليس بالضرورة أن تكون متضمنة في أي شكل من أشكال الممارسة الديمقراطية. وهذا بالطبع اعتقاد خاطئ رغم أنه نابع من أسس موضوعية، إذ أن الديمقراطية الليبرالية هي أول من صاغ تلك القيم والمبادئ ـ الحريات والحقوق ـ بشكل مؤسس ومباشر وهي بذلك تعد مأثرة عظيمة وإنجاز تاريخي حققته الثورة البرجوازية بعد ظلام العصور الوسطى . لكن الديمقراطية الليبرالية ليست هي الشكل الأرقى للممارسة الديمقراطية. فمع تطور الرأسمالية ظهرت محدودية هذا الشكل وتشوهاته بحيث تحولت هذه الممارسة إلى وهم جميل الطلعة ـفليس كافيا إن تقف الديمقراطية عند حدود السماح للجماهير بالتعبير عن رأيها فقط من دون المشاركة في اتخاذ القرار! وفي هذا السياق يحق التساؤل حول هل شارك الشعب الأمريكي في اتخاذ القرار الخاص بدعم أمريكا المطلق لإسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني ؟ والقرار الخاص بتدمير أفغانستان؟ والقرار الخاص بإسقاط الحكومات المنتخبة وفق قواعد اللعبة الليبرالية مثل حكومة « سلفادور الليندي » في شيلي ؟ والقرار الخاص بفرض الحصار على نيكاراجوا وقبلها كوبا؟ والقرار الخاص بغزو بنما وقبلها جرينادا ؟ والقرار الخاص بتدمير العراق الخ. ورغم كل ذلك فإن الديمقراطية الليبرالية لم تستنفد أغراضها بعد، والمطلوب ليس نسخها أو إلغائها، و إنما تطويرها والبناء فوقها باستخدام مبدأ النفي الجدلي، وهذه مسألة يمكن مناقشتها في مقال آخر. إن تعدد أشكال الممارسة الديمقراطية يعتمد على تعدد وتنوع الأرضية التي يتم فيها هذه الممارسة. فالتعددية الليبرالية مثلا أخذت تنمو وتزدهر مع تطور القاعدة الاقتصادية للثورة الصناعية في الغرب بحيث أخذت شكلها المكتمل مع ثبات ورسوخ هذه القاعدة ، لذلك فهي ممارسة راسخة وناضجة في البلدان الرأسمالية الصناعية في حين أنها هشة وركيكة حين تمارس في بلدان العالم الثالث ومعرضة دائما للمصادرة لا بشكلها فقط وإنما حتى بقيمها ومبادئها الثابتة والمطلقة. لتأخذ مسالة التعددية الحزبية في بلد كالسودان مثلا. ففي التجارب الثلاث للممارسة الديمقراطية في بلدنا، بعد الاستقلال و بعد أكتوبر و بعد الانتفاضة، كنا نطبق الأسلوب الليبرالي المعروف بأسلوب «وستمينستر» وكان واضحا فشل هذا الأسلوب على الرغم من أن بدائله كانت أسوا منه بما لا يقارن «انقلاب 17 نوفمبر، انقلاب مايو، انقلاب يونيو 1989»، لكن فشل الأسلوب أو الممارسة لا يعني فشل المبدأ ذاته. بمعنى آخر المطلوب هو وضع صيغة للمارسة التعددية في بلادنا تراعي بشكل دقيق الخصائص المميزة للواقع السوداني ومثل هذه الصيغة من السهل جدا التوصل لها إذا ما اجتهدت كل الأطراف المؤمنة بالتعددية من اجل ذلك وفي إطار حوار جر ديمقراطي . أما أن ينتفض أحد أطراف الحركة السياسية ليعلن فشل التجربة الديمقراطية في بلادنا وأنه يمتلك البديل الملائم لها، فأنه في الواقع العملي يفرض بالقوة تصوراته الخاصة حول حكم السودان في حين يتجاهل تصورات الآخرين بل ويلغي وجودهم وينتهك حقوقهم بقرار منه . وهذا الموقف سواء أدعى الطرف المنتفض أنه موقف ثوري أو نابع من قدسية إلهية هو موقف ديكتاتوري عقيم وهو بداية السير في النفق المظلم والمسدود، لان الديمقراطية وحدها هي مفتاح السير في طريق التطور المتصاعد وهي المخرج من الأزمات الطاحنة التي ظلت تعصف ببلادنا منذ الاستقلال. وهكذا، فبدون مراعاة واحترام لحقوق الإنسان وبدون مراعاة واحترام للتعددية والتنوع وبدون حريات غير مقيدة للصحافة والتنظيم والتعبير و بدون صراعات فكرية وبدون تنافس انتخابي حر....الخ، تموت الحياة في المجتمع وتصبح فقط شبه حياة ، وهذا يعني عرقلة مسار التطور الاجتماعي. لهذا نقول أن الديمقراطية وحقوق الإنسان وجهان لعملة واحدة، بينما الديكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان وجهين لعملة واحدة أخرى. ولهذا نقول أيضا إن معركة الدفاع عن الحريات وعن حقوق الإنسان أكبر وأوسع وأهم من محادثات الوفاق والمشاركة في السلطة. إنها معركة أوسع من منظمات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان بل أوسع من التجمع الوطني منفردا. وهي قضية الساعة الملتهبة والملحة والواجب وضعها في مقدمة كل الأجندة المطروحة لنشاط الحركة السياسية والجماهيرية والنقابية والثقافية...الخ.