بيان الاربعاء: في العالم الأول نزعة للتكامل والتوحد خدمة للمصالح وحماية لها في عصر لا مجال فيه إلا للكيانات الكبيرة والقوية، العالم اليوم في حالة تغير مستمر وفق معادلة غير متوازنة زادت بموجبها الفجوة بين الأغنياء والفقراء على المستوى الكوني، وعلى مستوى الدولة، معادلة فقدت فيها الدولة القومية القدرة على التحكم فيما يحدث داخل حدودها بعد أن تآكلت سيادتها وذابت حدودها أمام قوى جديدة «الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات فوق الدولة» الأولى مملوكة للأغنياء والثانية خاضعة لإرادتهم، في الطرف الآخر من المعادلة اتسعت دائرة الفقر والكوارث وفقدت شعوب افريقيا واسيا وامريكا الاتينية القدرة على إدارة مجتمعاتها إدارة رشيدة ، الأمر الذي أدى إلى عدم الاستقرار السياسي والمجتمعي وإلى مطالبه الأطراف والمهمشين والأقليات بحقوقهم المشروعة في السلطة والثروة، اختلاط الأوراق وتشابك القضايا إضافة إلى ضعف الحكومات وعزلتها أدى إلى بروز قضايا جديدة وإلى ضخ الدماء في مشكلات قديمة تصاعدت حدتها وتوسعت جغرافيا دائرة انتشارها أهمها قضايا الهوية والديمقراطية، احترام حقوق الإنسان، العدالة والمساواة، قضايا مع أهميتها لم تجد الاهتمام الكافي من النخبة في بلاد العالم الثالث لذلك تم الربط بينها وبين المطالبة بالانفصال !! نعم هناك ظلم في بلاد كثيرة ولكن الدعوة للتفكك والتشرزم تعني تبني مفهوم انغلاقي للهوية وفتح أبواب العنف والحروب الأهلية وتدخل الأجانب في الشأن الداخلي . حالياً تمر المنطقة العربية والأفريقية بتفاعلات نشطة وحاسمة على صعيد الهوية والانتماء لذلك لم يكن غريباً أن ترتفع درجة الاستقطاب العربي والأفريقي في السودان وهو البلد المميز بالتعدد والتنوع، السودان بحكم الموقع الوسيط فيه امتدادات لتجمعات قبلية متواجدة أيضاً في بلاد مجاورة في غربه مع تشاد وأفريقيا الوسطى توجد قبائل مشتركة «الزغاوة والمساليت الرزيقات ..الخ» وعلى حدوده الجنوبية الغربية توزعت قبيلة الزاندي بإرادة المستعمر الذي خطط الحدود بين التجمعات الأفريقية بعد مؤتمر برلين 1885م على دول ثلاث السودان وافريقيا الوسطى والكونغو وللسودان أيضاً ما يربطه بدول شرق أفريقيا والقرن الأفريقي . ..المادى والاشولى مع اوغندا التبوسا والتركانا مع كينيا، البني عامر والخاسة والنوير والانواك مع اريتريا وأثيوبيا أما في الشمال فهناك الحلقة المعتقة التي ربطت السودان ومصر منذ القدم حضارة النوبة ومروي وعلاقتها الصراعية والوفاقية مع الحضارة الأكسومية في اثيوبيا وللعرب أيضاً عبر الهجرات المستمرة قبل الإسلام وبعده ومن جهات مختلفة وجود مؤثر اسهم في تكوين النسيج الاجتماعي السوداني بشكله الحالي، ربما لهذا التشابك والتفاعل تعددت دوائر الولاء والانتماء في بلد لم تكتمل فيه بعد حلقات الوحدة الوطنية البعض يتحدث عن عروبة السودان وعن النقاء العرقي والإنتماء لمنطقة الشرق الاوسط، والبعض الاخر له رأى مختلف السودان في نظره الغلبة فيه لغير العرب لذلك فهو جزء من القرن الأفريقي ومن منظومة دول شرق أفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى . في الماضي كان للإدارة البريطانية اتجاه لضم جنوب السودان لدول شرق أفريقيا وهي السياسة التي انقلبت عليها نفس الإدارة في آخر أيامها بعد أن وقفت بقوة مع سودان موحد وأهمية مشاركة جنوب السودان في الجمعية التشريعية، اليوم تكررت القصة مع اختلاف العناصر الفاعلة فيها . بريطانيا بعد أن أصبحت مجرد رجع صدأ للدولة الكبرى في الضفة الأخرى من الاطلسي حلت محلها الولايات المتحدة الأمريكية وهي التي سعت في مرحلة ما لفصل الجنوب عبر مشروع الشراكة الأمريكية الأفريقية ومساندة الزعماء الجدد في القرن الأفريقي ومنطقة البحيرات العظمى . لقد تأكد هذا التوجه في اجتماع عنتبى الذي شارك فيه الرئيس الأمريكي كلينتون مع عدد من زعماء أفريقيا، وفي خطاب مستفز تحدث فيه الرئيس اليوغندي موسفيني عن أهمية قيام كيان بانتو نيلى ممتد من جنوب السودان إلى جنوب أفريقيا ربما لهذا السبب هناك تحفظ لمبدأ وجود أي قوات اوغندية داخل السودان أياً كانت المبررات . الآن هناك مؤشرات على الأقل نظرياً تدعو لسودان موحد من قبل الإدارة الأمريكية وإن صحبها حديث عن غلبة الانتماء الأفريقي، السودان الآن مصنف أمريكيا قطر أفريقي له علاقات هامشية بمنطقة الشرق الأوسط . السودان بلد جامع لكل مكونات أفريقيا «للعرب وغير العرب» فالعرب أفارقة لأسباب أهمها أن غالبيتهم في أفريقيا ومعظم الأراضي العربية أراض أفريقية، والسودان حلقة الربط المحورية بين العرب والأفارقة في داخله تفاعلت وتمازجت جماعات مختلفة أثنياً ومتنوعة دينياً وثقافياً منذ القدم تمازج أفرز مجتمعا جديدا ومميزا وله خصوصيته - حديث البعض عن الانتماء العربي وعن الدم العربي لا ينفي وجود دماء أخري حامية وزنجية بهذا الفهم عندما نتحدث عن السودان وعن هوية مواطنيه يجب أن لا نختزلها في عنصر واحد عربي أو غير عربي وأن لا نسمح لغيرنا من الأشقاء والأصدقاء وفاعلي الخير أياً كانت نواياهم أن يصنفوا أبناء الوطن الواحد إلى جماعات لها ولاءات عابرة للحدود ومتعارضة مع الولاء والانتماء لوطن النجوم السودان ، نعم للسودان انتماء لدوائر أكبر فوق الدولة «الأمة العربية والأفريقية والإسلامية» وهي انتماءات لها بعد أدبي ويمكن أن توظف لخدمة المصالح المشتركة بهذا الفهم فهي لا تتعارض أن تعاملنا معها بالمنطق والموضوعية. الحركة الشعبية والخيارات المطروحة يقال ان التفاعلات التي تمت في أفريقيا بين الموروث والوافد كانت ثنائية في أغلب دولها جنوب الصحراء أما في السودان حتى في جنوبه فهي ثلاثية الأبعاد الثقافة المحلية وثقافة المستعمر تفاعلتا مع الثقافة العربية الإسلامية لذلك انتشر الإسلام واللغة العربية في الجنوب دون أن تسنده دولة مركزية بل على العكس كانت الدولة المركزية في الخرطوم في ظل الإدارة البريطانية رافضة نظرياً وعملياً عبر إجراءات صارمة عزلت الجنوب عن الشمال قوانين المناطق المقفولة» لأي تواصل بين طرفي القطر الواحد ولكن رغم كل هذه الإجراءات أصبحت اللغة العربية الدارجة وهي التي أطلق عليها مصطلح «عربي جوبا» هي لغة التواصل بين القبائل المختلفة، لغة الأدب والسياسة والفن، عوامل كثيرة يمكن أن نعددها تشكل في مجملها حزمة العناصر المؤيدة والمؤكدة للوحدة . صدفة وفي زمن قصير نسبياً كما حدث في أمريكا بل جاء نتيجة لتجارب تاريخية وتفاعلات مستمرة شاركت فيها جماعات مختلفة هاجرت للسودان من القرن الأفريقي وغرب أفريقيا ومنطقة البحيرات ومن شرق البحر الأحمر مكونة مجتمع عربي أفريقي أرضاً ولغة وثقافة، لذلك عندما يتحدث إخوتنا في الأطراف عن المظالم والتهميش وعن تركيز الأنظمة الوطنية في كل الحكومات السابقة على الخرطوم ومثلث مدني - كوستى - سنار الأمر الذي أعطى الانطباع بأن السودان هو الوسط والشمال وان فى السودان الغلبة للعروبة وللثقافة العربية والإسلامية وهي التي سادت وهيمنت على غيرها من الثقافات المحلية . نعم يجب أن نعترف بوجود سلبيات وبان بلادنا تمر بأزمة . في محاضرة له في مركز كارتر بأطلنطا طرح الدكتور جون قرنق تصورات محددة لحل الأزمة السودانية هي : الخيار الاول : نظام انتقالي ديمقراطي «السودان الجديد» تتعايش فيه الأثنيات والثقافات وتحترم فيه حقوق الإنسان، وأن يكون هناك فصل دستوري كامل بين الدين والدولة، وصف دكتور قرنق هذا الخيار بانه الخيار الأمثل وهو الذي قاتلت من أجله الحركة منذ تأسيها عام 1983م ولكن ثبت بالتجربة ومن حواراتنا مع الحكومة أن هذا النموذج غير عملي ومن الصعب تحقيقه . النموذج العملي بالنسبة للحركة هو خيار الدولة الكونفدرالية . الخيار الثاني : هو قيام دولتين، دولة شمالية تطبق فيها الشريعة الإسلامية وأخرى جنوبية . في فترة انتقالية تنتهي بالاستفتاء على خيار دولة موحدة بمواصفات الخيار الأول أو دولتين «الانفصال». الخيار الثالث : أن يستمر الوضع الحالي «سودان عربي» هو وضع مرفوض ويجب أن لا يستمر الخيار الرابع : سودان علماني أفريقي وهو أيضاً غير مقبول. الخيار الخامس : دولتان منفصلتان شمالية اسلامية تحكم بقوانين الشريعة وجنوبية علمانية ديمقراطية . وعن محاور التفاوض تحدث د.جون قرنق عن ثلاثة محاور القاسم المشترك فيها جميعاً نقاط الخلاف الآتية ـ علاقة الدين بالدولة. ـ تقرير المصير. ـ الإسلام والعروبة في السودان. نوع الحكومة في الفترة الانتقالية . أما المحاور فهي : المحور الأول : حكومة ديمقراطية تشارك فيها جميع القوى السياسية. المحور الثاني : التحالف الوطني الديمقراطي «السودان الجديد» يضم الحركة الشعبية والإسلام النموذجي محمد عثمان الميرغنى والحزب الشيوعي والنقابات وهو النظام الرافض لكل اطروحات الجبهة الإسلامية القومية والساعي لقيام السودان الجديد. المحور الثالث والأخير : خاص بالحركة الشعبية وهو العمل على تطوير وتنمية المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية فهي أكبر من مساحات كينيا واوغندا ورواندا معاً مجتمعة وتضم عشرة ملايين مواطن . نحن والمستقبل : مستقبل السودان بأيدينا نحن أبناء السودان أن توحدت إرادتنا وتخلى كل واحد منا من أنانيته ونظرته الحزبية الضيقة . هناك سؤال مهم يفرضه علينا العجز التام عن إيجاد صيغة مناسبة ومقبولة لحكم السودان. السؤال هو : هل هناك إمكانية في أن نضع نحن وبإرادتنا الحرة مستقبلنا وأن نحدد ملامح المجتمع الذي نريده ؟ قبل الإجابة على هذا السؤال هناك تجارب يمكن الرجوع إليها في أوربا وأفريقيا وآسيا أبرزها التجربة الأمريكية وتجربة جنوب أفريقيا. التجربة الأمريكية عندما نالت الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها من انجلترا لم تكن هناك ما يمكن ان يطلق عليه أمة أمريكية، في تلك الفترة كانت كل ولاية مستقلة بنفسها وشديدة الغيرة على امتيازاتها، في أمريكا بدأت الروابط بين الولايات في مراحلها الأولى في ظل اتحاد كونفدرالي احتفظت كل ولاية فيه بسيادتها وحريتها واستقلالها «رابطة صداقة» الحكومة المركزية بهذا المفهوم كانت أقرب إلى المجلس الاستشاري الذي يعكس وجهات نظر الولايات منه إلى حكومة أمة واحدة، النظام كان مكوناً من وحدات واسعة الاستقلال وليس من حكومة أمة بالمعنى العصري . مؤتمر فلادلفيا :- في عام 1787م اجتمع مندوبو الولايات في فلادلفيا لمناقشة مواد الاتحاد الكونفدرالي وأي اقتراحات يمكن أن تعالج مواطن الضعف، والعمل على تشجيع قيام حكومة قومية قابلة للازدهار والفاعلية في النهاية توصل المؤتمر بالتراضي إلى وثيقة دستور الولايات المتحدة بعد نقاشات اكتنفتها خلافات كثيرة مهدت في النهاية لكتابة دستور فدرالي وقيام مؤسسات «حكومة قومية لها السلطات الكافية كي تحكم بكفاءة وهي أيضاً مقيدة بسلطة عليا هي الشعب . تجربة أمريكا جديرة ان تضعها النخبة أمامها خاصة الأخوة الداعين للانفصال والكونفدرالية، السودان في اعتقادي المتواضع بلد كبير بموارده البشرية والطبيعية وفي وضع أفضل من ما كانت عليه أمريكا في سنينها الأولى تحت ظل «الاتحاد الكونفدرالي» وأفضل ألف مرة من ما كان يمارس في جنوب أفريقيا في عهودها المظلمة . والسودان اليوم دولة موحدة نعم فيه تهميش ومظالم وازمة معقدة ولكن ما يملكه كمجتمع إن أحسن إدارتة يمكن ان تزال كل المصاعب وتعاد للبلاد وحدتها وتماسكها وقدرتها على أن تكون دولة من أهم دول المنطقة . المعالجة المطلوبة يمكن ان تتم بالحوار والرجوع إلى الشعب أمامنا تجارب كثيرة يجب ان ندرسها جيداً خاصة ونحن في عصر التكتلات والكيانات العملاقة . الولايات المتحدة التي توصلت إلى صيغة مكنتها من قيادة العالم «الصيغة الفدرالية جنوب أفريقيا وبراعة قيادتها التي أحرزت في النهاية دولة مختلفة الغلبة فيها لسكانها الأصليين الافارقة مع الحفاظ على موقعها المتقدم اقتصادياً وعلمياً. تجارب أخرى مهمة تفكك الاتحاد السوفيتي إلى دويلات حملت فى داخلها بذور تفككها إلى وحدات أصغر فاصغر بعد انهيار الاتحاد السوفييتى «الدولة والمجتمع» امثلة اخرى يوغسلافيا وتجربة مالي والسنغال فى افريقيا.