هل يمكن اليوم النظر الى حصيلة حرب القرن التي قادها الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش ضد ما اسماه بالارهاب؟ الواقع الذي يحيطنا يعكس صورة قاتمة لا يمكن من خلالها وضع حصيلة نهائية على الاقل لما انتجته حقبة الجمهوريين الجديدة التي تدير امريكا اليوم. فمنذ البداية كنا نشهد تصعيدا امريكيا باتجاه الانفراد بالقرار الدولي ومحاولة تنصيب القطب الواحد حاكما للعالم وفق صفات رسمها النظام العالمي الجديد الذي هدف الى تشكيل خارطة سياسية جديدة للعالم تقوم على اساس المصالح الامريكية. وكما هو معروف فان هذا التصعيد بدأ بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي الامر الذي اعطى الامريكيين شعورا بالقوة والغطرسة لم يشهده العالم من قبل، رغم ان التاريخ الامريكي حافل بهذه الغطرسة ولكن بشكل اخف من الان. وما اراد له بوش ان يكون انجازا امريكيا عظيما ليدخل التاريخ من بوابة القرن الواحد والعشرين بطلا، تحول الى مستنقع عالمي لم يغرق فيه الامريكيون وحدهم بل اغرقوا العالم اجمع به، فما هي حصيلة حرب القرن حتى اليوم؟ اول ما انتجته هذه الحرب هو الصدام الحضاري الذي توقعه صاموئيل هانتنجتون والذي اعادنا الى دورة التاريخ الاولى التي كان الصراع فيها بين الاديان سمة لذلك التاريخ. صدام الحضارات افرز ما اسماه البعض الحرب ضد الاسلام او الاصولية والذي وضع الامريكيين في حرج كبير حاولوا الخلاص منه بالاعتراف بان صراعهم هو ضد «الاسلام السياسي». ورغم كل التأكيدات التي حفل بها الخطاب السياسي الامريكي والتي اشارت الى ان الحرب ضد الارهاب وضرورة الفصل بين الارهاب والاسلام والعرب، لكنها كانت تحركات تكتيكية وراءها دوافع كثيرة اهمها قضية الاندماج الداخلي سواء في المجتمع الامريكي او بعض المجتمعات الاوروبية، ويليها محاولة تأمين التماسك اثناء الازمة. وينظر الى انعكاسات الازمة التي خلفتها امريكا بعد احداث 11 سبتمبر على الواقع السياسي الدولي، فقد افرزت انهيارات سياسية كثيرة وفكا لتحالفات كثيرة واعادة اقلمة او رسم جغرافيا سياسية جديدة وفق المصالح الامريكية التي انحصرت بعد الازمة في مفهوم واحد: مع امريكا او ضدها. ومع «امريكا» هذه عرضت الجميع لزلازل سياسية، كسرت جدران التوجس من التفاعل مع امريكا والغت الاوضاع الحيادية التي كانت عليها بعض الدول وحولت البعض الاخر من الوسط واقصى اليسار الى اليمين الامريكي، بل الى اقصى اليمين الامريكي. على ان هناك مغالطة كبيرة في فهم هذا التحول فالذين انضموا لمعسكر «مع امريكا» كانوا ينضمون الى معسكر «ضد الارهاب» وليس تحالفا او تأييدا لامريكا او العلاقات معها، بدليل ان الكثير من الدول الحليفة دخلت الحرب ضد الارهاب مع امريكا وهي غير مقتنعة تماما، اضافة الى ان العديد من الدول التي ايدت الحرب ضد الارهاب مازالت تقف في معسكر معاد لامريكا كايران مثلا. والواضح ان امريكا استغلت العنوان الكبير «مع امريكا» لتسوق لدلالات سياسية او مفردات تمثل وجه الخارطة السياسية التي قالت عنها انها العالم الجديد. على ان الحرب ضد الارهاب والمبرر المعلن لقيادتها زعزع الثقة في داخل النفوس الامريكية، وبرزت اسئلة لم تكن لتبرز على السطح لولا فورة الحرب التي ما ان انقشع غبارها حتى بدت اهدافها الحقيقية تلوح للعيان. اسئلة من مثل: لماذا يكرهوننا، أرقت او باتت تؤرق المجتمع الامريكي اليوم ومن خلفه المجتمع الاوروبي، وعبثا تلصق الاجابات والمبررات بمفاهيم الديمقراطية وحرية الفكر وحقوق الانسان وغيرها. هذه المفاهيم التي عدتها امريكا مبادئها وهي التي قالت على لسان رئيسها انها ستنقلها الى العالم، ما هي الا شعارات جوفاء لحقيقة مرة، فالديمقراطية الامريكية تلتقط العرب والمسلمين من على الطرقات وتزجهم في السجون تحت عناوين قانونية غامضة وتهم غير مبررة واحيانا بلا تهم. والديمقراطية الامريكية تمنع الاعلام من ان ينظر للواقع بعيون غير عيون الادارة الامريكية ومصالحها واللوبي اليهودي، وهي ترسم ما تشاء من مستقبل للشعوب، تتدخل في امورهم الداخلية وتفرض عليهم منطقا هشا لا يمكن وصفه سوى بمنطق «الكاوبوي» ومنطق اللا عدالة، واللاشرعية، واللا نظام، انها دولة اللا قانون، ونظامها يقوم على فوضى النظام. ولا ادل على ذلك من تقرير منظمة حقوق الانسان لهذا العام الذي ادان امريكا لانتهاكها حقوق الانسان وممارساتها اللا انسانية عدا عن دعمها لاكبر ارهابيي العالم والذين تمثلهم حكومات اسرائيل على مختلف عهودها. حصيلة حرب القرن اذن لا يمكن ان تكون سوى اعادة نظام الفوضى للعالم، والاستعمار، وليس بثوب جديد بل بثوبه القديم البشع الذي لا يمكن ان يقبل احد لبسه سوى امريكا.. عدوة الديمقراطية والشعوب ل.ع