بيان الاربعاء: من اهم الاطروحات التي سادت مطلع القرن الجديد كانت ان امريكا هي القوة العظمى الوحيدة، وفكرة صراع الحضارات بين الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات، ومن ثم كون الجنوب هو مصدر اساسي من مصادر التهديد للاستقرار العالمي ولمنظومة القيم الغربية، ومن ناحية ثالثة سادت فكرة كيفية اقامة نظام عالمي جديد تسوده قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان. وكان من اهم نتائج وتفاعلات العقد السابق والتي انعكست على مطلع القرن الحالي: اولا: ان القوة العظمى الامريكية تدرك مصالحها وامنها على نحو منعزل عن امن واستقرار بقية مناطق العالم، ومن ثم فهي لا تقود العالم بل تسيره بارادة منفردة. ثانيا: ان الابعاد الحضارية الثقافية قد اخذت وضعها بوضوح الى جانب الابعاد الاقتصادية والسياسية ـ للفجوة بين الشمال والجنوب، ولم يكن مؤتمر دوربان الاخير لمكافحة التمييز العنصري الا محطة الاختبار الاخيرة لمدى ما اضحت عليه هذه الفجوة من عمق. ثالثا: ان قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان يتم استدعاؤها وتطبيقها في ما يختص بقضايا الشمال ومصالحه فقط كما لو ان ما يسمى بمنظومة القيم الغربية لا تجد مجالا للتطبيق في مكان اخر، بالرغم من الادعاء بعالميتها والعمل على فرضها بشتى الطرق المرنة او الصلبة. الملاحظات التي يمكن تسجيلها لهذه الدلالات تتلخص في: 1 ـ وضع الولايات المتحدة في النظام العالمي ومصادر تهديد امنها. 2 ـ علاقات التحالف الغربي بمعنى علاقات الولايات المتحدة بحلفائها ومن بينهم اسرائيل. 3 ـ العلاقات مع الجنوب «دول العالم الثالث» 4 ـ الداخل الامريكي واثره على السياسة الخارجية الامريكية وتفاعلاتها العالمية. تشكل هذه الدلالات مجمل اسس رد الافعال التي تبنتها الادارة الامريكية والتي اصطلح على تسميتها بالسياسة غير الرسمية التي هدفت لاحتواء الاسلام بطريقة اكثر مرونة من ذي قبل، بمعنى ان الموقف الرسمي لواشنطن صار لا يعلن العداء للاسلام ككل وانما يعلن عدائيته فقط للاسلام السياسي والأسلمة وهو ما يمكن ان يطلق عليه «الخطاب المراوغ». سياسة امريكا غير الرسمية وضعت في اعتبارها سببين: اولا: ان الاسلام اصبح يحتل اهمية كبيرة في الشئون الدولية والعالمية. ثانيا: ان جموعا غفيرة من المسلمين اصبحت تعيش في مناطق تؤثر تأثيرا واضحا على المصالح الغربية والامريكية. السياسة الامنية الدولية بدت كأنها تنبع من مركز واحد هو واشنطن لتصب في اتجاهات تحددها واشنطن نفسها وفق استراتيجية موضوعة منذ عقود كما هو معروف. ولعل اوضح صورة بدت للعالم عن اتجاهات الريح الامنية او السياسات الامنية المنتظرة ما عصف بمؤتمر ميونيخ في فبراير مطلع هذا العام وهو المؤتمر السنوي الذي طالما شهد جدلا واسعا بشأن السياسات الامنية الامريكية واهدافها ومصالحها ودوافعها. وقبل انعقاد المؤتمر بدأت اوروبا تحصي حصيلة او نتائج حرب الارهاب التي شاركت بها ونجد قادتها العسكريين اكثر تشاؤما في احصاء النتائج. اول رد فعل اوروبي تبنته اوروبا وبشكل حاد، فقد اشارت الى: ـ ان السياسيين يبالغون دائما بتأثير القصف الجوي وهذا غير صحيح فبدون جيوش ارضية لا يتم اي تصد، لقد حطم الامريكيون وسائل الاتصالات للطالبان ولكن هذه الشعوب لا تستخدم بريد الانترنت والهاتف المحمول او حتى التلفزيون ولها وسائلها الخاصة. ـ ان امريكا لا تراعي القوانين والشريعة الدولية فقد قذفت جميع انواع القنابل الممنوعة والمحرمة التي تحرق الارض وما عليها من حياة وتلك هي المرة الثالثة بعد حربي الخليج والبوسنة وكل مرة تفسره امريكا باخطاء فنية وهو امر غير مقبول. ـ لقد اعلنت امريكا مرارا ان اهداف حربها الحقيقية لم تتحقق حتى الان وهو امر يقلق اوروبا وبالذات من الناحية العسكرية واللوجستية والاقتصادية. ـ ان الاوروبيين ساندوا امريكا وهم يعرفون جيدا ان عداوة امريكا على مد النظر في العالم، وانها تضرب بعرض الحائط جميع قرارات الامم المتحدة مع حليفتها اسرائيل وهذا هو ما يقول عنه الشرق اوسطيون بانه الكيل بمكيالين. ـ ان الحرب ضد الارهاب كانت المبرر الامثل لاعادة طرح ما رفضه الاوروبيون من قضية الدرع الدفاعي الصاروخي، وان احداث 11 سبتمبر اعطت سياسة الهيمنة دفعة قوية ستنعكس على الاوروبيين سلبا، وان الصراع على مستقبل النظام الدولي مازال مستمرا على اشده. فكيف نقرأ تداعيات حرب الارهاب على مؤتمر ميونيخ، وما هي اثار هذا المؤتمر دوليا؟ رياح ميونيخ لاشك بان الالمان اول من عصفوا بنتائج الحرب ضد الارهاب حتى بعد ما تحققت لهم مصالح جمة ومنها عودتهم العسكرية للفعل الدولي ووجود قواتهم بمشاركة الناتو في مسرح حرب الارهاب وحول مناطق المصالح والنفوذ في الشرق الاوسط والعالم، بما يعني استعادة النفوذ الالماني المسحوق سابقا. وبعد ان كان مشروع الدرع الدفاعي الصاروخي مسيطرا على مؤتمر ميونيخ خلال العامين الماضيين، مع التوسع الاطلسي شرقا، والذي بقيت اثاره في عام 2002 اثيرت قضية الحرب ضد الارهاب وبدت واشنطن وسياسات الهيمنة الدولية هدف معظم الحاضرين. الانطباع الذي ساد الاوروبيين ان امريكا باتت تفرض نفسها على المسرح الدولي اكثر من اي وقت مضى ولم تظهر بوادر لانتهاء حربها ضد الارهاب، واحتلت اربعة محاور هاجس الاوروبيين ومعهم الامريكيين: ـ استراتيجية الدفاع العالمية للولايات المتحدة الامريكية. ـ الارهاب الدولي وتعريف امريكا له، وهو يخرج عن مفهوم اوروبا له. ـ الوضع الامني في اسيا وخاصة اسيا الوسطى والقوقاز والصين ومجموعة الدول المستقلة. ـ توسيع حلف شمال الاطلسي. لكن ريح ميونيخ عصفت بالاتجاهات جميعا وباتت الاسئلة التي طرحها الاوروبيون على انفسهم قبل امريكا هي: ـ هل تستطيع واشنطن فرض قرارها الامني والعسكري عالميا على القوى الدولية الاخرى؟ ـ ما النتائج المنتظرة من احتمال توسيع الحرب الحالية لتشمل دولا اخرى بعد افغانستان؟ ـ ما موقع حلف شمال الاطلسي في مستقبل الخارطة الامنية الدولية؟ ـ ما الاثار السياسية المترتبة على الهوة التقنية وهوة التسلح بين الولايات المتحدة الامريكية واوروبا؟ ورغم ذلك فان المساندة والدعم لمفهوم امريكا واهدافها من حرب الارهاب بقي دون اعتراض رغم ان هناك من اشار الى: ـ ان امريكا تدعم الارهاب في دول العالم. ـ انها تمتلك اسلحة الدمار الشامل ولم تتورع عن استعمالها. ومن ثم فان من حق دول اخرى امتلاك السلاح الرادع مادام سواها يمتلكه، لاسيما وان نظرية الردع المتبادل هي المعتمدة في الغرب في تفسير عدم تحول الحرب الباردة الى صدام عسكري مدمر بين الشرق والغرب على امتداد نصف قرن تقريبا. الاوروبيون من وجهة نظر اخرى ينتمون الى امريكا في امتلاكهم اسلحة الدمار الشامل وبالتالي فهم يتبنون سياسة احتكار هذه الاسلحة لكنهم يرفضون التحرك العسكري الامريكي ضد دول اخرى وحجتهم الرئيسية عدم وجود دليل على ان الدول المستهدفة تدعم الارهاب وهو امر سهل على امريكا تدبيره. ومن طبيعة هذا الرد الاوروبي ان يفتح مجالا للحوار مع امريكا لكنه لا يمثل موقفا فعالا في الحد من الهيمنة الامريكية عالميا والتي تعتبر اساس الاعتراض من قبل منتدى ميونيخ. مخاوف الاوروبيين من اتساع نطاق الهيمنة الامريكية عالميا انعكست على الحديث عن مستقبل الناتو، وهو ما ربط بسياسة التسلح الامريكية في الدرجة الاولى، وقاد الى السؤال عن النتائج المترتبة على ذلك من قرار واشنطن بالاستمرار في مشروع الدرع الدفاعي الصاروخي. روسيا والصين لم يتبدل موقفهما ورأتا في ذلك عودة لسباق التسلح، ويبدو ان روسيا تحولت مع اعلان الحرب الامريكية تحت عنوان مكافحة الارهاب الى اتجاه معاكس، خاصة بعد ان سقطت معاهدات سالت 2، وبدأت اثار توسع الاطلسي تظهر في الوجود الامريكي ـ الاطلسي في الجمهوريات المستقلة والذي بدا مستقرا بعد افغانستان ولم تبد اية اشارة لانزياحه. المخاوف الاوروبية زادت عندما ذكرت امريكا أوروبا برفع ميزانياتها الدفاعية وهو امر اعتادت امريكا طرحه، مع التلويح بزيادة هائلة في ميزانية الدفاع الامريكية الجديدة وهو ما يثير شكوكا لدى اوروبا بمبرر هذه الزيادة الهائلة فهم غير مقتنعين بان الحرب ضد الارهاب تعتبر مبررا كافيا لهذه الزيادة، ومع هذه الشكوك تظهر الهوة التقنية العسكرية بين الولايات المتحدة الامريكية والقوى الدولية الاخرى من جهة اخرى بعد ان اصبحت واشنطن لا تأخذ مواقف هذه الدول بعين الاعتبار في معظم ما تتخذه من قرارات على المستوى العالمي. مغامرة مجهولة النتائج بدأت كنتيجة لحرب الارهاب وبعد انتهائها في افغانستان تظهر في اوروبا اصوات تعبر عن المخاوف المتزايدة من التطورات المنتظرة وعواقبها مع ازدياد معالم التغير الامريكي ومعه التصعيد العسكري الاسرائيلي، وحشد القوات وتوجيه الانذارات والاتهامات مقترنة باظهار العزم على انتقام شديد، سريع طويل الامد، قلب مفاهيم كثيرة كالجهاد والمقاومة ليدرجها تحت عنوان الارهاب على اساس العدو البديل. وتمركزت هذه المخاوف في محورين رئيسيين: الاول: ما اوصل الى تلك الذروة النوعية الجديدة للارهاب. الثاني: ما يمكن ان يوصل اليه انفلات عقال الآلة العسكرية الامريكية من تصعيد نوعي جديد. اعادت هذه المخاوف اوروبا الى اجواء حقبة الحرب الباردة حيث انتشرت بذور العداء للسياسات الامريكية انتشارا واسعا وعادت الى التنامي بعد استشراء ظاهرة العولمة وهو ما بدا للعيان بكل وضوح عبر المظاهرات الصاخبة الاعنف من نوعها، وهو مالم يقتصر على مواكبة المؤتمرات العالمية فحسب بل اتخذ صورة مرئية رافقت الرئيس الامريكي جورج بوش في سائر محطات جولته الاخيرة في اوروبا وامريكا اللاتينية واسيا. ومن اسباب زيادة العداء لسياسات بوش: ـ اتباعه سياسة اسلافه وزاد عليها قضايا الدرع الصاروخي وحرب الارهاب. ـ رفض معاهدة كيوتو، والالغام. ـ رفض التوقيع على المحكمة الجنائية العالمية. ـ الاتجار بالاسلحة الصغيرة. ـ قضايا العنصرية واثارتها. ان المخاوف الحقيقية من المغامرة العسكرية الامريكية المحتملة لا تكمن في الخوف على نتائج الحرب الامريكية في افغانستان وما حولها فقط بل تتعداها الى حسابات سياسية ابعد منها: ـ ان الضربة العسكرية بدلت موازين القوى في وسط اسيا لصالح الهند. وبدت باكستان حليفة امريكا ضحية هذه الحرب وتتعرض لتطورات خطيرة مثل تلك التي تشهدها اندونيسيا، كما قد تسفر عن تصعيد المواجهة المحتملة بين الهند والصين. ـ ان امريكا لم تقض على اسامة بن لادن وهذا يترك احتمالات مفتوحة امام اهدافها القادمة، فلا احد يجهل ان الحلفاء جعلوا مشكلة الارهاب الدولي رمزا لحرب برية طويلة الامد، وقد كانوا قبلا يعتبرون كارلوس رمزا لها ومن قبل بعض المنظمات الفلسطينية وزعمائها. ـ اهداف امريكا المعلنة والغامضة تعجل بتوليد موجة جديدة من الارهاب وفق التعريف الامريكي الاوروبي لها وهي مشكلة يستحيل حلها بالجبروت العسكري. ـ اذا وصل التحرك العسكري الامريكي على وجه الاحتمال الى توجيه ضربة انتقامية عدوانية ما دون ان يسبق ذلك ظهور ادلة قاطعة على ادانة الجهة المستهدفة فمن المرجح ان يضيف ذلك سببا اخر من اسباب الانقسامات التي تعصف بوجود الناتو ويتزايد حجمها ومفعولها عاما بعد عام منذ الاختلاف على اسلوب التعامل الامريكي مع البلقان ومع موسكو الى ازدياد المواجهة الاوروبية الامريكية، واسباب ذلك كثيرة مثل احتكار القيادة العسكرية، وبعض انواع التسلح الحساس من جانب الولايات المتحدة الامريكية، وحتى الصراع الراهن بسبب مضاعفة الخطوات الحثيثة الاوروبية باتجاه الاستقلال امنيا وعسكريا وهو ما عجل به اصرار امريكا على درعها الدفاعي الصاروخي. ـ لا يخفى اتجاه مواقف الشعوب العربية والاسلامية التي اصبحت تعيش حالة من الاحتقان بسبب احداث فلسطين الامر الذي يتفجر يوما بعد يوم دون بصيص امل في اي حل، والتحرك الاسرائيلي الاخير قاد للتنبوء بتطورات اخطر في المنطقة فمن مصلحة اسرائيل فتح جبهات على اكبر من مستوى طالما ان هناك قواعد امريكية معسكرة في المنطقة العربية وطالما ان امريكا اليوم مسيطرة على القرار العربي رغم الرفض الشعبي الكامل الذي يرى فيه هيمنة ونفوذا. وما يربك السياسة الامريكية اي تقارب عربي ـ عربي تخشى منه خروج قرارجديد يعيدها الى منتصف السبعينيات وهي التي اقامت الدنيا واقعدتها لكي تزيل اثاره السابقة. في النهاية كل هذه الصعوبات تجعل من الصعب على امريكا ان تنجح في تحقيق اهدافها العسكرية من الحرب التي دخلت فيها، والارجح ان التناقضات التي تولدها هذه الحرب ستدفع الى عزل اكثر لسياسة واشنطن حتى عن بعض حلفائها التقليدين مما سيولد اجواء من ردود الفعل المعادية اكثر من ذي قبل، هذه هي حصيلة حرب القرن، التي لم يدركها الامريكيون بعد.