بيان الاربعاء: عدت الهجمات على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر بمثابة اكثر الاحداث اهمية منذ نهاية الحرب الباردة، اذ اثرت عواقبها بعمق على النظام الدولي، ومثلت ساحة مصيرية لاختبار الابعاد السياسية للنظام الدولي، واعادة تشكيله وعلى رأس هذه الابعاد قيادة الولايات المتحدة للتحالف الغربي ودورها العالمي كقوة عظمى وحيدة، ووضع الامة الاسلامية في ظل هذه القيادة. ودفع الدخول في الحرب ضد الارهاب الى السطح عددا من التناقضات داخل الدول الغربية وبين هذه الدول والولايات المتحدة وبين الدول العربية والاسلامية وواشنطن. كيف ينظر الى حصيلة هذه الحرب؟، وهل يمكن القول ان الولايات المتحدة قد حققت اهدافها العسكرية من الحرب؟، وما هي انعكاسات هذه الحرب على دول العالم؟. كيف ينظر الى صورة امريكا كقطب واحد وكقوة طاغية بمفهوم العدالة؟، وكيف ينظر الى علاقاتها بعد هذه الحرب في اوروبا، اسيا، افريقيا، وسائر دول العالم التي تعد مناطق المصالح والنفوذ الامريكي؟. لماذا بقيت القوات الامريكية في وسط اسيا بعد انتهاء الحرب ضد افغانستان؟، وماذا يتوقع بعد اعلان «محور الشر»؟. لماذا كانت اثار هذه الحرب بادية اكثر على الشرق الاوسط والدول العربية دون سواها، وكيف تفهم الضغوطات الامريكية هل لصالح النظام الدولي فعلا ام لصالحها وصالح حليفتها اسرائيل؟ كيف نقرأ اثار الحرب هذه على اسيا، واشتعال الموقف بين الهند وباكستان، وكيف نقرأ المبرر الحقيقي لهذه الحرب، هل كانت الاصولية حجة ام اداة؟ واخيرا كيف ينظر الى مؤتمر ميونيخ منذ عام 2000 حتى اليوم وما اثار تداعياته على السياسة الدولية وسياسة الولايات المتحدة بالذات، وما هو موقف اوروبا اليوم بعد الاندفاع الاعمى للمشاركة بحرب المصالح الامريكية، حرب القرن؟ افرزت الحرب ضد الارهاب في مرحلتها الاولى اثارا سياسية خطيرة انعكست على واقع النظام الدولي،مخلفة خيبات امل على جانبي هذه الحرب، سواء كانت في الجانب الامريكي ام في الجانب الدولي المقابل. من الواضح، ان الامريكيين لم يحققوا الشيء الكبير الذي شمله اعلانهم هذه الحرب، فلا هم استطاعوا القضاء على تنظيم القاعدة، ولاهم استطاعوا فرض الاستقرار في القلب الاسيوي المشتعل والذي كان في الثمانينيات ساحة صراع بينهم وبين السوفييت وتعني هنا افغانستان. ونتيجة لهذه الحرب، اشتعلت نيران اوشك بعضها على الخبو وتهاون بعضها الاخر في مسيرات كانت ستؤول الى غير ما دفعتها اليه الحرب ضد الارهاب. ونجد على سبيل المثال اشتعال الحرب الطائفية بين الهندوس والمسلمين في الهند وبين الهند وباكستان على خلفيات صراع حول محمية بريطانية سابقا تحتلها الهند وتسيطر على الجزء الاسلامي منها باكستان. هذه الحرب الطائفية بين الهندوس والمسلمين هي جوهر الحرب العالمية ضد الارهاب، فالمقصود عكس كل التصريحات السياسية هو «الاسلام كعدو بديل» وهو شعار طرحه نائب الرئيس ديك تشيني في مطلع التسعينيات بعد انتهاء الحرب الباردة. ولهذا نجد ان الولايات المتحدة دعمت الهندوس، ودعمت بشكل استراتيجي اسرائيل ووجهت دفة الاحداث تحت عنوان تداعيات تفجيرات واشنطن ونيويورك كمحطة جديدة على تلك السياسة الغربية. اذن لم تكن التفجيرات سببا لمسلسل التداعيات التي تلتها، بل كانت هناك منطلقات مسبقة لتوظيف هذه التفجيرات للتحرك وفق صيغة قائمة بالفعل قبلا، وهذا يسقط اصطناع ما سمي بالحد التاريخي الزمني الفاصل بين ما قبل 11 سبتمبر وما بعده كمبرر لاتمام ما جاء تنفيذه لاحقا. ويمكن قياس ذلك من خلال محاور متراكمة ومترابطة منها: ـ البعد الثقافي الحضاري في ادراك الغرب لمصادر التهديد التي جسدتها الهجمات. ـ مغزى الجهود الامريكية المحمومة لتكوين ما يسمى بالتحالف الدولي ضد الارهاب. ـ النوايا والاهداف الحقيقية وراء استعراض القوة العسكرية الامريكية المخيف والمثير للشكوك ووضع هذه القوة بين الابعاد الاخرى للحرب الحضارية الشاملة. وقبل النظر الى نتائج هذه الحرب او حصيلتها لابد ان تتبع اتجاه الريح في مالا تشتهيه السفن الامريكية او السفن الغربية، معا، او بعزف منفرد، فالغرب الاوروبي ادرك ا نه يقع في فخ القوة العظمى مسلوبا قراره السياسي، والامريكيون يدركون انهم منطلقون بلاتوقف الى جحيم لا يعرفون كيف الخروج منه، اذ لا يكفي ان تركب الصعب منطلقا، بل ينبغي ان تعرف كيفية الرجوع بطريقة صحيحة، وذلك جوهر ما استند اليه المحللون الاستراتيجيون في فترة ما بعد الحرب، فكيف نرى مستويات هذه الحرب؟ نوايا واهداف خاضت الولايات المتحدة حربها ضد الارهاب على مستويين: ـ الاول هو مستوى الحكومات المتهمة بدعم الارهاب او ايواء الارهابيين. ـ والثاني هو مستوى الجماعات المتهمة بالارهاب، وهي كثيرة ومتنوعة تمتد من اقصى درجات التشدد الى اقصى درجات الاعتدال. لم تفرق الحرب الامريكية بين التطرف والاعتدال، وتعاملت العقلية الامريكية مع جميع الحركات والجمعيات الاسلامية باعتبارها حركات وجمعيات اصولية معادية للغرب والامريكان وللحليفة الاستراتيجية اسرائيل وبالتالي استوجب من وجهة النظر الامريكية القضاء على كل هذه المجموعات. ولعلنا نجد في ما قاله المحلل السياسي الامريكي الصهيوني توماس فريدمان في نيويورك تايمز في 27 نوفمبر 2001 دليلا على ذلك اذ قال: «اذا كان تاريخ 11 سبتمبر في الحقيقة بداية الحرب العالمية الثالثة فعلينا ان نفهم ما تقصده هذه الحرب، علينا الا نكافح لاستئصال الارهاب.. فالارهاب اداة فقط، نحن نحارب لهزيمة الايديولوجيا: التدين الديكتاتوري، فالحرب العالمية الثانية والحرب الباردة كانت صراعا لهزيمة الحزب العلماني المتطرف ـ النازية والشيوعية ـ اما الحرب العالمية الثالثة والحالية فهي معركة ضد الحزب الديني المتطرف الذي يفرض على العالم سلطة ايمانية تنفي الاخرين، انها الـ «بن لادنية» (نسبة الى بن لادن) لكنها خلاف النازية، فحكم الحزب الديني لا يمكن ان يقاتل بالجيوش وحدها، بل يجب ان يقاتل في المدارس، والمساجد والكنائس، ولا يمكن ان يهزم بدون مساعدة الائمة والاحبار والكهنة. وبالطبع ومبينا لهذه الرؤية اصدر جورج بوش اوامره في منح مكتب التحقيقات الفيدرالي سلطات تمكنه من ارسال عملاء لمراقبة الاشخاص الذين يتجمعون في المساجد او الكنائس دون سبب محدد وبالطبع ركزت الملاحقة على رواد المساجد فقط. صدعت هذه الحرب مثل ما سبقها من حروب: الخليج والبوسنة، العلاقات الدولية ولم تقتصر الصدوع على جدران الناتو التي كثر الحديث عن تداعياتها اثر حرب البوسنة. ونلمس ذلك في ملاحظة امرين سواء على الصعيد الاوروبي او الاسيوي او العربي والاسلامي وقياسا على مستويات الدعم للحرب ضد الارهاب: ـ الامر الاول: نوع من التردد والحذر من مساندة استخدام القوة العسكرية ضد افغانستان، ومخاطر اتساع نطاق استخدام القوة العسكرية على نحو يهدد بحرب اقليمية. ـ الامر الثاني: نوع من الاتهام ـ الضمني احيانا والصريح احيانا اخرى ـ بأن السياسات الامريكية العالمية مسئولة عن اثارة العداء ضد الولايات المتحدة وان على الولايات المتحدة ان تتأنى في حساباتها وتحركاتها حفاظا على السلام العالمي. وهناك من المحللين الغربيين من ذهب الى تحذير الحكومات الغربية ونصحها بأهمية بناء استراتيجيتها في المنطقة العربية والاسلامية على اسس مغايرة للسائدة حاليا، واهمها «ضرورة التخلي عن دعم الانظمة الديكتاتورية التي تخرق حقوق الانسان وتنتهك الحريات العامة» وتقديم المساعدة لمشاريع التغير الديمقراطي. وقدم هذا التيار تفسيرا مختلفا عن الولايات المتحدة للعنف الذي جنحت اليه بعض الجماعات الاسلامية المتشددة، محيلين ذلك الى ما تشعر به الاغلبية في العالم العربي الاسلامي من امتعاض ازاء السياسة الخارجية الامريكية والغربية عموما، خاصة في ما يتعلق بموضوعين اساسيين: ـ الانحياز الامريكي المطلق لاسرائيل. ـ الدعم الذي تجده بعض الانظمة المستبدة من الولايات المتحدة تحت ذريعة الحفاظ على الاستقرار العالمي. توازن مفقود لا عجب ان سمى بعض المحللين لحظة 11 سبتمبر بـ «لحظة انفجار لعدم التوازن» فالزلزال الامريكي هز العالم بعد ان هز الولايات المتحدة، وهو ما يحلو للبعض استخدامه للتعبير عن عدم التوازن او الظلم في السياسة الامريكية وتصرفها تجاه هذا الامر. ووفقا لمؤشر السياسة الدولية فان ساحة هذا الزلزال امتدت من اقصى اسيا الى اقصى افريقيا وبالذات منها الشمال الافريقي والمنطقة العربية فيه، وترسم الخطوط السياسية الحمراء حدود الدول المحيطة بالبحر الاحمر، وشمال افريقيا حتى المغرب، بينما تؤطر اسيا برمتها كمركز لهذا الزلزال، خاصة وقد اصبحت هذه المناطق بحكم ظروف كثيرة الاكثر ضغطا والاكثر شعورا بعدم التوازن والاكثر ثراء بعد هذا، وهي مناطق المصالح الامريكية بالتحديد. تعيش هذه المناطق كما هو معروف وفي جوفها شقان من الاضطرابات داخلية، وخارجية، ومن ثم رأت امريكا ان لحظة انفجار 11 سبتمبر اثبتت ان هذه الاوضاع لا ينبغي ان تستمر بهذا الشكل، وهكذا نجد الخطاب الامريكي تجاوز قصة بن لادن الى قضية الحرب المفتوحة. ومن نتائج ذلك: ـ عودة الاضطرابات بل وبلوغها ذروة اشتعالها بين الهند وباكستان على خلفية تفجير بمبنى البرلمان الهندي اتهم به المسلمون الهنود ممن تدعمهم باكستان. وانعكس ذلك على الداخل الباكستاني الذي قدم تنازلات كثيرة لكي لا يتهم بالارهاب فازداد قمعه للحركات السياسية التي باتت تعرف بـ «المسلمة» وكأن باكستان برمتها ليست مسلمة. ـ ربطت اسرائيل قضية الارهاب وفق المفهوم الامريكي بحربها مع العرب، وصارت تعد العدة لحرب اخرى ضد مااسمته بالارهاب محركة التها العسكرية في اخطر مرحلة واخطر منطقة من مناطق العالم اشتعالا ونقصد الشرق الاوسط. ـ استفادت الولايات المتحدة الامريكية من دخولها ساحة صراعها السابق مع السوفييت وخاصة الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق وكرست وجودها معززة قواعدها بشكل لا يوحي بالبقاء المؤقت الامر الذي دفع اوروبا الطلب من جورجيا بلجم الوجود الامريكي. ـ التحالف الاوروبي ـ الامريكي بدا ضعيفا، وآل في النهاية الى انفصال او محاولات انفصال خاصة عندما حددت امريكا اهدافها الحقيقية وهي «التدخل في الشئون الداخلية لدول العالم الثالث» بهدف رسم معالم عالمها الجديد او اعادة اقلمة المناطق وفق مصالحها واستراتيجياتها. ـ السيطرة على المنافذ البحرية العالمية بحجة مطاردة بن لادن ومنعه من الفرار، مما دفعها وجعلها تثبت قواعدها في المحيطات وتزيدها عدة وعتاداً. ـ تذويب مفهوم المقاومة في مفهوم الارهاب لتحقيق اهدافها بل واسقاط مفهوم الجهاد وجعله مرادفا لفعل اجرامي ينبغي اجتثاثه، وبذلك وضعت الاسلام في كفة حرجة لا تعرف لنفسها توازنا مع تداعي الانظمة السياسية العربية وسقوطها في فخ الحرب الجديدة والبحث عن منافذ للخروج من مأزق الاتهام الامريكي. القواعد الامريكية وينظر الى القواعد الامريكية التي امتدت على طول الجسد الاسيوي على انها افراز اخر لحرب الارهاب الامريكية، ويقارنه المحللون بنتائج حرب الخليج التي افرزت قواعد دائمة في المنطقة العربية وما يحيط بها. اول من حذر من اطالة الوجود الامريكي في اسيا بعد افغانستان كانت روسيا التي دقت طبولها واعلت نفيرها محذرة من اطالة هذا الوجود في اوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وكازاخستان والتي اشارت بشكل واضح الى ان استغلال عملية مكافحة الارهاب لتثبيت التواجد العسكري في افغانستان واسيا الوسطى هو امر خطير. احدى الصحف وهي صحيفية أزفستيا لجأت الى عرض تفاصيل عن القواعد العسكرية التي تزمع امريكا استئجارها لاماد طويلة في اسيا الوسطى مشيرة الى ان البنتاجون يزمع استئجار القاعدة العسكرية السوفييتية سابقا في خان اباد الاوزبكية لمدة 25 عاما. الصحيفة كشفت ايضا ان الامريكيين بصدد انشاء قاعدة ايضا في مطار ميناس القرغيزي اضافة لمدرج في منطقة غلاب الجبلية الطاجيكية. مجموعة شنغهاي، ايضا اقلقها الاعتزام الامريكي بالاستقرار في اسيا فرأت ان هذا الوجود بات يفتقد لمبرراته، محذرة من ان «اي محاولات لفرض اشكال اخرى من الادارة على الحكومات الاسيوية بعد الافغانية غير مقبول وانه سيفضي الى ازمة جديدة». المجموعات الاسيوية باختلافها ربطت بين رغبة امريكا بالتدخل في الشئون الداخلية للدول والوجود في اسيا، معتبرة ان الحرب ضد الارهاب كانت محدودة الاهداف ولا يجوز ان تتوسع هذه الحرب لتطال سيادة الدول. هذه التوجسات دفعت بدول الفيتو الى التهديد باستخدام حق الفيتو للحيلولة دون وجود قواعد عسكرية واخرى تابعة للناتو في دول اسيا الوسطى وكان ابرزها روسيا التي مازالت تعتبر الجمهوريات المستقلة ساحتها السياسية. لقد خلص السياسيون والمحللون بعد مضي سبعة اشهر على احداث 11 سبتمبر الى ان عملية «الانتقام الامريكي» بدأت تأخذ شكلا سياسيا جديدا، وان مفهوم الانتقام كذريعة لخوض الحرب كان يهدف للتصفيات العسكرية والسياسية وفق استراتيجية امريكية مدروسة، ولم يصدق احد انها جديدة بحداثة 11 سبتمبر.