هذا الكتاب ثمرة جهد موضوعي، منصف، استمر طويلاً، سعى المؤلف من خلاله إلى إزاحة الستار عن أسرار إحدى الجرائم الاستعمارية الأكثر بشاعة، والتي ارتكبت في القرن الماضي وراح ضحيتها الزعيم الافريقي باتريس لومومبا الذي ناضل من أجل حرية وطنه، الكونغو، واستقلاله، ومن أجل وحدة القارة الافريقية التي ينتمي إليها. ومؤلف الكتاب، لودو دي فيتي، عالم اجتماع، وكاتب معروف، وقد ترجم كتابه إلى أربع لغات، وأدى نشره إلى قيام البرلمان البلجيكي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لبحث ملابسات عملية اغتيال باتريس لومومبا، بعد أن ظلت الشكوك تحوم حول هوية مرتكبيها والضالعين معهم لأكثر من أربعين عاماً، بينما كان واضحاً أن مسئولية مؤامرة الاغتيال تقع بكاملها على عاتق شركاء كثيرين تتصدرهم الحكومتان البلجيكية والأمريكية ووكالة ال«سي. اي. إيه» وهيئة الأمم المتحدة. سنحاول في ختام هذه المناقشة لكتاب دي فيتي ان نجمع أطراف الخيوط العديدة التي تتبعها المؤلف في غمار محاولته الكشف عن احدى أبشع الجرائم السياسية التي ارتكبها الاستعمار الأوروبي في القرن الماضي، ولنبدأ من فصول متناثرة في نهاية الكتاب، أولها بعنوان «الساعة الأخيرة في حياة لومومبا». ففي الساعة العاشرة من مساء ذلك اليوم 18 يناير 1961، وضع لومومبا وزميلاه اوكيتو ومبولو في سيارة ضمن قافلة مؤلفة من أربع سيارات أمريكية سوداء وسيارتي جيب، وقد جلس في السيارات الثلاث الأولى بالاضافة إلى السائقين رئيس كاتانجا الانفصالي لي تشومبي ووزراؤه كيتنجي ومونونجو وكيبوي ومعهم المفوض سابوي، وربما الوزير كيمبا، وكان الكابتن جات في السيارة الرابعة التي يقودها المفوض فيرشور (وكلاهما مكلف بقتل السجناء) وكان معهما في السيارة نفسها السجناء الثلاثة، وقد قيدت أيديهم خلف ظهورهم. على أضواء المشاعل اتجهت السيارات بسرعة عبر حقول السافانا إلى منطقة تقع بها شلالات كورنيه ومحطة كهرومائية، وهي منطقة مستنقعات شاسعة تستوطنها الطيور، وعلى بعد نحو ثلاثمئة متر توقفت القافلة، وكانت الساعة قد بلغت الحادية عشرة إلا ربع مساء، وكانت أضواء السيارات تضيء الموقع بعد ان تمت التجهيزات للمذبحة على ضوء المشاعل في انتظار وصول القافلة واختير ثمانية جنود وتسعة رجال شرطة للمشاركة في تنفيذ عملية الاعدام، ولم يجد الرجال صعوبة في حفر القبور، لأن الأرض كانت رملية ورخوة، ونزل الجميع من السيارات ما عدا السجناء، وتبادل الكابتن جات بضع كلمات مع الوزراء الواقفين أمام القبور، وكان يبدو عليهم المرح وتبادلوا بعض النكات، وبعد قليل أخرج الضحايا من السيارة، وكانوا حفاة ولا يرتدون إلا السراويل وصديريات في جو قارس البرودة، وفك فيرشور القيود من أيديهم، وسار وراء لومومبا، وسأله الزعيم الافريقي: «سوف تقتلوننا.. أليس كذلك؟» فأجابه فيرشور: «بلى». كانت تلك الكلمات الأولى التي تفوه بها السجناء منذ مغادرتهم ذلك المنزل الرهيب الذي سجنوا في حمامه، وقد ذكر المفوض فيرشور بعد ذلك أن لومومبا، تلقى اجابته على سؤاله بشجاعة، وكان شامخاً، وهو يلاقي الموت، وقال المفوض ان السجناء الثلاثة وقفوا حفاة، وقد حملت أجسامهم آثار التعذيب الذي تلقوه في الساعات السابقة، وقال لهم المفوض: «سوف نطلق الرصاص عليكم» وذكر المفوض جات انهم «منحوا بعض الوقت ليصلّوا في انتظار الموت، ورفض لومومبا هذه المنحة». وفي الوقت نفسه استعدت فرقة الموت الأولى المكونة من جنديين من الجيش واثنين من رجال الشرطة، وأخذ فيرشور جوزيف أوكيتو إلى شجرة استند إليها أوكيتو وهو يدير وجهه في مواجهة فرقة الموت التي كانت على مسافة أربعة أمتار. وانطلقت زخة قصيرة من الرصاص وسقط بعدها نائب رئيس مجلس الشيوخ، وأسرعوا بالقاء جثته في القبر.وأخذ المفوض معه موريس مبولو إلى الشجرة، وانطلقت زخات الرصاص من فرقة الموت الأخرى وفي النهاية واجهت فرقة موت ثالثة باتريس لومومبا.. ووفقاً لرواية المفوض فيما بعد قال: «انه كان صامتاً.. غامض النظرات.. مذهولاً.. ولكنه لم يبد أي مقاومة» وانطلقت زخات هائلة من الرصاص ثقبت جسد رئيس الوزراء الكونغولي السابق وجعلته كالغربال، وقال مفوض الشرطة: «بعد الاعدام التقطنا نصف كيلو من فوارغ طلقات الرصاص». ويقول المؤلف ان لومومبا كان يعلم جيداً ان مصيره سيكون الموت، وقد قال قبل عدة أشهر من مصرعه: «إذا مت غداً فسيكون ذلك لأن رجلاً أبيض قد وضع السلاح في يد رجل أسود». ويوم موته لم يكن قد أكمل بعد السادسة والثلاثين من عمره، ولم تستغرق الجريمة أكثر من خمس عشرة دقيقة. وقد اعترف أبطال المذبحة بأن الضحايا الثلاثة كانوا يتمتعون بالشجاعة، وقال كازافوبو نفسه في وقت لاحق ان لومومبا عاش الساعات القليلة قبل موته مترفعاً وشجاعاً بدرجة غير عادية. ويتحدث المؤلف عن واقعة تكشف مدى عنصرية المبشرين الأوروبيين وتنكرهم حتى لمبادئ دينهم ذاتها فقد كان الكاهن المرافق للجنود واسمه بيير ادم، يعرف مساء 17 يناير المصير الذي سوف يلقاه السجناء الثلاثة، ولكنه أدار وجهه للجريمة ولم يكن يقلقه إلا افتضاح تورط بلجيكا في المذبحة فأرسل رسالة هاتفية إلى ميجور ويبر في قيادة الجندرمة يقول له فيها: «المهم قبل كل شيء ألا تظهر اثار الدماء على أيدينا» ويقول الكاتب لودو دي فيتي ان هذا القس كان يقاتل بالبندقية والصليب منذ عام 1950 من أجل انفصال اقليم كاتانجا الغني بالمعادن عن بقية الكونغو، ويروي المؤلف واقعة أخرى بطلها جوزيف كورنيليس أسقف اليزابيث فيل «عاصمة تشومبي» ويصفه المؤلف بأنه لم يخف عداءه للومومبا وبات مرتاح البال بعد اغتياله وقد ذهب إليه المفوض فيرشور الذي اشترك في المذبحة، ولعله قد شعر بشيء من تأنيب الضمير، فأراد ان يتلقى نصيحة الأسقف المسيحي الأبيض وقال له الأسقف وهو مرتاح الضمير: انه ذنب مغفور! القتلة يعززون مواقعهم يبدو ان جريمة الاغتيال قد فتحت الطريق للقتلة لكي يسرعوا بتعزيز حصونهم المعادية للقومية في المستعمرة السابقة، ففي 23 يناير 1961 اقيم احتفال في معسكر نكوكولو في العاصمة الكونغولية، حيث أعلن كازافوبو ترقية موبوتو إلى رتبة جنرال وهي ترقية يرى المؤلف انها ذات طابع سياسي لتقوية الجيش السند الوحيد له فضلاً عن دعم موقف موبوتو داخل الجيش، كذلك أخذت كاتانجا تقوي قواتها المسلحة، وفي يوم ترقية موبوتو نفسه عقدت صفقة شراء 12 عربة مدرعة كان مقررا ارسالها من بريطانيا إلى حكومة جنوب افريقيا العنصرية آنذاك، التي وافقت على التنازل عنها من أجل العنصريين في كاتانجا، وفي الفترة نفسها تقريباً هبطت طائرة في مطار اليزابيث فيل وعلى متنها خمسون من الجنود المرتزقة من بلجيكا للانضمام إلى جيش كاتانجا، الذي كان يستعد لشن هجوم ساحق على ثوار قبيلة بالوبا. حفلة كاتانجا التنكرية تحت عنوان ساخر هو: «حفلة تنكرية في كاتانجا» يتحدث المؤلف عن محاولة زعماء الاقليم الانفصالي اخفاء معالم جريمتهم، ويذكر ان موضوعاً واحداً ساد الاجتماع اليومي للجنة الاستشارية البلجيكية في كاتانجا ـ وهي التي تدير الأمور هناك ـ وهو كالتالي: «الآن وقد مات السجناء.. ماذا بعد؟» ويقول فاندوال في كتابه «ألف وأربعة أيام» انه لم يكن أمام اللجنة غير حل واحد، هو التأكيد على ان الوطنيين الثلاثة آمنون في سجنهم ويعاملون معاملة طيبة وأرسل رئيس أركان الجيش أحد ضباطه وهو الكابتن جات (الذي اشترك في المذبحة) إلى عدد من كبار الضباط لاستطلاع رأيهم فوافقوا، وتم ارسال عدة ضباط ليتسكعوا في المشارب وينشروا اشاعة مفادها انهم احتجزوا لومومبا حتى الظهيرة ثم أخذوه إلى مخبأ سري، وفي نشرة أخبار الواحدة أعلن راديو كاتانجا ان السجناء وصلوا في الليلة السابقة ونقلوا على الفور إلى مكان أكثر أمناً خارج المدينة. اقترح الكسندر بيلينا، المستشار القانوني لرئيس كاتانجا، أمراً نفذ فيما بعد مع بعض التعديلات، فقد ذكر في الاجتماع انه لن يسمح لأحد برؤية الجثث، كما انهم لن يستطيعوا الزعم بأن التماسيح التهمتهما ذلك ان التماسيح لا تترك ثقوب طلقات الرصاص في أجسام ضحاياها، واقترح بيلينا السيناريو التالي: «حاول السجناء الهروب في احدى سيارات الحرس لكن السيارة استقرت عجلاتها في حفرة، وكان عليهم ان يستمروا في محاولتهم مشياً على الاقدام فتعرف عليهم بعض القرويين وقتلوهم في المكان نفسه» وقرر المجتمعون تأليف تمثيلية تؤكد هذا الاقتراح فأخذ الكابتن جوليان جات سيارتين سوداوين من دائرة الاشغال العامة وثلاث سيارات جيب وشاحنة، وجلس ثلاثة من رجال الشرطة في ملابس مدنية، في المقاعد الخلفية لاحدى السيارات وكأنهم هم السجناء الثلاثة، ومرت السيارات في مناطق مختلفة في جنوب غرب كاتانجا، وعلى بعد 620 كيلومترا من اليزابيث فيل، وتوقفت في عدة أماكن لتوهم الناس بأن السجناء ما زالوا أحياءً، وقد بدأ ذلك في يوم 27 يناير وفي 10 فبراير أعلن راديو كاتانجا هروب لومومبا، ورفيقيه، بأن أحدثوا ثقباً في حائط السجن، واستولوا على سيارة وأعلن النظام عن مكافأة قدرها 300 ألف فرنك بلجيكي لمن يرشد عن لومومبا، و 50 ألفاً لمن يرشد عن كل من زميليه. واستقبل السيناريو بالسخرية، منذ اللحظة الأولى، فلجأ وزير الداخلية مونونجو إلى توزيع صور للسجن وقد أحدث في حائطه ثقباً، وكذلك صورة لسيارة واقعة في حفرة، وقد وقف بجوارها جوليان جات، وجول ألار من المخابرات. وامتدت «حفلات التنكر» إلى كل من بروكسل ونيويورك، حيث كان من المؤكد ان كلاً من بلجيكا والأمم المتحدة كانت على علم بمصير الزعماء الوطنيين الثلاثة. في أعماق الجحيم نصل الآن مع المؤلف إلى تفاصيل تنفيذ خطة القضاء على الجثث الثلاث في فصل اختار له المؤلف عنوانا: «في أعماق الجحيم» وقبل حلول الظلام في 18 يناير 1961 توجهت قافلة إلى مكان الاعدام، وهي تضم كلاً من مفوضي الشرطة سوتي وفيرشور وسابوي ورجال الشرطة التسعة الذين شاركوا في عملية الاعدام، ولم يستغرق نبش القبور وقتاً طويلاً لاخراج الجثث الثلاث، التي قاموا بلفها بقماش من المشرحة، ووضعها في الشاحنة. وبينما عاد البعض إلى اليزابيث فيل، توجه سوتي وفيرشور وثلاثة كونغوليين بالشاحنة نحو منطقة كاسينجا على بعد 220 كيلومترا شمال شرق العاصمة في اتجاه الحدود مع روديسيا، وهي منطقة تقطنها قبيلة باييك، وكان زعيمها انطوان مونونجو الأخ غير الشقيق لوزير داخلية تشومبي، وتوقفت الشاحنة غير بعيد من مدينة كاسينجا ووضعت الجثث في حفرة حفرت على عجل وعلى بعد خطوات قليلة من الطريق، ثم أحرق قماش المشرحة الذي لفت به، وعند هذا الحد انتهت مهمة المفوض فرانز فيرشور، ولكنه احتفظ بشيء للذكرى، وهو عبارة عن طلقة رصاص من عيار 7.62 كانت مستقرة في جمجمة لومومبا. ولم تبق الجثث الثلاث مدة طويلة في قبرها الجديد، فقد وضعت خطة محددة خلال اليومين التاليين، وفي ساعة مبكرة من صباح الحادي والعشرين من يناير توجه إلى كاسينجا أوروبيان يرتديان زياً رسمياً ومعهم عدد قليل من المساعدين الافارقة، وقد استخدموا شاحنة تابعة لدائرة الاشغال العامة تحتوي على علامات مرور ومعدات للمساحة ووعاءين كبيرين ممتلئين بحمض الكبريت، وبرميل بترول فارغ سعة 200 لتر، ومنشار معدني، وعند وصولهم وضعوا علامات الطريق المرورية والأضواء اللازمة لكي يوهموا المارة بأنهم يقومون بعملية مساحية للأراضي.ولم يستطيعوا العثور على القبر، فتوقفوا عن البحث ليلاً، ولم ينجحوا في العثور عليه إلا في مساء اليوم التالي حيث نبشوه وأخرجوا الجثث وقاموا بتقطيعها بالسكاكين والمنشار، ووضعوها في البرميل الممتلئ بحمض الكبريت، وقد استغرقت العملية ساعات طويلة، ولم يفرغوا منها إلا في صباح اليوم التالي 23 يناير، ولكنهم اكتشفوا ان كمية حمض الكبريت لم تكن كافية لحرق جميع الاجزاء. ووفقا لما ذكره المفوض فيرشور فإنهم قاموا بطحن الجماجم والعظام والاسنان التي لم يقض عليها الحمض ولا النار، وقاموا بنثرها في طريق عودتهم، وكذلك فعلوا الشيء نفسه برماد باقي أجزاء الجثث، وهكذا لم يتبق شيء من الزعماء الوطنيين الثلاثة، واستحال العثور حتى على أدق أثر لهم على الاطلاق. وقد ألف مفوض الشرطة جيرار سوتي كتاباً بعنوان «الحلبة.. قصة اغتيال لومومبا» وصف فيه تلك العملية البشعة بأنها «عمل شيطاني» يمثل ذروة تدخل الغرب في شئون الكونغو. وجاء هذا الوصف في فصل أسماه «في أعماق الجحيم» وهو العنوان الذي اقتبسه دي فيتي في كتابه. وقد احتوى ذلك الفصل على تفاصيل مروعة عن تقطيع جثث الزعماء الثلاثة وانتزاع بعضهم لأسنان ذهبية من فك لومومبا واصبعين من احدى يديه فضلا عن اذابة الجثث بحمض الكبريت. وأدى افتضاح الجريمة وتفاصيلها إلى انفجار الغضب الشعبي في أنحاء العالم فقامت مظاهرات عارمة في بلجراد والقاهرة ولندن وفيينا ووارسو وموسكو ونيودلهي وقام المتظاهرون في العاصمة الهندية بمسيرة احتجاج نحو السفارة البلجيكية، ومزقوا صورة الملك بودوان على حائطها، وحملوا لافتات تقول: «اطردوا الأمم المتحدة!» و «أفريقيا للأفارقة». وفي بلجراد اخترق المتظاهرون حواجز الشرطة واندفعوا إلى داخل السفارة البلجيكية ودمروها وأحرقوا علم بلجيكا، كذلك هوجمت السفارة الفرنسية في يوغسلافيا، وقام آلاف المتظاهرين الغاضبين باشعال النيران في مبنى السفارة البلجيكية في القاهرة ووضعوا صورة لومومبا بدلاً من صورة الملك بودوان على المبنى، وتمكن السفير البلجيكي وزوجته وأعضاء سفارته من الهرب إلى السفارة الكندية، واستهدفت الاحتجاجات الغاضبة أيضاً الولايات المتحدة وهيئة الأمم المتحدة فتعرض مبنى مركز الاستعلامات التابع للأمم المتحدة والمواجه للسفارة الأمريكية في القاهرة للدمار، وفي أكرا انتزع المتظاهرون لوحة السفارة الأمريكية من حائط مبناها وداسوا علم المنظمة الدولية بأقدامهم. وفي مجلس الأمن الدولي اضطر همرشولد الى وصف المذبحة بأنها جريمة مقززة ارتكبت ضد المبادئ التي تقوم عليها هذه المنظمة! ويقول المؤلف ان همرشولد اردف يقول من دون ان تطرف له عين: «انه سوف ينظر فيما إذا كانت المنظمة الدولية مسئولة جزئيا عن المصير الذي لقيه لومومبا» ولقد كذب بشأن دور الأمم المتحدة الذي لعبته في قيام قوات موبوتو باعتقال لومومبا في بداية شهر ديسمبر، وزعمت ان المنظمة لم تكن تعلم مكان وجوده وبالتالي لم تستطع حمايته، كذلك كذب همرشولد في زعمه بأن نقل لومومبا إلى كاتانجا كان «خارجاً تماماً عن سيطرة أجهزة الأمم المتحدة». ويؤكد المؤلف انه لم يجد أي وثيقة على الاطلاق تشير إلى استعداد المنظمة الدولية لتقديم أي مساعدة أو حماية للزعيم الافريقي وزملائه. ماذا لو... يطرح المؤلف سؤالا مهما هو: «هل كان باستطاعة لومومبا وزملائه ان يربحوا المعركة في أزمة الكونغو؟ ويقول: ان وضع نظامي كازافوبو وتشومبي الحرج في أواخر عام 1960 وأوائل 1961 يبين انه لم يكن مستحيلاً أن تنجح الحركة الوطنية، ولكن لو كان لومومبا والوطنيون الكونغوليون قد تجنبوا اخطاءً معينة واستفادوا وتعلموا من تلك الأخطاء بايقاع أسرع. ولقد كانت حتمية التغلب على الحركة الوطنية وضعف قيادتها المركزية جزءًا مهما من الدروس المستفادة من أزمة الكونغو وقد حول لومومبا الحلبة السياسية إلى نيويورك بين منتصف يوليو وأغسطس 1960 ووضع آماله في ممارسة قوات الأمم المتحدة ضغطاً ضد الانفصاليين، ولكنه لو كان قد اعتمد على جيش الكونغو الوطني والشعب الكونغولي داخل كاتانجا وخارجها لكان قد حقق الانتصار المنشود.