كان اختبار القوة تقليديا للقوى الكبرى هو «قوة الحرب»، فالحرب كانت اللعبة النهائية التي تلقى فيها أوراق السياسات الدولية ويبرهن فيها مدى صحة تقديرات القوة النسبية. لكن على مدى القرون المتعاقبة، ومع تطور التقنيات تحولت مصادر القوة واتخذت اتجاهات مختلفة. اليوم اصبحت اسس القوة تبتعد عن التشديد على القوة العسكرية اذ ان مزيجاً من العوامل، مثل الاسلحة النووية، التي تعد أفظع من أن يسمح باستخدامها، وصعوبات بناء امبراطوريات في عصر القوميات وعدم استعداد المجتمعات الاوروبية لارسال جنودها الى القتال، كل ذلك ساهم في جعل الحرب الملاذ الأخير لمعظم الدول المتطورة، ومثلما يقول الدبلوماسي البريطاني روبرت كوبر: «ان عدداً كبيراً من أقوى الدول في العالم لم تعد راغبة في القتال أو الغزو». ومع أن الحروب لاتزال محتملة النشوب، إلا أنها اقل قبولاً بكثير الان عما كانت عليه الحال قبل نصف قرن مضى. فبالنسبة لمعظم القوى الكبرى اليوم يؤدي استخدام القوى لتعريض سعيها لتحقيق الاهداف الاقتصادية للخطر وحتى الدول غير الديمقراطية التي تستشعر قيوداً أخلاقية على استخدام القوة يتعين عليها الاخذ بعين الاعتبار تأثيرات الحرب على أهدافها الاقتصادية. ويعبر توماس فريدمان عن ذلك بالقول ان الدول خاضعة للانضباط المفروض من قبل «القطيع الالكتروني» من المستثمرين الذين يسيطرون على امكانية حصولها على رأس المال في الاقتصاد المعولم. ان القوة تظل مهمة، كما رأينا، في 11 سبتمبر وافغانستان، لكن من المهم ايضا تنبيه التحالفات الدولية وبناء المؤسسات لمواجهة التهديدات والتحديات المشتركة. ومثلما ذكرت ذلك في كتابي «مفارقة» القوة الامريكية: لماذا لا تستطيع القوة العظمى في العالم التحرك منفردة»، لا يوجد أي دولة الآن كبيرة بما يكفي لتحل مشكلة الارهاب الدولي لوحدها. كما ان هناك ايضا طرقاً غير مباشرة لممارسة القوة. اذ تستطيع دولة ما ان تضمن حدوث النتائج التي تريدها في السياسات الدولية لأن دولاً أخرى تطمح الى ان تحقق ما لتلك الدول من مستوى رخاء وانفتاح. فمن المهم جداً وضع جدول أعمال السياسات الدولية وجذب الآخرين نحوها بقدر امكانية اجبارهم على تغيير مواقفهم بالتهديد باستخدام القوة أو السلاح الاقتصادي. وهذا الشكل من القوة هو «القوة الناعمة» أي دفع الآخرين ليريدوا ما تريده أنت. إن الآباء العاقلين يعرفون انهم اذا ما ربوا ابناءهم على القيم الصحيحة فستكون سلطتهم اكبر مما لو اعتمدوا على تقليص المصروف اليومي واخفاء مفاتيح السيارة. وعلى النحو نفسه، فهم القادة والمفكرون مثل انطونيو جرامشه منذ وقت ليس بالقصير القوة المتأتية من المقدرة على تحديد اطار نقاش سياسي ما. فإذا ما استطعت جعلك راغباً في فعل ما أرغب منك فعله، فلن يكون عليّ حينها ان اجبرك على فعل ما لا تريد أنت فعله. إن «القوة الناعمة» ليست مجرد انعكاس للقوة الضارية. فالفاتيكان لم تفقد قوتها الناعمة بعد أن فقدت الدول البابوية في ايطاليا في القرن التاسع عشر. وعلى العكس من ذلك فقد الاتحاد السوفييتي معظم قوته الناعمة بعد أن عزل المجر وتشيكوسلوفاكيا، على الرغم من أن موارده الاقتصادية والعسكرية استمرت في النمو، فالسياسات الامبراطورية التي استفادت من القوة القاسية السوفييتية أضرت عملياً بقوته الناعمة، كما ان دولاً مثل كندا وهولندا والدول الاسكندنافية تتمتع بنفوذ سياسي يفوق وزنيها الاقتصادي والعسكري نتيجة دعمها للمعونات الدولية وعمليات حفظ السلام. ان الدول الاوفر حظاً في اكتساب القوة الناعمة هي تلك الدول الاكثر قرباً من الاعراف الدولية الخاصة بالليبرالية والتعددية والاستقلال الذاتي وتلك القادرة على تحقيق أكبر قدر من القنوات المعقدة للاتصال وتلك التي تعزز مصداقيتها بأدائها الداخلي والدولي. وهذه الأبعاد جميعها تعطي ميزة كبيرة للولايات المتحدة واوروبا. في الثلاثينيات اصبحت ادارة الرئيس الامريكي روزفلت على اقتناع بأن أمن امريكا يعتمد على مقدرتها على التواصل مع شعوب الدول الاخرى وكسب دعمها. وفي الحرب العالمية الثانية وطوال الحرب الباردة قدمت الولايات المتحدة دعماً لهيئات مثل وكالة الولايات المتحدة للاعلام واذاعة صوت امريكا وبرنامج فولبرايت لتبادل الطلاب. لكن معظم القوة الناعمة هو نتاج قوى خارجة عن سيطرة الحكومة، فحتى قبل الحرب الباردة كانت شركات الإعلان وغيرها من الشركات الامريكية واستديوهات هوليوود لا تبيع منتجاتها فحسب بل وتصدر ايضا القيم والثقافة الامريكية واسرار نجاحها لبقية العالم. غير ان هناك اماكن، مثل الشرق الاوسط، يعمل التناقض القائم فيها مع الثقافة الامريكية، بل وحتى المعارضة المباشرة لها، على الحد من قوة امريكا الناعمة. فقد كانت كل التلفزيونات في الدول العربية مملوكة للدول هناك حتى سمحت قطر لمحطة جديدة هي «الجزيرة» بالبث بحرية واكتسبت شعبية واسعة النطاق في الشرق الأوسط. واستطاعت الصور التي تبثها من دون أي رقابة وتنوعت من اسامة بن لادن وحتى توني بلير ان تكسبها نفوذاً سياسياً قوياً. وتمكن ابن لادن بتقديم نفسه بصورة روبن هود من ان يكسب قوة ناعمة أكبر بين بعض المسلمين حول العالم. وأورد هنا وصف صحافي عربي لهذه القناة في وقت سابق بالقول: «لقد مثلت الجزيرة للانتفاضة ما مثلته الـ «سي.إن.إن» بالنسبة لحرب الخليج الثانية» ان انفتاح الثقافة الغربية يجعلها منفردة في عيون البعض في الشرق الاوسط لكن بالنسبة لمعظم أرجاء العالم بمن في ذلك الكثير من المعتدلين والشبان لاتزال ثقافتنا قادرة على تحقيق الجاذبية. ومادامت السياسات الرسمية في الداخل والخارج ملتزمة بالديمقراطية وحقوق الانسان والانفتاح واحترام آراء الآخرين، فإن الولايات المتحدة وأوروبا ستستفيدان من التحولات في عصر المعلومات العالمي هذا، على الرغم من ان جيوب التشدد ستواصل الرفض في بعض الدول. ان القوة في عصر المعلومات العالمي قد اصبحت اقل جبرية في الدول المتقدمة. لكن معظم العالم لا يتكون من مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية وهذا يحد من تحول شكل القوة. فلاتزال معظم افريقيا والشرق الاوسط حبيسة مجتمعات زراعية ما قبل الثورة الصناعية ومرهونة بمؤسسات ضعيفة وحكام سلطويين. فيما دول اخرى مثل الصين والهند والبرازيل تشهد اقتصاديات صناعية تحاكي اجزاء من الغرب في اواسط القرن العشرين. وفي مثل هذا العالم شديد التباين لاتزال المصادر الثلاث للقوة وهي العسكرية والاقتصادية والناعمة ذات صلة بالواقع. غير ان التحولات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة اذا ما استمرت فإن القيادة في الثورة المعلوماتية والقوة الناعمة ستصبح اكثر اهمية في هذا المزيج. عن «اوبزرفر»