هذا الكتاب ثمرة جهد موضوعي، منصف، استمر طويلاً، سعى المؤلف من خلاله إلى إزاحة الستار عن أسرار إحدى الجرائم الاستعمارية الأكثر بشاعة، والتي ارتكبت في القرن الماضي وراح ضحيتها الزعيم الافريقي باتريس لومومبا الذي ناضل من أجل حرية وطنه، الكونغو، واستقلاله، ومن أجل وحدة القارة الافريقية التي ينتمي إليها. ومؤلف الكتاب، لودو دي فيتي، عالم اجتماع، وكاتب معروف، وقد ترجم كتابه إلى أربع لغات، وأدى نشره إلى قيام البرلمان البلجيكي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لبحث ملابسات عملية اغتيال باتريس لومومبا، بعد أن ظلت الشكوك تحوم حول هوية مرتكبيها والضالعين معهم لأكثر من أربعين عاماً، بينما كان واضحاً أن مسئولية مؤامرة الاغتيال تقع بكاملها على عاتق شركاء كثيرين تتصدرهم الحكومتان البلجيكية والأمريكية ووكالة ال«سي. اي. إيه» وهيئة الأمم المتحدة. في يناير 1961 قام داج همرشولد الامين العام للأمم المتحدة بزيارة ليوبولدفيل، حيث استقبلته مظاهرات مؤيدة للومومبا وعندما حاول الزعيم الوطني كاميتاتو إعطاءه رسالة لومومبا التي كتبها اليه في سجنه وهربها خارجه، والتي وصف فيها الظروف غير الانسانية التي يعانيها السجناء السياسيون في كامب هارودي، إحمر وجه همرشولد، وطلب منه تسليم الرسالة الى سكرتيره الخاص. ولا شيء يبرر موقف المسئول الدولي وإحساسه بالاحراج، وهو شريك في المسئولية عن الموقف المحزن الذي وضع فيه الرجل الذي طلب مساعدة المنظمة الدولية لبلاده. وكانت الفقرة من الرسالة التي احرجت همرشولد بلا جدال هي تلك التي يصف فيها لومومبا الطبيعة التعسفية لاعتقاله. ويتساءل مؤلف الكتاب: ألم يكن من بين واجبات الحفاظ على القانون والنظام ان تبادر الامم المتحدة إلى مساعدة السلطات الكونغولية؟ لقد وقفت قوات الأمم المتحدة موقف المتفرج السلبي، بينما هي ترى إنسانا يعتقل ويعذب امامها على الرغم من تمتعه بالحصانة البرلمانية. وكان ذلك بواسطة ما أسماه المؤلف جيش الرعاع التابع لموبوتو، والذي وصفه دايال ممثل المنظمة الدولية في الكونغو بأنه: «الصانع الاساسي للاضطرابات التي أغرقت ليوبولدفيل في حالة من الارهاب». وبالاضافة الى رسالة لومومبا الى همرشولد كتب الزعيم الكونغولي كاميتاتو رسالة شخصية منه الى السكرتير العام يقول له فيها:«ان السيد لومومبا عانى من معاملة غير انسانية لمدة 35 يوما، وخلال هذه المدة لم يسمح له بالاستحمام غير ثلاث مرات فقط، ويقدم له طعام تأنف منه الكلاب (واعذرني لهذا التعبير). وهو يرتدي الملابس نفسها منذ 35 يوما، ويعيش في زنزانة مظلمة ورطبة. ولم يقف أمام محقق لاستجوابه وحتى زيارات زوجته له ممنوعة». وتجاهل زعماء المنظمة الدولية تلك الرسائل. وظل خطر الانتفاض قائما في تيسفيل وفي معسكرات موبوتو فقد كان جزء من القوات الكونغولية فيها مؤيداً للومومبا. الغمامة يرسم المؤلف صورة للموقف مع بداية العام الجديد 1961 حيث بدأ تمرد الجنود ينتشر هنا وهناك، وفي الايام الاولى من شهر يناير ارسلت السفارة البلجيكية في برازفيل تقريراً عن تمرد جديد بين الجنود وذكر التقرير ان الصورة غير مشجعة على الاطلاق خاصة وان القادة العسكريين يتهربون من ممارسة مسئولياتهم. وفضلا عن ذلك قامت الصحف الامريكية بنشر اشاعة احتفال لومومبا مع الضباط في المعسكر. ونتيحة لحالة الذعر التي انتابت العاصمة البلجيكية فان حكومة ايسكنز لم تنتظر لكي تجري تحقيقاً في الامر، بل اسرعت بارسال برقية التحذير التي ذكرناها آنفا. وقد اطلع مؤلف الكتاب على مسودة تلك البرقية في ارشيف وزارة الخارجية البلجيكية، واصرت بروكسل على ضرورة نقل الزعيم الافريقي من تيسفيل بأي ثمن، ووعدت بإمداد موبوتو بمعدات لتشكيل كتيبة محمولة جوا، وبمعونة شهرية تبلغ 120 مليون فرنك بلجيكي، وبمزيد من الضباط البلجيكيين. وفي 9 يناير نشرت صحيفة «ستاندارد» تقريراً يفيد أن المؤتمر الذي عقدته الدول الافريقية في الدار البيضاء ابدى تعاطفه مع الحركة القومية الكونغولية، واصرت الدول على عودة «الشرعية اللومومبية» وذكرت الصحيفة ان من الصعب ان ينكر احد ان لومومبا لايزال رمزاً لخلاص الكونغو من الكولونيالية، سواء كان سجيناً أم مازال يمثل كيانا سياسياً شرعيا، اما معظم الباقين من منافسيه فهم «يعتبرون خدما أو ادوات لسادتهم السابقين» حسب وصف الصحيفة. وفي 12 يناير ذكرت الصحف اليومية في بروكسل ان المناخ السياسي في العاصمة الكونغولية يشير الى انتشار القلق والتوتر العصبي. واذا لم تتخذ اجراءات فورية على الجبهتين الاقتصادية والعسكرية، فسوف يبدو من المحتم انقسام الكونغو الى قسمين يخضع الجزء الأكبر منهما لنظام لومومبا. واشارت صحف ذلك اليوم الى الفوضى التنظيمية لدى سلطات ليوبولدفيل، واعربت عن شكوكها في قدرة تلك السلطات على اتخاذ اجراءات من ذلك النوع، ويعود ذلك العجز الى تشتت مراكز القوة في ليوبولدفيل، فقد كانت القوة في أيدي ما اطلق عليه الكولونيل مارليير ـ مستشار موبوتو ـ اسم «الغمامة» وهي شبكة غير رسمية، من اشخاص وجماعات مرتبطة بشكل أو آخر مع وحدات معينة في الجيش ومع بعثات دبلوماسية غربية، وكانوا يعقدون اجتماعاتهم احيانا في مطعم حديقة الحيوانات، أو في منازل بعضهم، ومن خلال هذه الشبكة تشكلت مجموعة اخرى في نهاية عام 1960 واصبحت مركز الثقل وسميت «مجموعة بينزا». وعلى بعد 150 كيلو مترا من ليوبولدفيل حيث يقع معسكر تيسفيل، شهدت ليلة 12 ـ 13 يناير 1961 انفجار مشاعر الانتفاض لدى جنود معسكر كامب هاردي، ثم امتد ذلك ايضاً الى معسكر اخر للجيش في تلك المدينة اسمه سونانكولو. وقام الجنود باعتقال الضباط، وخرج الموقف عن السيطرة. وطالب الجنود بزيادة اجورهم، وبتشكيل حكومة جديدة، واطلاق سراح لومومبا. برقيات الكونغو عندما وصلت الانباء في اليوم التالي الى ليوبولدفيل اصيب الاوروبيون بالرعب، وانتشرت الانباء عن اطلاق سراح لومومبا وتوجهه نحو ليوبولدفيل على رأس قوات تيسفيل لتشكيل حكومة ثورية. وكما حدث في يوليو 1960 من قبل اندفع الاوروبيون الى شاطيء النهر لمحاولة عبوره الى برازافيل. ودعت خطورة الموقف وزراء الحكومة الى التوجه الى معسكر كامب هاردي وفي يوم 13 يناير نفسه توجه كازافوبو وموبوتو وننداكا وبومبوكو وجوزيف إليو، بطائرة صغيرة من طراز «دراجون» هبطت على مدرج المعسكر. ووفقا لما قالته مادلين كالب في كتابها المسمى «برقيات الكونغو» فقد قيل ان كازافوبو وموبوتو وبومبوكو وننداكا قاموا بزيارة لومومبا في زنزانته، وعرضوا عليه منصباً وزارياً في حكومة يتولى رئاستها جوزيف إليو، ولكن لومومبا رفض العرض قائلا لهم انه يوافق على اعطائه حريته كرئيس للحكومة الشرعية فقط. ومرة اخرى تقول مادلين كالب إن موقف الزعيم الافريقي «كان شجاعاً، ولكنها تعتبر انه موقف طائش لانه ادى فيما بعد الى القضاء عليه». ويرى مؤلف الكتاب الذي نناقشه هنا ان كالب ربما كانت مخطئة، لان النظام كله في ليوبولدفيل كان يشارك الحكومة البلجيكية، في رأيها القائل إن اطلاق سراح رئيس الوزراء السابق ستكون له نتائج كارثية، وكانت ليوبولدفيل تعرف جيدا موقف لومومبا وهو أنه هو رئيس الوزراء الشرعي المنتخب ولابد أن يبقى كذلك، إلا اذا قرر البرلمان شيئاً آخر. وقد ظل لومومبا ثابتا على معتقده السياسي طوال الشهور السابقة. وطالما أن الحركة الوطنية وضعت تحقق مكسب وراء الاخر مع مرور الايام، فليس من المحتمل أن يذعن لأعدائه. ولو كان من قبل عرض المنصب الوزاري لكان قد وقع في كمين بلا شك عند خروجه من الزنزانة وتعرض للقتل بحجة «محاولة الهرب». وكان موبوتو ومعه كازادي مفوض الدفاع قد توجه في 7 يناير الى معسكر نكوكولو في ليوبولدفيل للتفاوض مع جنوده الغاضبين، من دون فائدة، وعندما انفجرت انتفاضة اخرى جديدة في 14 يناير بدا ان نفوذ لومومبا أخذ يزداد هناك ايضا. وبعد يوم واحد من نقل لومومبا إلى كاتانجا، كتب دايال ممثل الامم المتحدة في الكونغو يقول في 18 يناير ان من بين أسباب نقل لومومبا الى كاتانجا ووضعه تحت رحمة تشومبي، تنامي المشاعر المؤيدة له في ثكنة تيسفيل وكذلك في معسكر نكوكولو ايضاً». وبعد ذلك بوقت طويل عاد دايال ليقول ان: «لومومبا يتمتع بقوة وراء القضبان لا تقل عن قوته وهو حر. ولا يوجد اي سجن في كونغو كازافوبو يمكن حبسه فيه في أمان». وبحلول منتصف يناير اصبحت القوات الموالية للومومبا تسيطر على نصف البلاد. واثبت فشل هجوم موبوتو وقواته انه لن يحقق نجاحاً في مواجهة جيش متحمس. ليلة لومومبا الأخيرة بدأ تنفيذ المؤامرة في ليلة لومومبا الأخيرة بخروج فيكتور ننداكا مدير المخابرات من ليوبولدفيل في ليل 16 يناير ومعه مرافقون عسكريون، وتوجهوا الى تيسفيل في سيارتين لأخذ لومومبا الى رحلته الاخيرة. كانت حاشية ننداكا مكونة من ثلاثة جنود تم اختيارهم بعناية مع قائدهم الملازم زوزو، الذي يصفه البعض بأنه: «وحش متعطش للدماء» وكانوا يريدون الوصول الى تيسفيل قبل الفجر لأن الكولونيل بوبوزو قائد المعسكر اصر على ان يصلوا بأسرع وقت ممكن لأنه كان يريدهم أن يأخذوا لومومبا في وقت مبكر قبل ان يستيقظ الجنود، حتى لا تحدث صدامات جديدة او ما هو أسوأ، وبالفعل وصل ننداكا وجماعته الى مدخل معسكر كامب هاردي في نحو الساعة 4.30 صباحاً وكان معهم اثنان من السجناء هما: موريس مبولو، وجوزيف اوكيتو اللذان كان مقرراً اخذهما مع لومومبا في رحلة الموت، ويبلغ موريس مبولو الثانية والثلاثين من عمره، وشغل منصب وزير الرياضة والشباب في حكومة لومومبا، اما جوزيف اوكيتو رئيس اركان جيش الكونجو، فكان عمره خمسين عاماً، وكان نائب رئيس مجلس الشيوخ لفترة قصيرة قبل اغلاقه. وتوجه ننداكا وحاشيته فور وصولهم لرؤية الكولونيل بوبوزو، وكان مدير المخابرات يحمل رسالة من كازافوبو رئيس الجمهورية لتسليمه لومومبا بناء على طلب الكولونيل الذي رافقهم الى زنزانة لومومبا. وعندما شاهد الزعيم الشاب رفيق الامس وعدو اليوم اللدود ننداكا، ادرك ان الموقف تحول الى الأسوأ. وكان ننراكا، باعتباره مديراً لامن موبوتو، مسئولاً عن عمليات التعذيب والاغتيال في معسكر الاعتقال الجديد الذي اقيم حديثاً في بينزا على تلة خارج كينشاسا حيث اقام جنود الكوماندوز ثكناتهم. وفي نحو الساعة 5.30 فجراً خرج لومومبا من المعسكر في قافلة، وقد امدهم بوبوزو بمزيد من الجنود وثلاث سيارات، وبعد وقت قصير ارسل الكولونيل رسالة باللاسلكي الى ليوبولدفيل يقول فيها «الشحنة ارسلت». ويستند المؤلف الى تقرير لجنة الامم المتحدة بشأن التحقيق في ظروف اغتيال لومومبا وموبولو واوكيتو. وقد وردت في هذا التقرير شهادة لاحد الصحافيين الذي قدم للجنة دليلاً على ان لومومبا كان ضحية خدعة لاخراجه من الزنزانة ثم من معسكر كامب هاردي، فقد قيل له ان انقلاباً وقع في ليوبولدفيل، وانه قد تم اعتقال كازافوبو وموبوتو وبومبوكو، كما ان الناس ينتظرونه بفارغ الصبر في العاصمة لتشكيل الحكومة في اسرع وقت ممكن. ويضيف مؤلف كتابنا ان البراهين التي لديه تبين ان ننداكا بنفسه هو الذي ذهب يبحث عن لومومبا، وفي لحظة معينة لابد ان لومومبا ادرك نوايا ننداكا، اليد اليمنى لموبوتو، وذلك عندما انحرفت القافلة الى يسار الطريق في اتجاه بلدة ماتادي المطلة على المحيط، بدلاً من اتجاهها صوب اليمين في الطريق الى العاصمة الكونغولية، وفي نحو الساعة السابعة صباحاً وصلت القافلة الى سهل كمبالا زوليلي بالقرب من قرية لوكالا. وهناك وصلت بعد ساعة الطائرة الـ «دراجون» وهبطت على مدرج مغطى بالاعشاب. وتقع في لوكالا رئاسة شركة الاسمنت الكونغولية. ولم يتخذ الطيار الاجراءات المتبعة عادة في عالم الطيران، فلم يخطر الشركة بوصوله، كما انه تحاشى التحليق فوق القرية. ومن الطبيعي ان ترسل الشركة من يستقبل ركاب الطائرة عند وصولهم او لتفريغ حمولة الطائرة، ولكن موظفي الشركة الاوروبيين لم يستطيعوا مشاهدة ما حدث لانهم يعيشون في مجمع سكني محاط بسور يبلغ ارتفاعه ثلاثة امتار، غير ان عدداً من الموظفين الكونغوليين توجهوا الى المدرج ليروا ماذا يجري. وعندما عاد هؤلاء الموظفون الى اعمالهم اخذوا يحكون ما شاهدوه، فقالوا انه بعد هبوط الطائرة قام جنود بسحب افارقة في ملابس مدنية من احدى السيارات التي كانت واقفة هناك، ودفعوا بهم الى داخل الطائرة. وتعرف الموظفون على واحد منهم وقالوا: انه باتريس لومومبا، وان الدماء كانت تغطي وجهه. وحمل قائد الطائرة الفرنسي فرانسوا بومونت على متن الطائرة سبعة اشخاص، هم الجنود الثلاثة، والسجناء الثلاثة، وننداكا. ويروي الطيار الفرنسي ما دار اثناء رحلة الطائرة، اذ يقول ان الجنود بدأوا بعد الاقلاع في ضرب السجناء ووخزهم، ولكنه طلب منهم التوقف عن ذلك على الفور خوفاً من وقوع حادثة للطائرة (وطائرة الدراجون هي طائرة خفيفة جداً ويمكن ان تفقد توازنها بسهولة، ويبلغ وزنها اقل من 2.5 طن، ويمكنها ان تحمل ثمانية اشخاص فقط). وفي التاسعة والنصف صباحاً وصلت الطائرة الى مواندا التي تقع على ساحل المحيط الاطلسي، حيث كانت في الانتظار طائرة اخرى من طراز «دي ـ سي 4» مع طاقمها وعلى متنها اثنان من الركاب. وخرج ننداكا من الطائرة «الدراجون» وتبعه حراسه ومعهم السجناء الثلاثة، حيث اخذوا يضربونهم من جديد، بينما كان ننداكا يتحدث الى الراكبين في الطائرة المنتظرة، وهما المفوضان كازادي وكليوفاس موكامبا. وفي الساعة العاشرة صباحاً اقلعت الطائرة في طريقها الى اليزابيث فيل عاصمة الانفصال في كاتانجا تشومبي. وهنا ايضاً يكشف المؤلف عن الخدعة التي لجأ إليها اعداء لومومبا لتضليل هيئة الامم المتحدة حتى لا تتدخل قواتها، فقد قاموا بارسال طائرة من طراز «دي ـ سي 3» الى مطار باكوانجا للايحاء بارسال لومومبا الى هناك بعيداً عن ايدي تشومبي في كاتانجا، وفي الوقت نفسه قاموا بارسال الطائرة «سي ـ دي 4» لتسليمه الى تشومبي في اليزابيث فيل. وهذا يفسر محاولات التعتيم التي اجراها قائد تلك الطائرة الذي قرر اختصار الطريق الى عاصمة النحاس بالدخول الى الاجواء الانغولية من الجنوب الشرقي، ولم يحاول الطيار خلال الرحلة الاتصال بمدينة اليزابيث فيل او مدينة ليوبولدفيل خوفا من التقاط الارسال من اي مكان في الكونغو، بينما تلقت الطائرة «دي ـ سي 3» امراً بالعودة لأن مهمتها الغيت. واستمرت عملية تعذيب لومومبا وزملائه حتى داخل الطائرة خلال تحليقها، وفقاً لما ذكره بعض شهود العيان من طاقم الطائرة. التذكار الدموي بعد نقل لومومبا وزملائه الى كاتانجا اصبح من الواضح ان الاحتفاظ برئيس الوزراء مدة اطول من ذلك سوف يلحق ضرراً شديداً بنظام كاتانجا. ويتضح السبب في ذلك في نشرة صدرت في 23 يناير افادت ان الامم المتحدة تشعر بالقلق ازاء انتشار موجة التعاطف القومي. ففي منطقة لوينا قام الجنود المغاربة في قوة الامم المتحدة بتوزيع السلاح على بعض جنود كاتانجا لاسقاط تشومبي، واعرب ضابطهم علناً عن تأييده للزعيم لومومبا، وفي ثكنة جادوتفيل وقع تبادل لاطلاق النار بين الجندرمة والجنود المغاربة الذين قاموا بحماية بعض الوطنيين، الامر الذي دعا المفوض فرانز فيرشور الى كتابة تقرير سري يوصي فيه بالاسراع في القضاء على لومومبا لأنه استولى على آذان الجماهير، طالما ليس بالامكان ايجاد براهين لادانته على اساس قانوني، ويرى المؤلف ان الامم المتحدة لم تفعل اي شيء لعرقلة النظام الكاتانجي او مستشاريه البلجيكيين من التصرف على هواهم بالنسبة للسجناء من دون ازعاج، ولم يقم رئيس مكتب المنظمة الدولية في كاتانجا بممارسة اي ضغط على تشومبي او قائد «الجندرمة». وقد اغمض مسئولو الامم المتحدة والمسئولون البلجيكيون في كاتانجا اعينهم بينما كان لومومبا ومبولو واوكيتو يعذبون ثم يغتالون. وعقد تشومبي اغرب اجتماع لمجلس الوزراء، لكي يحتفلوا جميعاً باعتقال لومومبا ويقرروا مصيره.. فهل كان اجتماعاً حقاً ام احتفالاً؟! هكذا يتساءل مؤلف الكتاب.. ويجيب دي فيتي قائلاً ان انهار المشروبات تدفقت بلا حساب في ذلك الاجتماع، وكان تشومبي وبعض الوزراء يجيئون ويذهبون احياناً لتناول الطعام، او التلذذ بتعذيب السجناء. ويستشهد المؤلف بما ذكرته سيرفيه سكرتيرة تشومبي البلجيكية، والتي كانت موجودة في مقره آنذاك، اذ تقول ان تشومبي والوزيرين كيبوي وكيمبا.. كل على حدة، شرب زجاجة كاملة من المشروب، وقال رئيس الخدم البلجيكي ايضاً واسمه بروير انهم ظلوا يحتسون المشروب طوال الليل، كما لاحظ ان تشومبي ووزراءه عادوا متأخرين في الليل بعد ارتكاب جريمة الاغتيال. اما بارتلو السكرتير الخاص فقد ذكر ان «الوزراء كانوا يشربون ولكن بعضهم اصبح مخموراً». في هذا الجو المخمور كان تشومبي ووزراؤه قد اتخذوا قرار اغتيال لومومبا ورفيقيه. ويقول فيرشور انه كان حاضراً في مناقشة تمت في الحديقة بعد العشاء بين الساعة الثامنة والتاسعة مساء، بين تشومبي وكازادي ومونونجو، وقد اقترح كازادي: «اخذ كف او اذن من جثة كل سجين وارسالها الى ليوبولد فيل حتى يصدقوا انهم ماتوا». في نحو الساعة التاسعة والربع من تلك الليلة توجه تشومبي ووزراؤه مونجو، وكيبوي، وكيمبا، وكيتنجي، ومعهم مفوض الشرطة فيرشور الى «بروويز هاوس».. وكان قرار اغتيال السجناء قد اتخذ بالفعل، وبعد ذلك كانت تصريحات تشومبي كلها تخدم هدفاً واحداً هو: ان يلصق مسئولية الجريمة بآخرين. حقاً لقد وافق الجميع على مذبحة السجناء في تلك الليلة نفسها.. ووافق الجميع ـ بيضاً كانوا او سوداً ـ على مبدأ الخلاص من لومومبا.