هذا الكتاب ثمرة جهد موضوعي، منصف، استمر طويلاً، سعى المؤلف من خلاله إلى إزاحة الستار عن أسرار إحدى الجرائم الاستعمارية الأكثر بشاعة، والتي ارتكبت في القرن الماضي وراح ضحيتها الزعيم الافريقي باتريس لومومبا الذي ناضل من أجل حرية وطنه، الكونغو، واستقلاله، ومن أجل وحدة القارة الافريقية التي ينتمي إليها. ومؤلف الكتاب، لودو دي فيتي، عالم اجتماع، وكاتب معروف، وقد ترجم كتابه إلى أربع لغات، وأدى نشره إلى قيام البرلمان البلجيكي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لبحث ملابسات عملية اغتيال باتريس لومومبا، بعد أن ظلت الشكوك تحوم حول هوية مرتكبيها والضالعين معهم لأكثر من أربعين عاماً، بينما كان واضحاً أن مسئولية مؤامرة الاغتيال تقع بكاملها على عاتق شركاء كثيرين تتصدرهم الحكومتان البلجيكية والأمريكية ووكالة ال«سي. اي. إيه» وهيئة الأمم المتحدة. نتابع اليوم رحلة هروب الزعيم الافريقي الشاب باتريس لومومبا من عاصمة بلاده، ليوبولدفيل، وحملة المطاردة المحمومة له ولمساعديه ولتصفيتهم، ففي الاول من ديسمبر 1960 وصل لومومبا الى بورت فرانكس في شرق اقليم كاساي، حيث كان سكان المنطقة يتمسكون بتأييد الحركة الوطنية، وتوقفت المجموعة الهاربة في ضواحي مويكا التي تقع على بعد نحو 150 كيلو مترا في الطريق الى منطقة لولوابورج، واستقبلهم مفوض الضاحية ومعه ممثلوها المنتخبون والسلطات المحلية. وكان الجمهور في انتظار رئيس الوزراء ويتلهفون لسماعه. وفي اليوم نفسه بعث القنصل البلجيكي في برازافيل برقية ثانية الى الوزيرين البلجيكيين ويجني وزير الخارجية، وراسبريمونت ليندن وزير الشئون الافريقية، والى مدير المخابرات البلجيكية ليخبرهم بأن عميل المخابرات جان بابتيست كروكار تحدث الى رجل يرمز اليه برقم «070»، وان هذا الرجل وعد ببذل «المستحيل» لمنع لومومبا من الوصول الى ستانلي فيل وتأسيس «نظام شعبي ديمقراطي». وكان رجل معين يسمى «ريموند» وجماعة معه يحتشدون للبحث عن الزعيم الافريقي، وربما كان هذا الرجل هو نفسه الطيار ريموند لينارد مالك شركة بروس للطيران الذي تمت الاستعانة به للبحث عن لومومبا باعتباره خبيرا في الطيران المنخفض. وكذلك اجرى الانفصاليون والبلجيكيون اتصالات بالسلطات العسكرية في جنوب كاساي لاعداد كمين اذا ظهر لومومبا في المنطقة. على ضفة النهر على الرغم من ان رحلة لومومبا نحو ستانلي فيل كانت حافلة بالانتصارات، كما يصفها المؤلف، الا انها ادت في النهاية الى سقوطه، ففي اول ديسمبر، والساعة تقترب من منتصف الليل، اعترضته وحدة من جيش الكونغو الوطني. وكان هو والمجموعة التي معه قد وصلوا الى بلدة تسمى لودي، تقع على الضفة اليسرى لنهر سانكورو الذي يبلغ عرضه 600 متر ويشكل العقبة الصعبة الاخيرة في الطريق الى ستانلي فيل. وكانوا يتوقعون ان يستقبلهم السكان الوطنيون بحماس كبير على ضفة النهر الاخرى.وعبر لومومبا، وموليلي، وفالنتين لومومبا، وماتياس كاميشانجا، النهر في زورق من جذوع الشجر المجوفة، بينما انتظر الاخرون، ومن بينهم زوجة لومومبا وطفلهما رولاند، على الضفة الاخرى حتى يعود الزورق، ولكن لومومبا اعتقل اثناء عودته للبحث عن اسرته. ويقول المؤلف ان جنود موبوتو اعتقلوه مع المجموعة على ضفة النهر، وقال البعض انه لم يكن يعرف بوجودهم هناك، ولكن آخرين قالوا انه كان يعلم وانه عاد عبر النهر لكي يقنع الجنود بالافراج عن بقية المجموعة، وبدا أنه نجح في ذلك في بداية الأمر، وتمكن بيير موليلي من الهرب والوصول الى ستانلي فيل، لانه لم يعد الى الضفة الاخرى للنهر. وبعد ساعات يوم 2 ديسمبر، وصلت القافلة مع السجناء الى بلدة مويكا. ويستشهد المؤلف في وصف ما حدث، بما ذكره الكاتبان هاينز ودوناي في كتابهما المدعم بالوثائق الصادر عام 1966 عن «الخمسون يوما الاخيرة في حياة لومومبا». يقول الكاتبان: «في غفلة من الحراس اندفع سائق لومومبا الى معسكر لجنود من غانا ضمن قوة الامم المتحدة، ووفقا لرواية السائق فان ملازما غانيا ذكر للومومبا ان مهمته لا تتضمن تقديم الحماية له، وعندئذ وصل الجنود الكونغوليون فوجدوا لومومبا مستندا الى مؤخرة السيارة البيجو، فانهالوا عليه ضربا بمؤخرة بنادقهم، وسحبوه بعيدا. وثار جنود غانا على ضباطهم وخلصوا بقية السجناء، ولكن تدخلهم كان متأخرا جدا بالنسبة لرئيس وزراء الكونغو». وهناك وثيقتان تؤكدان رواية السائق، اولاهما وثيقة داخلية للامم المتحدة، والثانية برقية مشفرة من دايال ممثل سكرتير الامم المتحدة في الكونغو. ويؤكد المؤلف ان الامم المتحدة مسئولة مسئولية مباشرة عن اعتقال رئيس وزراء الكونغو، والدليل على ذلك ان قيادة قوة غانا في لولوابورج اصدرت اوامر الى كتيبتها في تاشيكابا ـ حيث كانت تجري عملية البحث عن لومومبا ـ وتقضي هذه الاوامر بأن تظل الكتيبة على الحياد في مطاردة لومومبا، «وفي رحلة وصوله يجب حجزه في مكان آمن لحمايته اذا تعرض لخطر الاعتقال او احداث شغب». ولكن امرا مضادا اخر اصدره بعد ذلك الجنرال فون هورن قائد قوات الامم المتحدة من ليوبولدفيل يكشف النوايا الحقيقية لقيادة المنظمة الدولية، وهذا هو نص هذا الامر العسكري المريب: «لا تتخذوا ـ أكرر: لا تتخذوا أي اجراء من جانبكم بالنسبة للومومبا. نحن مسئولون عن سلامته الشخصية فقط عندما يكون في منزله في ليوبولدفيل. لقد كان مفهوما دائما، كما تم الايضاح أنه اذا خاطر بالخروج من بيته فسيكون ذلك على مسئوليته الخاصة».وفي اليوم نفسه أكدت القيادة الغانية لقيادة الامم المتحدة مرتين ما يلي: «نوقش الموقف من لومومبا مع قيادة جيش الكونغو في كاساي. وقد اتفق على ان الامم المتحدة لن تتدخل في حالة اعتقال لومومبا على يد الجيش». كما أكد دايال الامر المضاد من الجنرال فون هورن، وذلك في برقية الى داج همرشولد الامين العام للمنظمة الدولية يقول فيها: «اشار الغانيون، بشكل عرضي، الى نيتهم تقديم الحماية للومومبا، اذا طلب ذلك. وقد اتخذنا موقفا حازما مؤداه انه في حراسة قوات الامم المتحدة في الكونغو اذا كان في منزله فحسب». وكانت الاحداث التي وقعت صباح الثاني من ديسمبر في مويكا موضوع تقرير كتبه قائد القوة الغانية، وجاء في هذا التقرير: «في الساعة 0730 صباح 2 ديسمبر كان قائد قوة غانا يقف بالقرب من مدخل موقعها، فشاهد ثلاث سيارات تخرج من الطريق بسرعة فائقة، وتوقفت على بعد قليل، ونشب عراك. وقد سحب جنود من جيش الكونغو الوطني باتريس لومومبا خارج سيارته، وضربوه بمؤخرة بنادقهم، وصفعوه، وركلوه. وامر قائد قوة غانا رجاله بتطويق السيارة ووقف تلك المعاملة العنيفة، وعندئذ رفع جنود الجيش لومومبا بقوة الى داخل احدى السيارات، وانطلقوا بها مسرعين في اتجاه لولوا بورج».ويوضح عنوان هذا التقرير تماماً حقيقة ما حدث إذ يتحدث العنوان عن «اعتقال لومومبا».ويستعين مؤلف الكتاب بأرشيف الأمم المتحدة ليجد برقية من دايال ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في الكونغو يلخص فيها ما أسماه «الأحداث التي ادت الى اعتقال السيد باتريس لومومبا في مويكا باقليم كاساي يوم 2 ديسمبر 1960» ويوضح هذا التقرير بعبارات صريحة ان القوة الغانية التزمت بإصرار بالأوامر الصادرة اليها من قيادة قوات الأمم المتحدة بعدم اتخاذ اي اجراء بالنسبة للومومبا. ويرى المؤلف ان هذه الوثائق كلها تتعارض مع ادعاء همرشولد بأنه ليس من مهام الأمم المتحدة حماية لومومبا ولقد كان لومومبا يتمتع بالحرية صباح ذلك اليوم (2 ديسمبر) وكان جنود الأمم المتحدة موجودين عندما قام جنود الجيش الكونغولي باعتقاله، ولقد اوقفوا معاملته الوحشية، ولكنهم رفضوا حمايته، وسمحوا باعتقاله بناء على أوامر من رؤسائهم وفضلاً عن ذلك تبين هذه الوثائق بوضوح ان الايضاحات التي قدمها همرشولد الى مجلس الأمن الدولي بعد اغتيال لومومبا كانت كاذبة، اذ يدعي كذباً ان: «السيد لومومبا هرب من منزله بطريقة غير معروفة للأمم المتحدة، وسافر شرقاً من دون وجود اي امكانية لقيام المنظمة بحمايته ولقد ألقى القبض عليه في الخارج في الريف من دون اي امكانية لقيام الأمم المتحدة بوقف هذا الاجراء، لأنها لم تكن تملك السيطرة على هذا الموقف». الحبل والجلاد منتظران في 2 ديسمبر تم تسليم لومومبا بعد اعتقاله الى جيلبير بونجو مساعد فيكتور ننداكا مدير مخابرات موبوتو، وتمت عملية التسليم في بورت فرانكس، وحدث نقاش حول مكان تسليمه وحضر هذا النقاش شخص أوروبي لعب دوراً كبيراً في تحديد مكان هروب لومومبا، فنصح بونجو بأن ينقله الى كاتانجا، حيث يمكن تقديمه للمحاكمة، ولكن بونجو ظل ملتزماً بالأوامر التي تلقاها، وقام بنقل لومومبا الى ليوبولدفيل في طائرة للخطوط الكونغولية من طراز دي-سي3 واشاع اعتقال الزعيم الافريقي شعوراً هائلاً بالارتياح في ليوبولدفيل سواء لدى قيادة قوات الأمم المتحدة او الحكام الجدد، وكذلك في المنظمة الدولية نفسها وأمينها العام، اذ كان كل هؤلاء يخشون تأثير زعامة لومومبا وشعبيته. وبعد الخامسة صباحا بقليل، هبطت الطائرة في مطار ندجيلي في ليوبولدفيل وعلى متنها جيلبير بونجو ولومومبا ومرافق عسكري. وكان عشرات من الناس ينتظرون على أرض المطار، وصحفيون ومصورون، وجنود جيش الكونغو الوطني وشخصيات النظام البارزة، ووقف جنود الأمم المتحدة على مسافة أبعد، ولكنهم لم يتدخلوا. وخرج من الطائرة أولا جيلبير بونجو، وهو يزهو بانتصاره، ثم تلاه لومومبا، وهو مقيد اليدين بحبل غليظ وراء ظهره، وكان يرتدي قميصا ابيض. واجمعت المصادر وشهود العيان على أن الارهاق الشديد كان يبدو عليه عند خروجه من الطائرة، ولكن الكاتبين هانيز ودوناي يضيفان انه مع ذلك كان يقف في كبرياء. ودفع الجنود لومومبا وعدداً قليلا من المعتقلين بعنف إلى عربة نقل، فجلسوا محشورين فيها في انتظار المرحلة التالية من الرحلة. ولاتاحة الفرصة للمصورين الصحفيين ومصوري التلفزيون لمزيد من الصور، امسك احد الجنود بشعر رأس لومومبا وجذب رأسه الى اعلى، ولوى ذراعه ايضا. تعذيب تحت الكاميرات يقول مراقبو الأمم المتحدة ان لومومبا فقد نظارته الطبية، أما قميصه فقد كانت به بقع، وكان هناك دم على وجنته. ونقل السجناء إلى معسكر بينزا لجنود المظلات بالقرب من مقر موبوتو الذي شيده بنك الكونغو البلجيكي. وقال احد الصحفيين الذين كانوا هناك انهم اوقفوا لومومبا مرة اخرى لكي يصوره الصحفيون. واخذ موبوتو يراقب جنوده ببرود وهم يعاملونه بقسوة شديدة، ويقذفونه الى الارض محاطا بجنود يركلونه بأقدامهم ويكيلون له اللكمات. وكان بونجو يصيح في الجنود ليحرضهم على ضربه بقسوة أكبر. وقرأ احد الجنود بيانا كان لومومبا قد اصدره مؤخراً، ويقول فيه إنه رئيس حكومة البلاد الشرعية، ثم طوى الجندي الورقة وحشرها في فم لومومبا، وبعد ذلك رموه في غرفة، وعادوا يضربونه بوحشية مرة اخرى. وخلال الليل أخذ ننداكا مدير مخابرات موبوتو ليحبسه من جديد. ويقول الفرد كاهن، الدبلوماسي الشاب الذي وصل الى الكونغو حديثا، إن صديقه ننداكا اخبره بأنه حبس لومومبا في جراج بيت فاندوال رئيس المخابرات الاستعمارية السابق. واستمر تعذيب لومومبا مرة اخرى بمزيد من الوحشية، وتكشف برقية مرسلة من السفارة البلجيكية في برازافيل الى وزير الخارجية البلجيكية ويجني ومؤرخة في 3 ديسمبر، سوء المعاملة التي تلقاها الزعيم الافريقي على مدى يومين. وجاء في تلك البرقية ما يلي: «لقى لومومبا معاملة قاسية في ليلتي 2 و 3 ديسمبر على يد رجال الكوماندوز، الذين احرقوا لحيته، وقد تدخل بومبوكو لتهدئة هؤلاء الرجال دون جدوى». وقد صورت وسائل الاعلام الاجنبية، صحفيا وتلفزيونيا، التعذيب الذي تلقاه لومومبا في كل من مطار ندجيلي ومعسكر بينزا. وارسل تمبرليك السفير الامريكي رسالة الى وزير خارجيته يطلب منه وقف نشر صور التعذيب لأن لها تأثير «القنبلة النووية». والحقيقة ان هذه الصور قد فعلت فعلها، واثارت سخط الرأي العام العالمي، الذي انهال على مكاتب الأمم المتحدة في نيويورك، واجبر نظم الحكم الكولونيالية الجديدة في افريقيا على ان تنأى بنفسها عن سياسات المنظمة الدولية. وتعجب الناس كيف ان همرشولد، الذي كانت لديه قوة تدخل هائلة في الكونغو، كان قادرا على حماية البلجيكيين في ستانلي فيل وأماكن اخرى، ولكنه عجز عن حماية لومومبا الذي يتمتع بالحصانة البرلمانية. وهدد العديد من الرؤساء الافارقة والآسيوية بسحب جنودهم من قوة الأمم المتحدة العاملة في الكونغو.وازاء ذلك اضطر همرشولد وممثله في الكونغو دايال الى ارسال احتجاجات على «الاعتقال التعسفي» وطلب معاملة السجين معاملة جيدة. وعمد همرشولد في رسالة له الى كازافوبو، الى تذكيره بأن لومومبا كان عضوا في البرلمان، وأن مبدأ الحصانة البرلمانية «معمول به في جميع انحاء العالم كأداة لحماية الديمقراطية البرلمانية».وفي هذا المجال يتضمن الكتاب الذي نناقشه هنا رأيين مهمين فيما تضمنته رسالة همرشولد: الرأي الأول لمؤلف الكتاب نفسه، إذ يرى ان احتجاج السكرتير العام للأمم المتحدة يجعل موقفه اسوأ حالا، فإذا كان اعتقال لومومبا تعسفيا، ويخرق مبدأ الديمقراطية البرلمانية، فلماذا لم تطلب قيادة الأمم المتحدة الافراج عنه، أو تقوم هي بالافراج عنه بنفسها؟! ومرة اخرى يكذب همرشولد على مجلس الأمن الدولي في تقريره إليه اذ يقول ان المنظمة الدولية تدخلت في الكونغو: «لأن انهيار ادوات الحكومة لحفظ النظام اوجد موقفا يمثل ـ من خلال نتائجه ـ تهديدا للسلام والأمن» فكيف تكون المساعدة على حفظ القانون والنظام بالاذعان والوقوف جانبا والسماح بتدمير البنى الدستورية للبلاد؟!.وهنا نأتي الى الرأي الثاني في كتاب «ألف وأربعة ايام» لمؤلفه الكولونيل فاندوال الذي يقر بأن الهدف الوحيد لمسئولي الأمم المتحدة من وراء الاحتجاج لدى كازافوبو وبومبوكو، هو «تغطية انفسهم من وجه الاشمئزاز الأفرو ـ آسيوي من الوحشية التي عومل بها لومومبا». وقد كان يمكن ان يكون تصرف الأمم المتحدة التعيس في مطار ندجيلي ومعسكر بينزا نذيرا بمذبحة 17 يناير 1961 في مطار اليزابيث فيل في رحلة لومومبا الأخيرة. غير ان ما حدث في شهر ديسمبر كان بمثابة «بروفة نهائية» تعلم منها موبوتو وتشومبي الا يشعرا بالخوف من الأمم المتحدة، بالنسبة لمعاملة الزعيم الوطني لومومبا، لأن رد فعل المنظمة الدولية لن يزيد على بضع احتجاجات كلامية. وفي 3 ديسمبر 1960 نقل لومومبا في قافلة عسكرية الى معسكر «كامب هاردي» في مدينة تيسفيل. ووفقا لما ذكره الصحفيون فإن لومومبا وجد صعوبة في الصعود الى الشاحنة، وحمل وجهه علامات للتعذيب. وكان معسكر كامب هاردي مخصصا لنخبة قوات النظام بقيادة الكولونيل لوي بوبوز الذي كان برتبة رقيب عند الاستقلال، ولكن افرقة سلك الضباط وعلاقات عائلته مع موبوتو اتاحت له صعودا سريعا من خلال الترقيات. وكان في المعسكر سجناء آخرون مهمون، من بينهم جورج جرنفل احد الوزراء في حكومة لومومبا، ولم يعلم احد شيئا عن مكان سجن المعتقلين الجدد، ولكن لومومبا سجن في غرفة حراسة بالقرب من مدخل المعسكر. وكان اصحاب القبعات الزرق المغاربة المسئولون عن تدريب جيش الكونغو الوطني، يعسكرون بالقرب من كامب هاردي، ولم يلبثوا ان بدأوا في ارسال الشكاوى الى كبار ضباط الأمم المتحدة عن حالة لومومبا. وقد لخص دايال ممثل همرشولد في الكونغو تلك الانتقادات فذكر انه: «قيل ان لومومبا يعاني من اصابات خطيرة، اصيب بها قبل وصوله، وحلق شعر رأسه، كما انه ظل مقيد اليدين، وسجن في زنزانة في ظروف صحية غير انسانية». ولم يكن جنود الأمم المتحدة وحدهم الذين شعروا بالقلق من اعتقال لومومبا، بل انضم اليهم ايضا الجنود الكونغوليون. وفي برقية مشفرة الى همرشولد قال دايال: «ذكرت القوة المغربية في تيسفيل انه جرت عدة مناقشات بين جنود جيش الكونغو الوطني حول المعاملة التي يلقاها لومومبا، ومازالت تلك المناقشات جارية». وفي 22 ديسمبر اخطر دايال رؤساءه بأن الثكنة انقسمت بشكل عميق حول الموضوع وان «حبس لومومبا في تيسفيل يسبب حرجا لسجانيه (كازافوبو وموبوتو) لأنه اثار مشاعر التأييد والمعارضة بين القوات». رسالتان في 4 يناير 1961، وقبل موته بثلاثة عشر يوما، استطاع لومومبا تهريب رسالتين: الأولى موجهة الى قيادات الأمم المتحدة، ويصف فيها الظروف التي يعانيها السجناء السياسيون في كامب هاردي. وقد جاء فيها قوله: «أنا هناك مع سبعة من أعضاء البرلمان، من بينهم أوكيتو رئيس مجلس الشيوخ، بالاضافة الى موظف حكومي وسائق، وبالاجمال يوجد عشرة منا هنا. ومنذ 2 ديسمبر 1960 وضعنا في زنزانات رطبة، ولم يسمح لنا بالخروج منها ولو لمرة واحدة، أما الوجبات التي تقدم لنا مرتين في اليوم فهي سيئة للغاية ولا آكل منها شيئا لمدة ثلاثة أيام أو أربعة في الغالب باستثناء اصبع موز. وقد ذكرت ذلك لطبيب الصليب الاحمر الذي أرسل لرؤيتي بحضور الكولونيل المسئول في تيسفيل في ذلك الوقت. لقد طلبت احضار فاكهة على حسابي الخاص لأن الطعام الذي يقدم اليّ سييء وعلى الرغم من موافقة الطبيب رفضت السلطات العسكرية هنا السماح بذلك قائلة ان لديها تعليمات بذلك من رئيس الدولة الكولونيل موبوتو. ووصف الطبيب هنا في تيسفيل ضرورة قيامي بالمشي لمدة قصيرة مساء كل يوم خارج زنزانتي، ولكن الكولونيل ومفوض المنطقة رفضا ذلك. أما الملابس التي مازلت ألبسها حتى الآن لمدة خمسة وثلاثين يوما، فلم أستطع غسلها، كما انني منعت من انتعال حذائي. باختصار.. اننا نعيش ظروفا لا تحتمل على الاطلاق، وتخالف جميع القواعد. والأكثر من ذلك انني لم أتلق أي انباء عن زوجتي، ولا أعلم حتى أين هي، وكان يجب ان أتلقى زيارات منها كما ينص على ذلك قانون العقوبات الكونغولي». أما الرسالة الثانية التي استطاع لومومبا تهريبها فقد كانت موجهة الى ابن اخته، ألبرت أوناويلو، وتضمنت تفصيلات أكثر عن اعتقاله، وكذلك عن الدعم الذي تلقاه من بعض الجهود.. يقول لومومبا: «أنا هنا مع سبعة من النواب من بينهم جوزيف أوكيتو. وقد سجنونا في زنزانات مظلمة، وأبقونا فيها باستمرار منذ 2 ديسمبر 1960. والطعام الذي يقدمونه لنا قذر ومثير للاشمئزاز، وأظل دون طعام لثلاثة أو أربعة أيام متواصلة، بالاضافة الى ذلك فإنني أشعر بآلام في معدتي.. إن الوضع في الحقيقة أشق وأسوأ من أي وضع في ظل الكولونياليين. وإذا قدم لنا أحد الجنود مجرد موزة زائدة يعتقل ويلقى به في زنزانة وعلى الرغم من كل ذلك فإن جنودا كثيرين يأتون في السر ليحاولوا تقديم المساعدات لي». وأعرب ايضا في رسالته عن قلقه على عائلته واصدقائه وقال انه بعث برسالة الى البنك لتسليم مبالغ حددها لأفراد أسرته وبعض اصدقائه، وكأنه كان يتوقع المصير الذي لقيه فيما بعد، ولكنه أضاف انه لا يعرف إذا كان البنك قد نفذ تعليماته لأن المسئولين كانوا قد طلبوا تجميد حسابه لدى البنوك.