عندما كنت أشغل منصب وزير الدولة لشئون أيرلندا الشمالية، جرت العادة على أن يتم ارسالي الى واشنطن في محاولات للتأثير على الكونجرس والادارات الأمريكية المتعاقبة، كما يتم وقف الدعم الامريكي الخاص للمجموعات الارهابية، في ايرلندا. وبينما لا أستطيع التأكيد على انني استطعت تحقيق أي شيء له قيمته من أهداف تلك الزيارات، فان الأمر الثابت كان دائما هو ان المسئولين الأمريكيين كانوا يسمعونني بشكل مهذب. وكنت أؤكد بشدة خلال نقاشي معهم على ان المجتمعات الحرة عليها واجب والتزام يتمثل في الحاق الهزيمة بقوى الشر الارهابية. ودافعت بقوة عن الاجراءات التي اتخذناها كحكومة بريطانية فيما يتعلق بالاجراءات والساحة الامنية. ولكن لو كنت حاولت أن أنكر ان هناك اسبابا سياسية أو ثقافية أو اجتماعية وراء موجة العنف السائدة في ايرلندا وقتها، فإنني أتصور انهم كانوا سوف يطردونني بكثير من اللباقة، ذلك ان من شأن هامش متعصب فحسب الذهاب الى القول ان السياسة والاعتبارات السياسية تبرر بشكل كامل قتل الابرياء، ولكن كان هناك تفهم وشعور عام بأنه لا يمكن هزيمة الارهاب في ايرلندا من دون اتخاذ اجراءات سياسية وكذلك أمنية. وبالفعل ثبتت صحة هذا الأمر. وإذا كان هناك درس شديد الوضوح على نحو صارخ يمكن تعلمه مما حدث في ايرلندا والاستفادة منه أثناء الحملة العالمية ضد الارهاب، فهذا الدرس هو ان استخدام القوة بشكل منظم وبعناية كبيرة أمر ضروري ولكنه ليس شرطا كافيا لتحقيق الانتصار. هناك تبرير كامل للحملة العسكرية في افغانستان بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركة قوات من 17 دولة حليفة. ولا يمكن الادعاء بأنه كانت هناك أي بدائل أخرى متاحة لحسم الأمر. هناك حاجة الى متابعة هذه الحملة باصرار وعزيمة كبيرة حتى يتم الوصول الى الهدف. يحارب الجنود الاوروبيون في هذه الحملة الى جوار نظرائهم الامريكيين والكنديين والاستراليين. وقد أعلنت انجلترا مؤخرا دعمها للحملة بقوات اضافية كبيرة للغاية. وربما ستحتاج قوات التحالف الى ان تواصل حربها في أماكن أخرى ايضا قبل ان تنتهي من مهمتها في افغانستان. ولكن هناك اربعة أمور أخرى مطلوبة إذا أريد أن تفضي تضحيات جنودنا وشجاعتهم الى عالم أكثر أمانا على المدى البعيد. هذه الأمور هي ان هزيمة الارهاب تتطلب تعاونا دوليا من اجل زيادة فعالية عمليات مراقبة الحدود ومنع أي تمويل لعمليات العنف. ومنذ الحادي عشر من سبتمبر، تعمل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على تنفيذ هذا الامر بشكل فعال. هذا التعاون الدولي يتطلب اتفاقات دولية ومواثيق وقواعد ولجان تحكيم ومراقبة دولية لتفعيله، لذا فإنه علينا العمل على تقوية وصقل مركز ومصداقية الامم المتحدة والمؤسسات الدولية الاخرى المعنية. ثانيا، نعرف الآن، وهي معرفة دفعت أمريكا ثمنها غاليا، ان الدول الفاشلة لا تهدد مواطنيها وجيرانها فحسب، فأفغانستان قد صدرت أكثر من مجرد الارهاب: 90% من كميات الهيروين الموجودة في أوروبا تأتي من أفغانستان والمنطقة المحيطة بها. منذ تسعة شهور، لم يكن معظم الناس يدرون بما كان يجري في افغانستان، ولم يكن حتى هناك أي اهتمام بما يجري هناك، فالقلق كان من الارهاب الذي ترعاه الدول وليس من الدول التي يرعاها الارهابيون وللأسف، أصبحوا الآن على علم بالأمر. يمكننا أن نرى مشكلات مماثلة للوضع في افغانستان تنبعث من البلقان الى الكونغو ومن السودان وسيراليون الى أمريكا اللاتينية، حيث توجد مخابئ انتاج الكوكايين والجماعات الاجرامية. لقد سخر الكثيرون من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا بسبب ادلائه بحديث مفعم بالمشاعر والعواطف أثناء المؤتمر الأخير لحزبه، ولكنه كان محقا. فبينما لا يمكننا تخليص العالم من الخطيئة الاصلية، فإنه يجب علينا أن نفعل ما هو أكثر كي نكافح ونحارب عواقب تلك الخطيئة، بالمشاركة مع مختلف الدول التي عليها أن تتحمل أعباء دبلوماسية واقتصادية وأمنية تبعا لمقدرتها وخبرتها السابقة في مناطق الخطر. هل من المستحيل فعلا أن يتم توحيد الكونغو مرة اخرى أو اعادة الأوضاع الى سابق عهدها من الاستقرار في كل من السودان او الصومال؟ فنحن عندما فوجئنا بذلك الموقف المحرج في البلقان وتعرضنا للخزي وتم تهديدنا وتهديد سلامة أراضينا اثر موجة العنف الدموي التي اندلعت بجوارنا، نجحنا بعد جهد جهيد في ان نعيد الاستقرار والامل في السلام الى البلقان، على الرغم من انه لا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله. والآن نبدأ هذا العمل المكلف والمعقد للغاية والمتمثل في بناء حكومة ومجتمع مدني في افغانستان. البعض باستهتار شديد يصف هذا الامر الجلل بأنه مجرد «عمل اجتماعي»، وهو الوصف الذي يمكن الرد عليه بوضوح بالقول انه حقا أمر يؤسف له لانه لم يكن هناك المزيد من العمل الاجتماعي بعد اجلاء القوات السوفييتية من افغانستان في الثمانينيات. ثالثا، يجب العمل بشكل منسق وقوي من اجل الوصول الى تسوية في منطقة الشرق الاوسط على اساس تقرير ميتشيل والاقتراحات السعودية الاخيرة. فالعداء الدموي المستفحل بين الاسرائيليين والفلسطينيين يؤجج بشكل مباشر حالة العداء والشك والكره في العالم الاسلامي ضد امريكا واوروبا. وقد عكس هذه الحالة المتأججة استطلاع الرأي الذي أجراه مركز جالوب للبحوث والذي من خلاله تم استنباط واستقراء المشاعر السياسية في تسع دول اسلامية. هناك دور مهم للغاية يجب ان تلعبه أوروبا كي تمنع ان تكون نظرية صمويل هنتنجتون الخاصة بـ «صراع الحضارات» نظرية مكتملة في حد ذاتها. يجب ان نبذل مزيدا من الجهد لتوثيق شراكتنا مع الدول الواقعة جنوب البحر المتوسط ونطور علاقتنا بدول الخليج العربية وايران، حيث تستحق حكومات تلك الدول مشاركة وتعاونا قويين من جانبنا. رابعا، هناك مؤتمران للأمم المتحدة هذا العام، الأول عقد مؤخرا في مونتيري بشأن تمويل عمليات التنمية. والثاني يعقد في وقت لاحق هذا العام في جوهانسبرج عن التنمية المستديمة، والذي ستعطى مشاركة الدول الثرية فيه مؤشرا للدول النامية تجاه ما اذا كنا بالفعل لدينا تصور لطبيعة المشكلات المتعلقة بالامن والارهاب وما تعنيه هذه المشكلات بالنسبة لتلك الدول. ان الفقر والتدهور البيئي لا يتسببان أو يبرران الارهاب. وليس الفقراء بأكثر شرا من الطبقات الأخرى منا. ولكن كما ان هؤلاء الفقراء هم الضحايا الاساسيون للجريمة في المجتمعات الثرية (والمناطق التي تعاني فقرا مدقعا هي المسرح الرئيسي للجرائم) فإن عدم الاستقرار السياسي والعنف هما الأكثر شيوعا في الدول الأكثر فقرا. وهذا الامر ليس بالمفاجأة، فالحرمان يجعل تكريس الاخلاق والدماثة أمرا صعبا. علاوة على ذلك، فإنه ليس خمس سكان العالم وحدهم هم الذين يحصلون على أربعة أخماس ثروات العالم، ولكن ايضا اربعة اخماس العالم الفقراء هم انفسهم الذين يتجرعون هذا القدر الكبير من المعاناة المتمثلة في الاصابة بالأمراض المتوطنة وتفشي الجرائم والادمان بينهم. ونحن لا يمكننا أن نحمي أنفسنا من العواقب الوخيمة المترتبة على هذا الأمر، حتى ولو عشنا في قرى وأحياء محصنة. ويا لها من أخبار طيبة تلك التي أعلنها الرئيس الأمريكي بوش مؤخرا بشأن اضافة زيادة كبيرة لميزانية المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة وبعد ذلك ما وافق عليه قادة الاتحاد الأوروبي أثناء اجتماعهم في برشلونة بشأن رفع ميزانيات المساعدة في دولتهم بشكل منتظم خلال العقد المقبل! ليست الأسوار هي التي يمكنها التغلب على المحن والمشكلات العالمية، بل المشاركة في حل هذه المشكلات، والعمل على تقديم مساعدات أكبر للفقراء ومساعدتهم على الوصول بشكل أكبر إلى أسواقنا والالتزام بتحسين مستويات الادارة والحكم في بلادهم. هل الأمر ينبغي أن يكون تدليلا لهؤلاء؟ في الواقع لا، ينبغي فقط أن تكون هناك وسيلة أكثر فعالية وشمولية لهزيمة الجيل الحالي من أمثال ابن لادن والعمل على منع ظهور أجيال أخرى مماثلة لهم. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»