هذا الكتاب ثمرة جهد موضوعي، منصف، استمر طويلاً، سعى المؤلف من خلاله إلى إزاحة الستار عن أسرار إحدى الجرائم الاستعمارية الأكثر بشاعة، والتي ارتكبت في القرن الماضي وراح ضحيتها الزعيم الافريقي باتريس لومومبا الذي ناضل من أجل حرية وطنه، الكونغو، واستقلاله، ومن أجل وحدة القارة الافريقية التي ينتمي إليها. ومؤلف الكتاب، لودو دي فيتي، عالم اجتماع، وكاتب معروف، وقد ترجم كتابه إلى أربع لغات، وأدى نشره إلى قيام البرلمان البلجيكي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لبحث ملابسات عملية اغتيال باتريس لومومبا، بعد أن ظلت الشكوك تحوم حول هوية مرتكبيها والضالعين معهم لأكثر من أربعين عاماً، بينما كان واضحاً أن مسئولية مؤامرة الاغتيال تقع بكاملها على عاتق شركاء كثيرين تتصدرهم الحكومتان البلجيكية والأمريكية ووكالة ال«سي. اي. إيه» وهيئة الأمم المتحدة. لم يكتف المستوطنون البيض بالسيطرة على اقتصاد الكونغو سيطرة كاملة، بل أنشأ الأوروبيون اتحادات لهم سيطرت على زعيم الانفصال مويس تشومبي وحزبه المسمى «كوناكات»، ومن بين هذه الاتحادات اتحاد يسمى «يوكول»، ويرى مؤلف الكتاب ان هذه الأحرف ترمز بوضوح الى الهدف منها المتمثل في استمرار هجرة المستوطنين من أوروبا، مما يؤدي الى دوام القبضة البيضاء على كاتانجا لعدة قرون، ذلك ان الاسم يتكون من حروف تعني «الاتحاد من أجل الاستيطان». ولكن عندما اتضح في اكتوبر عام 1958 ان الافكار المعادية للاستيطان بدأت تنتشر في الكونغو غير الاتحاد اسمه، فأصبح «اتحاد تعاون الطبقات المتوسطة في كاتانجا». ويحلل المؤلف هذا الاسم ويرى انه يعني الاستمرار في الاحتفاظ بمدلول الاسم السابق «يوكول» ليكون نداء الحرب لجلب مزيد من المستوطنين المستعدين للقتال. وأصر اتحاد «يوكول» والاتحاد الكاتانجي على محاربة «التخلي» عن الكونغو، باعتبارهما منظمتي المستوطنين الاوروبيين، واستولى هؤلاء المستوطنون على حزب «كوناكات» وحولوه الى أداة للكولونيالية الجديدة. ومن المهازل ان بيان حزب تشومبي لعام 1959 انتحى به بعيدا عن أحزاب الكونغو الاخرى التي كانت تطالب بتشكيل حكومة كونغولية في موعد أقصاه عام 1961. وحملت مقدمة البيان مدخلا دبجه واحد من غلاة المبشرين وهو المونسنيور جان فيلكس دي همبتين، أسقف كاتانجا. الأدهى من ذلك يرى المؤلف ان هذا البيان يصيب قارئه بصدمة منذ الوهلة الأولى بأي معيار من المعايير. وتأمل ـ عزيزي القارئ ـ الأوصاف التي تنز بالعنصرية القبيحة من كلمات ذلك القس العنصري، وهذا هو نص تلك الكلمات كما أوردها مؤلف الكتاب: «هناك قطاع من البشر لم يرث أي حضارة، ولا طاقة، ولا أفكار لديه، ولا مصالح يدافع عنها ... إن العرق الأسود لا يملك شيئا خلفه، بل هم أناس بلا كتابة، ولا تاريخ، وبلا فلسفة، وبلا أي مبدأ». والأدهى من ذلك ان تشومبي (أو ربما أساتذته البلجيكيين الذين كتبوا النص ـ كما يقول المؤلف ـ أضاف في نهاية البيان عبارة واضحة تفيد بأن واحدا من أهداف الحزب الأساسية هو: «الاحتفاظ بثقة الناس الطيبين الذين جاءوا لمساعدتنا على الخروج من حالة الجمود التي نعانيها. ومع البلجيكيين لن نحتاج الى الاهتمام بالرأي العام العالمي الذي يؤيد استقلال المستعمرات». وتفيد مذكرة داخلية في الأمم المتحدة بتاريخ اكتوبر 1961: «إن الفكرة التي تصف مقاومة كاتانجا للحكومة الكونغولية بأنها عمل محلي وافريقي، هي خرافة ألفت للاستهلاك الخارجي، وهي موضع سخرية الأوروبيين هنا في أحاديثهم الخاصة»، وحتى ميجور جي ويبر ـ وهو تجسيد للوجود العسكري البلجيكي في عملية الانفصال ـ اعترف في وقت لاحق بأنه «لا شك في ان انفصال كاتانجا ما كان ليقع لولا تدخل القوات الدولية». ولم تخف دعاية الانفصاليين حقيقة وجود الاحتلال بواسطة القوات البلجيكية. وقد أقر جاك براسين، في رسالة للدكتوراه حول اغتيال لومومبا نوقشت في بلجيكا، بأن «الدولة الكاتانجية اعتمدت على الاطار الذي قدمته بلجيكا» ومنذ اليوم الثالث للانفصال اضطر تشومبي الى محاولة القضاء على الاشاعات القوية التي ترددت حول عمالته للأوروبيين واحتفاظهم بالسلطة بين أيديهم. ويستشهد المؤلف بما جاء في كتاب «ألف وأربعة أيام» الذي يقول فيه فانديوال «كانت الأضواء مسلطة على البيض الى حد كبير، فقد حدث أن جاء الجنرال كومون قائد الجيش البلجيكي لكي يتفقد القوات، وكان رجلا ثرثارا، وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده أعلن وضع القوات البلجيكية تحت امرة تشومبي، ووعد بتعيين ضباط سود، وقدم للصحفيين جي. ام. كريفكور القائد الجديد لجيش كاتانجا ... أما ميجور ويبر فقد هنأ علنا حكومة كاتانجا والوزير مونونجو لمنعهم لومومبا من المجيء» والمضحك ان ويبر نفسه هو الذي منع الزعيم الافريقي من الحضور الى كاتانجا. ويؤكد المؤلف زميني ان الخيوط لم تكن في يد تشومبي ولكن رجالا مثل داسبر يمونت ليندن، وروتشيلد، ورينيه كليمانص هم الذين كانوا يمسكون بخيوط اللاعبين في مسرحية تلك الدولة الهزلية. ويشير الى انه على حد قول الكولونيل فانديوال نفسه فان رئيس كاتانجا «كان يعمل بتوجيهات ذلك الثلاثي من معلميه السياسيين» وعلى الرغم من كلماته التي تنضح بالعنصرية إلا ان عباراته الرقيقة الساخرة التي استخدمها تعترف بعلاقات القوة الحقيقية. وقد كان «المعلمون السياسيون» العاملون الى جانب تشومبي هم الذين بحثوا موضوع وصول قوات الامم المتحدة الى كاتانجا مع قادة المنظمة الدولية في بدايات أغسطس 1960، وهم أيضا الذين كانوا يحثون تشومبي مقدما. وذهب فانديوال الى القول ان وزير العدل الكاتانجي فالنتين ايلونجا كان يتصرف وكأنه المتحدث الرسمي باسم مساعده البلجيكي هيلمانز وليس العكس كما هو مفترض. وقد حشد البلجيكيون ذوو النفوذ في اقليم النحاس قواهم لتشكيل «البعثة التقنية البلجيكية»، وقد وصفهم فانديوال بأنهم هم «اللاعبون بالخيوط» وايضا بأنهم «معلمو كاتانجا». وزعمت حكومة ايسكنز البلجيكية ان هؤلاء اللاعبين بالخيوط وضعوا تحت امرة السلطات المحلية وفقا لاحدى المواد في دستور الكونغو. ويسخر المؤلف من هذا القول بالاشارة إلى ان تلك الخدعة هي التي حاولوا بها في سذاجة ستر الحقيقة، وهي ان تشومبي وأصدقاءه الانقلابيين هم الذين سخروا بالدستور وكانوا يطالبون علنا بالغائه، كما ان دستور الدولة الانفصالية «قد صنع في بلجيكا» مثل كل التوجهات والاسس الاخرى التي قامت عليها الحكومة الانفصالية. كان الجميع ـ حتى في نيويورك ـ يعرف جيدا حقيقة الموقف. وخلال زيارة لسكرتير الامم المتحدة نفسه لمدينة اليزابيث فيل في شهر اغسطس، لاحظ الطبيعة المصطنعة والطابع الاستبدادي للقوات المسلحة الانفصالية، ووصفها بأنها تفتقر الى ادنى المتطلبات الاولية للجيوش. كذلك سرعان ما ادرك الصحافيون حقيقة الاساس الذي قام عليه نظام تشومبي المتستر خلف واجهة سياسية ـ دبلوماسية بينما يخضع للقبضة الحديدية للحرس الامبراطوري، أي قوة الاحتلال البلجيكي. وقد كتب الصحافي مانو رويز مراسل صحيفة «ستاندارد» من عاصمة كاتانجا تقريرا لصحيفته الفنلندية جاء فيه: «ان كاتانجا هي دولة بوليسية في حقيقة الامر مما يدل على هشاشة حكومة تشومبي. ويتجول الجنود البلجيكيون في انحاء اليزابيث فيل كما لو كانت اقليما تحت الاحتلال. وصحيح ان النظام يسود عاصمة النحاس ولكنه نظام الاحتلال العسكري». لقد كان خطاب الاستقلال الذي ألقاه باتريس لومومبا انذارا أصاب بروكسل بالرعب من ذلك الزعيم الجديد الذي ينادي بالقضاء على الكولونيالية القديمة والجديدة على السواء، ولذلك استنفرت الشبكة الاستعمارية البلجيكية، كل أسلحتها وتكاتفت وراء الملك بودوين وحرضته على تأييد انفصال كاتانجا. وكان القصر الملكي البلجيكي في قلب تلك الشبكة الاقتصادية والمالية، وفي داخل هذه الشبكة امتزج القصر مع النخبة البلجيكية للدفاع عن خزينة الاموال الكولونيالية. وعندما تفجرت أزمة الكونغو تحركت تلك الشبكة على الوجه التالي: كان جوبير داسبريمونت ليندن كبير الامناء في البلاط الملكي، وكان ايضا مندوب المجموعة المالية سوسييتيه جنرال دي بلجيك ومدير الشركة البحرية البلجيكية وشركة كاتانجا. وكان معه الامير اموري دي ميرود في تمثيل العائلة المالكة البلجيكية في مجمع من اثنى عشر مفوضا يشكلون الهيئة الحاكمة لتلك المجموعة المالية. واسندت ادارة البعثة التقنية البلجيكية في كاتانجا الى هارولد داسبريمونت ليندن ابن شقيق جوبير كبير الامناء، ثم اصبح بعد ذلك وزيرا للشئون الافريقية، كذلك اسندت وظائف ادارية في شركة أونيون مينيير وشركات كولونيالية اخرى لكل من الكونت روبرت كابيل السكرتير السابق للملك ليوبولد الثالث، وجان بيير باولوس مساعد السكرتير الخاص السابق للملك بودوين. وتولى ادارة سلسلة ضخمة من المشروعات الكولونيالية كل من رئيس غرفة التجارة البلجيكية وثلاثة من الوزراء في حكومة بروكسل. ويقول مؤلف الكتاب ان هذه القائمة هي الجزء الطافي من جبل الجليد، والنتيجة السياسية التي لا جدال فيها هي ان طبقة السياسيين، بمن فيهم البلاط الملكي، كانت لها مصالح مادية مباشرة في النتائج التي قد تسفر عنها أزمة الكونغو. وكان يمكن ان يخسر القصر الملكي نفسه الكثير، غير ان قوى اخرى كانت تدفع القصر الى الوقوف كمنقذ اثناء الازمة، وقد كان من بين هذه القوى المجموعات الكاثوليكية المحافظة، والاحتكارات الكولونيالية وسلك الضباط في «القوة العامة» مع أتباعهم في دوائر عسكرية معينة. وعندما بلغت الأزمة ذروتها وتحفزت الطبقة السياسية جميعها أسفرت السياسات التقليدية عن تطرفها بسرعة خارقة ونادت صحف مثل «لا ليبر بلجيك» و«لو سوار» بتطبيق سياسة «القبضة الحديدية»، وتم تحريض الشعب البلجيكي بدافع الارتفاع فوق المهانة الوطنية وضم الصفوف وراء العهد الملكي، وبدأت قطاعات من ذوي النفوذ يطالبون باحلال حكومة طوارئ محل حكومة ايسكنز. وفي خطاب للملك بودوين يوم 21 يوليو هاجم حكومة لومبيا وابدى تأييده لتشومبي، واعرب عن رغبته في اعادة بناء الكونغو حول كاتانجا. وخرج الهجوم على لولومبا عما تمليه الاعراف الدبلوماسية الرقيقة، وكان هذا امراً بالغ الغرابة بالنسبة للسلوك الملكي. الطريق الى زنزانة الموت تحت عنوان «زنزانة الموت» يعود الكتاب الى ما بعد انقلاب موبوتو يوم 14 سبتمبر 1960 ليؤكد ان الخلاص من لومومبا ظل يمثل الاولوية القصوى حتى بعد ذلك الانقلاب الذي اطاح برئيس الوزراء. وبينما كان البلجيكيون يعدون للعملية «باراكودا» في برازافيل مع تشجيع الكونغوليين على التصرف بأنفسهم، كانت «السي. آي. ايه» تعمل بسرعة هائلة. وكان ديفلين مدير محطة المخابرات الامريكية في ليوبولدفيل يخشى من اي عودة سياسة للومومبا في اي وقت، وكتب يقول: «لا حل الا الخلاص منه في اسرع وقت ممكن». وفي وقت لاحق قال العالم جوتليب العامل في وكالة المخابرات المركزية انه كلف بالسفر الى الكونغو ومعه صندوق يحتوي على السم «ليقوم اما بعملية تصيب لومومبا بالعجز او تقضي عليه» وفي 21 سبتمبر عقد اجتماع لمجلس الامن القومي مع الرئيس الامريكي ايزنهاور، وتحدث في هذا الاجتماع الان دالاس مدير وكالة المخابرات المركزية، فقال إن «لومومبا مازال يمثل خطراً داهماً ما دام لم يتم التخلص منه». وبعد ثلاثة ايام اكد دالاس انه سوف يتحمل مسئولية العملية برمتها، وقد ورد هذا التأكيد في برقية موقعة منه شخصياً ومرسلة الى السفارة الامريكية في ليوبولدفيل. وفي بداية اكتوبر قام عميل «السي. آي. ايه» العالم جوتليب بزيارة قصيرة للكونغو وترك السم في ليوبولدفيل. وفي بداية نوفمبر اخبرت وكالة المخابرات عميلها ديفلين بأن شخصاً اجنبياً له تاريخ اجرامي وتم تجنيده في اوروبا، قد يصل قريباً الى الكونغو، وهو يحمل اسماً حركياً هو «كيو. جي.وين» ويتمتع بالقدرة على فعل اي شيء. وقد وصل هذا المجرم الى الكونغو في 21 نوفمبر. وبعد فترة قصيرة هرب لومومبا من مقره ولكنه وقع بين يدي موبوتو. ونتيجة لذلك الغت المخابرات الامريكية العملية واستدعت ذلك المجرم. وفي وقت لاحق ذكر ديفلين انه تخلص من السم ورماه في نهر الكونغو، ويخرج المؤلف دي فيتي من كل هذا بأن من الخطأ القول بأن مذبحة 17 يناير 1961 كانت مجرد حادثة بسبب انفجار غضب بعض القادة الافارقة، وهذا خطأ وقع فيه بعض الكتاب، والحقيقة، هي ان اغتيال لومومبا كان نتيجة ستة اشهر من تدخل الغرب في الكونغو. ويرى المؤلف ان بروكسل وواشنطن ونيويورك كانت تشعر بالرعب من لومومبا، او على وجه الدقة، من الحركة المعادية للكولونيالية الجديدة، والتي جسدها وقادها الزعيم الافريقي. وقد دفعت هذه الحركة الجماهير الى الامام مع قيام مئات الآلاف منهم بمهاجمة الصرح الكولونيالي. وكان ذلك الهجوم بالذات مجرد صدى للحركة العالمية المعادية للاستعمار التي امتدت الى اكثر من نصف سكان العالم، وهزت جميع القارات. وهذه الحركة القوية في الكونغو التي اجبرت بلجيكا على الاذعان مؤقتاً عام 1960 ـ كانت ترى في لومومبا الرمز والقائد. ويقول المؤلف ان كاريزما لومومبا وتضامنه مع الجماهير الكونغولية، والتزامه الوطني، ومبادئه القوية، كان (كوكتيلاً من المتفجرات) في يد الاستراتيجيين الغربيين. ان الخوف من ان يؤدي نشاط لومومبا والحركة الوطنية الى الوقوف في وجه الامبريالية الجديدة، هو السبب الحقيقي للمواجهة بين القوى الغربية وبين الزعيم الوطني. وقد مهّد كتاب الغرب للقضاء عليه بوصفه بأنه «رجل مجنون» و«خطير» حتى يخلقوا المبرر للتخلص منه بأية وسيلة.. او بالاحرى لقتله. ونظمت الحملة ضده على يد شخصيات قوية بدءاً من الملك بودوين الى اساتذة جامعات وصحفية وكتاب، وصور بعضهم المسألة باطلاق تعبير «بلجوفوبيا» على مشاعر العداء التي يكنها لومومبا لبلجيكا، وكذلك تعبير «لومومبا فوبيا» على مشاعر العداء البلجيكية ضد لومومبا. وفي الاحد 27 نوفمبر دخل الى العاصمة الكونغولية كازافوبو في زي جنرال ذي اللونين الذهبي والابيض، وهو يختال في مشيته. واخذ لومومبا يراقب الموكب من منزله، حيث عزل بوجود نطاقين من جنود الامم المتحدة ورجال موبوتو حول البيت، وقرر عندئذ ان الوقت قد حان ليحاول الهرب والعودة الى ستانلي فيل، حيث يقوم نائبه السابق جيزنجا باعادة تجميع القوات الوطنية. وكانت المؤامرة السياسية قد اكتملت بالضغط الامريكي على الدول في المنظمة الدولية حتى تغير موقفها وتصوت الى جانب الاعتراف بنظام الحكم الجديد في ليوبولدفيل، ولم تعد هناك فرصة امام لومومبا لاستعادة السلطة بوسائل شرعية. وقام سبعة من مساعدي رئيس الوزراء الوطنيين بالاعداد للقيام برحلة الهروب، وهم الوزراء السابقون جبيني، وجوزيف مبوي، ومبولو، وانيست كاشامورو، وموليلي، واوكيتو نائب رئيس مجلس الشيوخ، وبارتليمي موجاناي محافظ البنك المركزي. وقد تمكن من الوصول الى الهدف كل من جبيني وكاشامورو وموليلي، اما لومومبا ومبولو واوكيتو فقد تم اعتقالهم واعيدوا الى ليوبولد فيل، بينما قتل مبوي وموجاناي في منطقة تشارلز فيل. وفي مساء اليوم نفسه، اي 27 نوفمبر حوالي الثامنة مساءً، كان المطر الغزير يتساقط عندما مرت سيارة طراز شيفروليه من خلال كردون الجنود المحيطين بمقر اقامة لومومبا. كان المفروض ان السيارة قدمت كالعادة لكي تعيد خدم الزعيم الافريقي، ولكن السيارة حملت هذه المرة باتريس لومومبا الذي حشر مقابل المقاعد الامامية تحت اقدام الخدم في الخلف، ولم يكن هذا الاحتياط ضرورياً بسبب العاصفة وعدم اهتمام الحرس من الجيش الوطني بغير القاء نظرة سريعة بحكم العادة، بينما اخذت السيارة طريقها الى الخارج، ولدواعي الامان ترك لومومبا السيارة عند فندق استوريا واستقل احدى سيارات سفارة غينيا بقيادة احد الرسميين، وعلى بعد قليل منها كان هناك صف من ثلاث سيارات، احداها من طراز فيات وفيها اكوندا الرئيس السابق لوزارة مبولو، ووينجودي سكرتير لومومبا الاداري، وكانت السيارة الثانية زرقاء اللون ومن طراز بيجو، ويقودها برناردين مونجو دياكا، وفي داخل السيارة لومومبا وزوجته بولين اوبانجو وابنهما الصغير رولاند، واخيراً السيارة الشيفروليه، وعلى بعد نحو الفي كيلومتر من ذلك المكان كانت ستانلي فيل تنتظر قائدها. واصاب القلق الجميع من تمكن لومومبا من الافلات من الحصار، فأرسل دايال، مبعوث الامم المتحدة الخاص الى الكونغو، برقية الى الامين العام للمنظمة الدولية همرشولد يقول فيها: «اذا عمد لومومبا الى دخول ستانلي فيل فسوف يتغير الموقف في لمح البصر». وبعث تيمبر ليك السفير الامريكي الى رؤسائه يقول: يحتمل ان يستطيع لومومبا استعادة السيطرة على الحكومة المركزية من تلك النقطة المتميزة اذا قرر الوصول اليها». في الوقت نفسه اخبر همرشولد المندوب الامريكي في الامم المتحدة بأنه سوف يضع قوات الامم المتحدة بين مدينتي ستانلي فيل وليوبولد فيل، اذا تمكن لومومبا من الوصول الى غايته. وكان الامين العام يعتقد ان جيش موبوتو لا يستطيع مواجهة قوات ستانلي فيل. الوقفة الاخيرة في بيان صحافي صدر عن لومومبا مساء مغادرته، دافع بصراحة عن مشروعة السياسي، ونفى الشائعات التي اذيعت في الراديو عن تركه العاصمة «كأي رجل جبان»، كما دافع عن مبادئ الوحدة الوطنية، ووحدة اراضي الكونغو وقال انه يمد يده الى كل من يريد الانضمام الى هذه المعركة، وانه يأمل ان يشارك في محادثات مائدة مستديرة مع كل من كازافوبو وتشومبي. ويرى مؤلف الكتاب ان لومومبا قدم نفسه باعتباره وطنياً توفيقياً وداعياً للوحدة، واتهم خصومه السياسيين بتقسيم الامة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقدم اي تنازل بشأن المبادئ الدستورية والديمقراطية. وقد وضع هاينز ودوناي كتاباً في عام 1966 بعنوان «الايام الخمسون الاخيرة من حياة لومومبا»، وذكر المؤلفان فيه ان موبوتو طلب مساعدة فنية للبحث عن لومومبا، من احدى شركات الطيران الاوروبية، وقد تسلم طائرة اوروبية مع قائدها المتخصص في الاستطلاع الجوي على ارتفاعات منخفضة. ولم تكن بروكسل وكاتانجا وجنوب كاساي بأقل قلقاً، ولم تقف العاصمة البلجيكية ومساعدوها مكتوفي الايدي، وهم يشاهدون عدوهم رقم واحد وهو يحاول استعادة حريته. وكان احد عملاء المخابرات البلجيكية في ليوبولدفيل قد ظل منذ يوم 20 نوفمبر يحذر من ان بعض الوطنيين المحتجزين يخططون للهرب. ونعود الى قافلة السيارات الثلاث وهي تتقدم ببطء بسبب الامطار العاصفة وانسداد الطرق مما عطل مسيرة لومومبا. ويصف مؤلفا الكتاب الذي ذكرناه وصول مجموعة لومومبا الى بولونجو في مساء 29 نوفمبر بالقول: «كان الهاربون يريدون تخزين بعض المؤونة، ولكن رجلا محلياً تعرف على باتريس لومومبا، وانتشرت الانباء كانتشار النار في الهشيم عن وجوده، وفي الساعة 1030 اضطر الزعيم الافريقي الى عقد اجتماع عام في قلب المدينة امام جمهور افريقي متحمس. وشرح مشكلاته في ليوبولدفيل وقال انه لن يذهب الى ستانلي فيل هارباً، بل هو يريد تحرير الاقليم الوطني وحماية الشعب.