هذا الكتاب ثمرة جهد موضوعي، منصف، استمر طويلاً، سعى المؤلف من خلاله إلى إزاحة الستار عن أسرار إحدى الجرائم الاستعمارية الأكثر بشاعة، والتي ارتكبت في القرن الماضي وراح ضحيتها الزعيم الافريقي باتريس لومومبا الذي ناضل من أجل حرية وطنه، الكونغو، واستقلاله، ومن أجل وحدة القارة الافريقية التي ينتمي إليها. ومؤلف الكتاب، لودو دي فيتي، عالم اجتماع، وكاتب معروف، وقد ترجم كتابه إلى أربع لغات، وأدى نشره إلى قيام البرلمان البلجيكي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لبحث ملابسات عملية اغتيال باتريس لومومبا، بعد أن ظلت الشكوك تحوم حول هوية مرتكبيها والضالعين معهم لأكثر من أربعين عاماً، بينما كان واضحاً أن مسئولية مؤامرة الاغتيال تقع بكاملها على عاتق شركاء كثيرين تتصدرهم الحكومتان البلجيكية والأمريكية ووكالة ال«سي. اي. إيه» وهيئة الأمم المتحدة. تآزرت كل الاطراف الغربية وداج همرشولد الامين العام للأمم المتحدة للخلاص من الزعيم الوطني الافريقي باتريس لومومبا، واخيرا وجدوا ضالتهم في خائن جديد، هو كازافوبو رئيس الجمهورية الذي قام بانقلاب ضد رئيس الوزراء المنتخب لومومبا، بعد ان تلقى وعدا من قوات الامم المتحدة في الكونغو بحماية انقلابه واغلاق محطة الاذاعة بعد ان يذيع انباء الانقلاب، وكذلك اغلاق المطارات. وكان مستشاره البلجيكي جيف فان بيلسن قد توصل الى اتفاق على هذه الاجراءات مع الامريكي اندرو كورديير ممثل الامم المتحدة في الكونغو الذي خلف رالف بانش، وفي مساء الخامس من سبتمبر 1960 اذاع كازافوبو خطابه عبر الاذاعة، معلنا اعفاء لومومبا وستة من وزرائه من مناصبهم، وبعد ذلك بقليل، وعبر الاذاعة ايضا، شجب لومومبا تصرف كازافوبو، واعلن عزله، وطالب الامم المتحدة بألا تتخلى عن مهمتها، والا تتورط في النزاع الذي وضع الحكومة وكازافوبو وجها لوجه. وقال: «اننا سوف نسوي هذا الامر بأنفسنا من خلال اجراء دستوري في برلماننا». ويذكر جنرال الامم المتحدة كارل فون هورن ان الجو في قيادة المنظمة الدولية بعد خطاب كازافوبو كان ينبئ بالارتياح والرضا. وابرق همرشولد الى اندرو كورديير ممثله في الكونغو يطلق يده بعبارات ملتوية لكي يتجاوز مهمة القوات الدولية، ويفعل ما يراه بعد الخلاص من لومومبا. وفي برقية اخرى عاد يطلب من ممثله ان يتعامل مع كازافوبو رئيس الدولة باعتباره السلطة الشرعية. وقد فعل كورديير بالضبط ما طلبه منه همرشولد، فتلقى كازافوبو الحماية التي طلبها، واغلقت قوات الامم المتحدة محطة الاذاعة والمطارات. وقد اضر ذلك بالزعيم الافريقي الشاب بلا منازع، فقد اصبح لا يملك وسيلة اعلامية، بعد اغلاق محطة الاذاعة، بينما انطلقت اذاعة معادية للوطنيين خارج الكونغو برازافيل، كما ان اغلاق المطارات اعاق هجوم القوات الوطنية ضد الانفصاليين في جنوب كاساي وكاتانجا، وكذلك ابقى هذه القوات بعيدة بمئات الكيلومترات عن المركز السياسي في العاصمة. التحيز الصارخ ضربت قوات الامم المتحدة نطاقا أمنيا حول مقر رئيس الجمهورية، وفي 6 سبتمبر طارد الوطنيون الوزير بومبوكو الذي صادق على مرسوم كازافوبو بعزل لومومبا، فلجأ الى السفارة الامريكية في ليوبولدفيل، وطلبت الولايات المتحدة من الامم المتحدة ان تقوم قواتها بمرافقته الى مقر رئاسة الجمهورية. واصدر همرشولد تعليماته الى كورديير بعبارات يرى المؤلف انها جديرة باثباتها بالحرف الواحد كما يلي: «يجب منح بومبوكو امكانية التحرك الآمن بواسطة الامم المتحدة، شأن اي مدني مهدد بالعنف، بغض النظر عن وضعه الرسمي او المكان الذي يريد التوجه اليه». ويعلق مؤلف الكتاب على ذلك بقوله: «مع ذلك وبعد ستة اسابيع، وعندما حاصر جنود موبوتو منزل لومومبا، رفضت الامم المتحدة نقل لومومبا الى ستانلي فيل لحضور جنازة طفلته الوليدة ليوني. وفي بداية شهر ديسمبر رفضت الامم المتحدة حتى حمايته عندما كان موبوتو يطارده». ويبدو تحيز المنظمة الدولية سافرا في 7 سبتمبر عندما سمحت لطائرة شركة «سابينا» البلجيكية بالهبوط في مطار اليزابيث فيل «عاصمة الانفصال» من دون اعتراض يذكر، وهي تحمل تسعة اطنان من الاسلحة. وتكشف هذا التحيز البرقيات المتبادلة حول هذا الموضوع بين مراكز الامم المتحدة في كل من ليوبولدفيل واليزابيث فيل ونيويورك. ففي 7 سبتمبر رفض كورديير وفون هورن (الامم المتحدة ـ ليوبولدفيل) طلبا من ايان بيرندسن (الامم المتحدة ـ برازافيل) لفتح المطارات من اجل تشومبي زعيم الانفصال، ولكن عندما أصرت برازافيل وافق همرشولد سكرتير عام المنظمة الدولية ومنح ممثليه في الكونغو الضوء الاخضر لتجاوز توجيهات المنظمة، ما دام ذلك يخدم مصالح تشومبي الاستراتيجية. في 9 سبتمبر انطلقت الطائرات من عاصمة الانفصال اليزابيث فيل لوقف هجوم قوات الوطنيين على شمال كاتانجا، وكان من الممكن ان يلحق جيش الكونغو الوطني الهزيمة بقوات تشومبي قرب كونغولو، لولا هذا الدعم الجوي. وقد ركزت صحف الغرب في تلك الفترة على الدور الذي لعبته المنظمة الدولية والمخالف للشرعية ودستور الكونغو، ومن بين تلك الصحف «التايمز» و«لاليبر بلجيك» التي رأت ان كازافوبو ما كان ليحقق أي انتصار لولا الامم المتحدة، وان لومومبا كان قادرا على قلب الموقف رأسا على عقب بعدد قليل من اتباعه لولا موقف قوات المنظمة الدولية. ويورد المؤلف آراء عدد من الباحثين القانونيين الذين اجمعوا على ان الاطاحة بحكومة لومومبا الشرعية تمت عبر سلسلة من الاجراءات غير الدستورية، اذ ان الدستور الكونغولي لا يمنح رئيس الجمهورية حق عزل رئيس الوزراء، او اي وزير، ويترك هذا الحق للبرلمان. ويعلق المؤلف لورو دي فيتي على ذلك بقوله: «ان الامم المتحدة وبلجيكا والولايات المتحدة نقلت السياسة من البرلمان الى الشارع حيث تم التلاعب بميزان القوى بطريقة وحشية وعدد من العسكر والكتائب والأسلحة».. وهناك كان جنرالات الامم المتحدة والضباط البلجيكيون وجوزيف ديزريه موبوتو في انتظار لومومبا. عملية «باراكودا» ومن هنا ينتقل الكتاب الى فصل جديد من المؤامرة تحت عنوان فرعي هو: «على خطى السي. آي. ايه.. عملية باراكودا» اشارة الى سمكة الباراكودا المشهورة بنهشها القاتل وتقرر اسناد مهمة تنفيذ العملية الى ضابط برتبة ميجور يدعى نويل ديديكن في اليزابيث فيل، على ان تعطى له خطة العملية لدراستها. وقد اشار فانديوال الى هذا الرجل في كتابه «ألف وأربعة ايام» وقال ان الميجور جول لوس تلقى أوامر من «جنرال بلجيكي» بارسال ديديكن الى كاتانجا خلال صيف عام 1960. وكان هذا الرجل يتولى سابقا رئاسة مجموعة من الكوماندوز التابعين لما سمي بـ «القوة العامة». وكان عليه ان يقوم باختطاف لومومبا، وتم تدريب نحو ثلاثين رجلا من قبائل بالوبا لهذا الغرض. وبعد ذلك بفترة اقام ديديكن في جنوب كاساي حيث يكون في استطاعته الوصول الى ليوبولدفيل بشكل اكثر سهولة. ويقول المؤلف ان الرسائل المتبادلة بشأن اغتيال لومومبا تؤكد من دون اي شك انه بعد مرور اسابيع قليلة من قرار واشنطن اعتبار «ازاحة» لومومبا الاولوية القصوى، عمدت بلجيكا الى الامساك بزمام الامور في يديها. ولكن عملية (باراكودا) واجهت صعوبة منذ البداية، فقد كان الموقف يتغير من ساعة لاخرى، واحيانا كان لومومبا يستطيع الاعتماد على وحدات معينة في الجيش الكونغولي ويحظى بحمايتها، وفي وقت آخر كانت وحدات مختلفة تقوم بمطاردته وتريد القبض عليه. وقد أعرب الكولونيل مارليير، المستشار البلجيكي لموبوتو عن شكواه من: «وجود عدد كبير من المتآمرين المرخص لهم بالعمل» وقال للميجور لوس انه مشغول بأمور عاجلة، وترك لوس له مهمة محاولة العثور على جنود كونغوليين لتأييد موبوتو الذي كان من الممكن الاطاحة به في أي وقت، ووفر ذلك الرجل ـ الذي يعتبر الساعد الايمن للوزير ـ مبلغ 20 مليون فرنك بلجيكي لمارليير ليدفع لهؤلاء الجنود. وفي 14 سبتمبر بدا ان الجو اصبح جاهزا تماما لانقلاب عسكري ضد لومومبا يقوده الكولونيل موبوتو رئيس اركان الجيش مؤيدا من رئيس الجمهورية كازافوبو وبمساعدة من الامم المتحدة. او هذا هو على الاقل ما ذكرته صحيفة «التايمز» البريطانية. وقبل محاولة الانقلاب في 19 سبتمبر قدمت مجلة «التايمز» في مقال لها الدليل على التعاون بين قوات الامم المتحدة ووحدات الجيش الكونغولي.. وقالت المجلة: «لقد قرر همرشولد العمل في ليوبولد فيل، وقد قام قادة الجيش الكونغولي وضباط الامم المتحدة ـ من وراء ظهر رئيس الوزراء (اي لومومبا) ـ بوضع الترتيبات الخاصة بهم، فقد اغلقت مخازن الاسلحة المركزية، وتم تدبير وقف لاطلاق النار في حملة كاتانجا. واصبح رئيس الوزراء ـ الذي جرد من قبل من مطاراته ومحطات اذاعته ـ يواجه خطر ان يصبح رئيسا بلا جيش.. اما بالنسبة للامم المتحدة، فقد كان كل ذلك مغامرة في مياه سياسية مجهولة ولا علاقة لها بالمرة بالمبادئ الاصلية التي تصورها بناة المنظمة الدولية. لقد كانت الامم المتحدة تحاول تحطيم كل ما يفعله رئيس الوزراء الذي كان اول من دعاها الى بلاده». وفي مساء 14 سبتمبر اعلن الكولونيل موبوتو عن طريق الاذاعة انه «حيّد» السياسيين حتى يوم 31 ديسمبر 1960. وكانت الامم المتحدة والولايات المتحدة الامريكية قد قامتا بدور مهم في 5 سبتمبر لانجاح عملية 14 سبتمبر، وتم ذلك كله بتجنيد القوى الاجتماعية ذاتها وللهدف عينه، وهو الاطاحة بالحكومة الشرعية المنتخبة وبالبرلمان عن طريق سياسيي الكولونيالية الجديدة وقطاعات من سلك الضباط. وفي الايام التي سبق وتلت يوم 14 سبتمبر اكتسبت الامم المتحدة التأييد بين رجال الجيش الوطني الكونغولي بتوزيع النقود والاغذية. وفي 6 سبتمبر كان داج همرشولد قد بعث ببرقية تعلن تحويل مليون دولار، وقد جاءت الأموال من الولايات المتحدة، وتم تحويلها بحجة «المساعدة على دفع الرواتب وتكاليف الاغذية لجيش الكونغو الوطني». سر الحقائب المنتفخة يرى المؤلف ان دعم الامم المتحدة لموبوتو ادى ايضا الى مزيد من الدعم الكبير من ممولين اخرين، ويستشهد على ذلك بما ذكره راجشوار دايال ممثل الامم المتحدة في الكونغو الذي قال: «كان ضباط الاتصال التابعون للامم المتحدة يذكرون من وقت الى آخر ان الملحقين العسكريين الغربيين يقومون بزيارة موبوتو ومعهم حقائب منتفخة تحتوي على رزم اوراق بنكنوت بنية اللون ويتركونها على مكتبه متظاهرين بالكرم». وكانت الاموال تتدفق على موبوتو من بروكسل ايضا، ففي نهاية سبتمبر بعث مساعد وزير الشئون الافريقية رسالة تقول انه ارسل 20 مليون فرنك بلجيكي لتدفع من اجل حشد التأييد لموبوتو. وكذلك قامت الامم المتحدة وموبوتو بتقديم المعونة لتشومبي. ويصف مؤلف الكتاب موقف شعب الكونغو فيقول ان المعلومات حجبت عنه تماما، ومع عدم وجود احزاب سياسية منظمة او نقابات او اتحادات جماهيرية اخرى كانت لدى الناس الفقراء في الاحياء الاكثر فقرا فكرة غامضة جدا عن تطورات الاحداث وبدا لهم وكأنها من صنع ممثلين محتجبين يحيكون المكائد الدبلوماسية والمشاورات السرية في واشنطن ونيويورك وبروكسل، حيث لا سيطرة لشعب الكونغو عليها. وكان المزاج العام السائد لدى المواطن الكونغولي العادي هو مزيج من القلق والشك، وبسرعة تحول الترحيب السابق بقوات الامم المتحدة لديه الى شعور بالاحباط والعداء تجاه اصحاب القبعات الزرق «قوات الاحتلال العسكري الجديد» في نظره. ويضيف فانديوال هذا الموقف في نهاية سبتمبر 1960 فيقول في كتابه «الف واربعة ايام»: «لقد تنامى عداء الجماهير الكونغولية لبلجيكا سريعا منذ تدخل القوات متعددة الجنسية، وكان المراقبون يعون جيدا العداء بين المستعمرين السابقين (بكسر الميم) والمستعمرين السابقين (بفتح الميم) ولم تكن هناك اي جدوى من الاعتقاد بأن النظام الجديد قد يتمكن من تعديل هذا الموقف في المستقبل القريب». وكذلك اعرب بومبوكو ـ الذي رمى بثقله كله الى جانب بروكسل ـ عن شكواه من المقالات التي تصفه بأنه عميل لبلجيكا، واعرب عن خشيته من الرأي العام المتأثر بدعاية لومومبا. وكان ذلك هو ايضا موقف الجماهير التي اضطرت كازافوبو وموبوتو الى الاستعانة بالقوات الاجنبية. ويقول المؤلف ان الشعب لم يمنع الاطاحة بلومومبا، ولكنه في الوقت نفسه لم يكن مستعدا لأن يترك النظام الجديد ينعم بالاستقرار. وحتى في العاصمة نفسها كان خصوم لومومبا يشكلون عددا قليلا جدا، وفي 15 سبتمبر لم يستطع كازافوبو ان يجمع اكثر من 300 متظاهر ضد الوطنيين. وعندما قرر لومومبا الخروج ومقابلة سكان ليوبولدفيل كان لابد من اتخاذ اجراءات صارمة. وكتب الكولونيل مارليير الى رؤسائه في بروكسل يقول ان حرية الحركة الممنوحة لباتريس لومومبا ومساعديه موريس مبولو، وجيزنجا، وموليلي، تشكل خطرا دائما. وجاءه رد بالغ السرية من وزير الشئون الافريقية البلجيكي داسبريمونت ليندن بأنه قد تم تخصيص 500 مليون فرنك بلجيكي لدى البنك المركزي لمساعدة النظام على دفع مرتبات الجنود واشياء اخرى. كذلك تم تفويض مارليير في استخدام ارصدة اخرى لدفع الرواتب، واشترط الوزير ان يؤدي ذلك الى نتائج جيدة في «التحييد الفعال للومومبا». وفي 9 اكتوبر خرج لومومبا ليتجول في العاصمة للمرة الاخيرة وعقد عدة اجتماعات حضرتها جماهير متحمسة. وفي اليوم التالي امر موبوتو قواته بمحاصرة بيت الزعيم الافريقي، وهو المقر السابق للحاكم العام، في قلب المدينة الاداري بالقرب من نهر الكونغو. واصبح لومومبا «محميا» بنطاقين من الجنود، وكان النطاق الداخلي مكونا من جنود الامم المتحدة، اما الخارجي فمن جنود جيش الكونغو الوطني. وكان هذا التشكيل العسكري دليلا على رغبة التحالف الغربي الذي اراد قطع صلة لومومبا بمصادر قوته، وقد بعث هذا الاجراء ايضا الرضا في قلوب قادة الامم المتحدة. والواقع ـ كما يقول المؤلف دي فيتي ـ ان هذا الكردون المزدوج من الجنود كان يناسب جميع الذين كانوا يعتقدون ان وجود نظام كولونيالي جديد مستقر لن يتحقق الا باضعاف لومومبا وتقليص نفوذه. وهكذا اصبح لومومبا سجيناً في منزله.. ومنفياً في وطنه! رأس الحربة في برقية للسفير الامريكي في الكونغو اخذ يؤكد لحكومته ان «العزل الجسدي للومومبا سوف يعني موته سياسيا». واخبر دايال رئيسه همرشولد بأن «لومومبا في الواقع سجين فعلي في بيته دون حرية الاتصال بأي شخص، وهو لا يجد حتى هاتفا يستخدمه» وبعد فترة قصيرة اخبر قادة الامم المتحدة رئيس الوزراء السابق بأنه تحت حمايتهم فقط طالما هو في منزله اي انه يستطيع الاعتماد على الحماية ما دام لا يقوم بأي نشاط سياسي. وقد اعربت حكومة ايسكنز البلجيكية عن تقديرها لدور قيادة الامم المتحدة في احداث سبتمبر، وازاء انتقاد الصحف البلجيكية «للحماية» المفروضة على لومومبا لزمت الحكومة الصمت لكي تتجنب تعليق الدول الافريقية لمساهمتها في قوات الامم المتحدة. وبالسجن الفعلي لرئيس الوزراء في بيته انتهت عملية باراكودا بمخاطرها، واستمرت بلجيكا ـ من دون توقف ـ في استخدام كاتانجا كرأس حربة وأكثر الوسائل أمنا لمحاربة القومية الكونغولية التي كانت لا تزال قوة حية الى أقصى الحدود. ويقول مؤلف الكتاب ان انفصال اقليم كاتانجا كان امضى اسلحة الغرب في حربه ضد حكومة لومومبا، ولقد بترت بلجيكا ذلك الاقليم من جسم الكونغو املا في الا تتحمل ليوبولدفيل (عاصمة لومومبا) تلك الضربة. وتحت عنوان «اقليم النحاس» يتناول الكتاب مدى أهمية هذا الاقليم ويكشف بالارقام مدى سيطرة الشركات البلجيكية والمجموعات المالية في بلجيكا على مناجم واراضي تلك المنطقة، ويقع مركز الثقل الاقتصادي لاقليم النحاس في الجنوب الذي يتكون من سلسلة من الهضاب على ارتفاع يزيد على الف متر فوق سطح البحر. وقد اطلق العلماء البلجيكيون اسم «الموقع الجيولوجي المثير» على الطبقات بالغة الغنى الواقعة تحت تربة تلك السلسلة. وعلى هذه الهضاب تقع اهم المناجم، ومعظم الصناعات، واكبر المدن: اليزابيث فيل، وجادوتفيل، وكولويزي، وقد انشئ خط السكك الحديدية لتسهيل تصدير ثروات كاتانجا، ويمتد هذا الخط بحذاء الحدود الجنوبية ويربط المدن الرئيسية بروديسيا (آنذاك) وانجولا. كان الاقليم من ممتلكات شركة «اونيون مينيير دي اوت كاتانجا» اي «شركة المناجم المتحدة لجنوب كاتانجا» والتي اشترك في تأسيسها عام 1906 كل من «لجنة كاتانجا الخاصة» (وكان الملك ليوبولد الثاني يمتلك نصيبا هائلا فيها)، وشركة امتيازات تنجانيفا، ومجموعة سوسييتيه جنرال البلجيكية، وكانت تلك المجموعة الاخيرة تمتلك حقوق استغلال جميع طبقات النحاس في منطقة تبلغ مساحتها 15 الف كيلومتر مربع، اي نحو نصف مساحة بلجيكا. ثمن الخيانة اصبحت شركة المناجم المتحدة فيما بعد جوهرة تاج مجموعة سوسييتيه جنرال البلجيكية التي سيطرت على نحو 70% من اقتصاد الكونغو البلجيكية. وكانت الشركة المتحدة تدير الجانب الاكبر من كاتانجا، وسيطرت تلك الشركة على استغلال الكوبالت والنحاس والقصدير واليورانيوم والزنك في اغنى مناجم العالم، وكانت الشركة تتمتع بامتياز يغطي مساحة 34 الف كيلومتر ويعمل بها 21 الف افريقي و2200 اداري اوروبي، وبلغت ارباحها الصافية في الخمسينيات بين 2.5 مليون فرنك بلجيكي و4.5 ملايين فرنك بلجيكي في السنة. وظل انتاج خام النحاس يتصاعد بثبات حتى وصل في النصف الثاني من الخمسينيات الى 250 الف طن مما جعل الكونغو تحتل المركز الرابع في قائمة دول العالم المنتجة للنحاس. وفي عام 1956 كان الكوبالت المستخرج في كاتانجا يمثل 75% من اجمالي انتاج العالم من هذا المعدن.ولهذا فان اسراع بلجيكا الى ارسال قواتها الى مستعمرتها السابقة بعد فترة قصيرة من الاستقلال، كان الهدف الاساسي وراءه هو حماية الكنز الكولونيالي. ويعترف فانديوال في كتابه «الف واربعة ايام» بأن «الهدف غير الرسمي للسياسة البلجيكية، في يوليو 1960 كان الاستمرار في تشغيل الآلة الانتاجية المتمثلة في جميع المناجم والانشاءات الصناعية في كاتانجا». ومع ذلك فقد كان انفصال الاقليم نعمة بالنسبة لشركة المناجم المتحدة على المدى القصير اذ لم تخسر الشركة يوم عمل واحدا في عام 1960، بل ان انتاج النحاس ارتفع من 280 الف طن عام 1959، الى 300 الف طن عام 1960. ويرى دي فيتي ان كاتانجا لم تعلن الانفصال الا بعد ان اودعت الشركة المتحدة مبلغ 1.25 مليار فرنك بلجيكي في حساب تشومبي البنكي، على اعتبار ان هذا المبلغ هو دفعة مقدمة من الضرائب عن عام 1960 والتي كان ينبغي ان يتم دفعها الى حكومة لومومبا الشرعية.