ربما تكون القمة قد انتهت مع صدور هذا المقال، ولكن تبقى المعاني التي يحملها هذا المقال مناسبة للمرحلة المعقدة التي تمر بها المنطقة، لأن هذا الوضع المعقد لن تحله قمة بيروت، التي ستنشغل بقضايا فلسطين والانتفاضة، وربما تلامس هموم المسئولين العراقيين الذين يريدون من القمة العربية موقفاً معارضاً للتدخل العسكري في بغداد، ويطالبون برفع العقوبات، لكنها، هذه القمة التي عمل لبنان الكثير من أجل إنجاحها، وعوّل عليها في مساعدته في أزمته السياسية والاقتصادية، ليست قادرة على إزالة المخاطر التي تتصاعد يومياً، والتي تضيق على رقبة العراق مع كل دقيقة تمر، وواضح ان العراق يشعر بأن المسألة معقدة، ويشعر أكثر بأن المواجهة ليست تكراراً لعمليات سابقة امتصها العراق بضربات صاروخية تسقط على مصنع أو مقر للمخابرات، وإنما الوضع يختلف برمته، وربما من المفيد ان استعرض بعض المؤشرات التي لابد ان يقرأها العراق بتمعن. أولاً: لن تستطيع القمة انقاذ العراق مهما أصدرت من بيانات حادة ومثيرة ولاذعة، لأن البيانات لن توقف الطوفان القادم، ولن يستطيع القادة عمل أكثر من تصريحات وربما بيانات، لن تتعدى تبادل الجدل أو الاختلاف، ففي هذه الحالة التي أمام القمة، لا يستطيع إلا العراق وحده انقاذ نفسه مما ينتظره، ولن يستطيع أحد سوى بغداد في مساعدة نفسها في الابتعاد عن مسببات الصدام، وأبرزها عدم اعطاء واشنطن ذريعة مهما كانت صغيرة في استغلالها لتوجيه ضربتها ومهما كانت عواطف المجتمعين في بيروت، ومهما كانت قسوة ألفاظهم وضجيج مصطلحاتهم، لن ينقذ بغداد سوى نفسها، ويا ليت بغداد تستوعب ذلك. عند زيارة نائب الرئيس العراقي عزت الدوري الى البحرين صدر تصريح لمسئول في البحرين يقول فيه ان المسئولين نصحوا قادة العراق بالتعاون مع السكرتير العام للأمم المتحدة، وأن يتولى هؤلاء القادة انقاذ العراق، فعلى العراق ان يساعد نفسه أولاً. ثانياً: كانت استراتيجية الرئيس كلينتون هي تطويق العراق وحبسه في صندوق، عبر العقوبات، والإشراف الدولي على برامجه التنموية والعسكرية، وتركه يعيش في ذلك الصندوق، مع تفتيت سلطته في الشمال والجنوب، ولم يعبأ الرئيس كلينتون ببقاء النظام العراقي أو موته، فلم يكن ذلك ضمن همومه، ولذلك جاءت ردة الفعل الأمريكية على المخالفات العراقية سواء في طرد المفتشين، أو في التآمر على حياة الرئيس بوش، أو في دخول منطقة الشمال، متمثلة في ضربات تأديبية عقابية، الغرض منها احكام القبضة على العراق. وقد عاش النظام في بغداد هذه السنوات، في الفترة الأولى بسبب إنسانية الرئيس بوش الأب، الذي أوقف القتال مبكراً قبل تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وفي الثانية بسبب استراتيجية كلينتون في إدخال النظام في صندوق، وأخذ القفل منه ووضعه في يد واشنطن. ثالثاً: تختلف سياسة الرئيس بوش عن سابقيه، فإن أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر تختلف عما كانت عليه قبلها، فقد خسرت في دقيقة واحدة ثلاثة آلاف قتيل في قلبها في نيويورك وفي عقلها في البنتاجون، وبسهولة غير معقولة، وعلى أرضها التي لم تمس منذ الاستقلال 1776، ولم يمس الأراضي الأمريكية أي معتد باستثناء ميناء بيرل هاربر، وفي هاواي... وخرجت من تلك الحادثة مجروحة، ومهانة، ومصممة على اقتلاع اعدائها من مخابئهم وفي مواقعهم. وشاءت الظروف التي تحيط بالعراق وبطبيعته، وتكوينه وبسجله، أن ترى فيه واشنطن موطن الشر الذي توزع في مثلث في القارة الآسيوية، فهو يملك أسلحة الدمار الشامل، وفق المنظور الأمريكي، وهو في لائحة أعداء أمريكا الذين يتربصون بها، وهو المعارض لاستراتيجيتها، وهو يشكل مشكلة للأسرة الدولية كما يقول وزير خارجية فرنسا، وهو المنبوذ دولياً بسبب العقوبات. يقول الرئيس بوش في حديث صحفي أثناء زيارته لولاية ميسوري انه لا يزال مصمماً على منع العراق من أن يشكل تهديداً للولايات المتحدة بحصوله على اسلحة الدمار الشامل، رغم تحفظات القادة العرب حيال جهود واشنطن لضرب العراق ويعلق الرئيس «أقدر نصائحهم لكننا لن نترك قائداً من أكثر القادة خطراً أن يحصل على أكثر الأسلحة خطراً في العالم ليهدد بها الولايات المتحدة وأصدقاءها وحلفاءها، وهذا لن يحدث، وسنواصل العمل مع القادة العرب ونتحاور، وسبق وقلت، بأننا أمة حكيمة وسنتحدث الى أصدقائنا وحلفائنا ولكن عندما تحدثت عن محور الشر أعربت بوضوح عن رأيي ولا يمكن للمرء أن يكون واضحاً أكثر من ذلك». نشرت صحيفة «الرأي العام» الكويتية في عددها الصادر يوم الثلاثاء 19 مارس الجاري، خبراً سربه أحد الأفراد المرافقين لنائب الرئيس تشيني في زيارته للكويت، بأن الضربة العسكرية للعراق، في حالة اقرارها، ستكون حاسمة وقوية، وسيكون هدفها ومنتهاها الإطاحة بالنظام، وان الضربة ستدرج ضمن حملة محاربة الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة، والتي بدأت في أفغانستان، وتتجه نحو الصومال، ثم العراق، ولن تكون تحت مظلة القرارات الدولية المتعلقة بغزو العراق للكويت، وقد يكون أهم ما قاله تشيني، على ذمة المصدر الأمريكي، ان نائب الرئيس تشيني طلب من الدول التي زارها ومنها الكويت، عدم الربط بين الموقف من الضربة للعراق والموقف بشأن القضية الفلسطينية، وانه قال للمسئولين الكويتيين الذين أجرى معهم محادثات، لو تم التعامل مع الغزو العراقي للكويت على أساس الربط بينه وبين القضية الفلسطينية كما كان العراق يريد، لكانت الكويت لا تزال الى اليوم محتلة، وان نائب الرئيس شدد على التزام العراق تنفيذ كل قرارات مجلس الأمن وخصوصاً استقبال المفتشين والسماح لهم بالدخول غير المشروط الى أي موقع يشتبه به وإعادة الممتلكات الكويتية المسروقة وإعادة الأسرى. رابعاً: ولربط العراق بشبكات الارهاب التي تلاحقها واشنطن، أكد جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ان العراق أجرى اتصالات بتنظيم القاعدة ولم يستبعد ان تكون بغداد أقامت تعاوناً تكتيكيا مع التنظيم مشدداً على ان لها تاريخاً طويلاً في مجال الارهاب. ويضيف رئيس وزراء تركيا أجاويد بأن نائب الرئيس الأمريكي قدم له أدلة على سعي العراق الى امتلاك أسلحة دمار شامل، وان الادارة الأمريكية عازمة على اطاحة النظام العراقي لكنها لم تتخذ أي قرار. كما أكد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في المنطقة الكردية بأن مجموعة قريبة من تنظيم القاعدة تعمل في شمال العراق، وان جند الإسلام المتواجدة في شمال العراق مجموعة خطيرة وهي فرع للقاعدة، كما لم يستبعد مدير المخابرات المركزية الأمريكية احتمال ضلوع العراق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ومازالت العلاقة بين العراق والقاعدة تحت التحقيق وسنرى الى أين تسوقنا الأدلة. وقد أجرت صحيفة «الرأي العام» الكويتية مقابلة مع نائب رئيس تحرير صحيفة «الواشنطن بوست» المعروفة بقربها للمعلومات داخل الادارة الأمريكية، ونظراً لأنها توضح خطوط السياسة الأمريكية تجاه العالم وتجاه الارهاب، من المناسب اقتباس ما قاله عن الذهنية الأمريكية.. يقول «يجب أن تدركوا ان درجة ما حدث للولايات المتحدة أكثر بكثير مما حدث للكويت خلال الغزو، بل لم يحصل أبداً في العالم ان يموت ثلاثة آلاف شخص في لحظة واحدة، وتنشطر ولاية بأكملها، لا يمكن تصور فداحة ما حدث، وبناء على ذلك، عليكم أن تدركوا مدى عزم الادارة الأمريكية على تقديم أفضل ما لديها للتصدي للارهاب، وإذا وافقهم الاتحاد الأوروبي سيكونوا سعداء، ولكن إذا لم يتم ذلك فإنهم سيواصلون ما عزموا عليه، وإذا شعرت واشنطن أن هناك حاجة لضرب العراق، ووجدت الكويت وسوريا والسعودية لا يحبذون ذلك، فلن يثنيها ذلك عن ضربه، لا يمكن لأحد أياً كان أن يلغي من ذهن الولايات المتحدة الانتهاك الذي تعرضت له في سبتمبر، ولا يمكن أن يتوقف الأمر عند أفغانستان لكن لا أحد يفهم هذا الشعور. تريد الإدارة الأمريكية عمل شيء ضد العراق لكن غير معروف ما هو ولا التوقيت، ولا تحتاج الولايات المتحدة، إلى وجود عسكري ضخم مثل 91، فلديها قواعد في المنطقة، ولديها مركز قيادة وسيطرة، ومركز قيادة الجيش الثالث في الكويت، ونحن نعلم ان العرب جميعهم، يقولون شيئاً في العلن وربما عكسه في الاجتماعات المغلقة، لا نعلم ان كانت السعودية والكويت أو غيرهما رفضتا ضرب العراق في جلسة خاصة مع المسئولين الأمريكيين، لكننا لا نعتقد ان الكلمة التي يسمعها تشيني عن معارضة ضرب العراق هي الكلمة الأخيرة. خامساً: يتزامن هذا الوضوح في التوجهات الأمريكية مع قلق المجموعة الأوروبية التي دفعت الرئيس الفرنسي شيراك لتقديم اقتراح أن يتبنى مجلس الأمن قراراً يسمح بعودة المفتشين الى بغداد، وإذا عرقل الرئيس العراقي تنفيذ هذا القرار لم يستبعد شيراك ان تؤيد فرنسا تحركاً عسكرياً لإطاحة النظام ، طالما كان الجهد يحظى بدعم مجلس الأمن، ويضيف شيراك بأن على القادة العراقيين ان يأخذوا على محمل الجد مطالب مجلس الأمن لأن عودة المفتشين هي شرط مسبق وضروري وأساسي، ولا مناص منه، وإذا سمحت بغداد بعودة المفتشين دون شروط، ستختفي مشكلة الضربات العسكرية، واعتبر ان مفتاح هذه المشكلة بيد العراق، كما طالب الرئيس الفرنسي بضمانات بأن لا يكون العراق يطور اسلحة تشكل تهديداً للمنطقة والعالم على السواء، ومع ذلك هناك اجماع في الادارة الفرنسية على ان واشنطن مصممة بجد على ضرب العراق اذ استمر في رفض المفتشين. سادساً: بسبب التعنت العراقي، نجحت الولايات المتحدة في الاستفادة من مرجعية قرارات لمجلس الأمن وضرورة تنفيذها في تكاتف الضغط على العراق وتحميله مسئولية المصادمات، لأن المسئولين العراقيين على علم دقيق بما ينبغي عليهم تنفيذه، وهم خبراء في قراءة القرارات الدولية، لأن الأمر الوحيد الكفيل بوقف أخطار الحرب الأمريكية ضد العراق هو ان يبدأ الجانب العراقي حواراً سريعاً مع هانز بليكس رئيس لجنة المفتشين لكي يتقدم الأخير بتقرير الى مجلس الأمن مفاده ان الإجراءات المتعلقة بعودة المفتشين بات متفقاً عليها مع العراقيين وان المفتشين سيعودون خلال اسبوعين. لن تقبل الولايات المتحدة المقترح الفرنسي بالرجوع الى مجلس الأمن، ولن تحتاج الى اي قرار، ولن تعبأ بالمعارضة العربية، وستتصرف ضد بغداد في اطار تنفيذ مهمتها التاريخية في اقتلاع مواقع الارهاب. في لقاء شارك فيه الصحفيون، جمع الرئيس بوش ونائبه تشيني بعد عودته من الرحلة الطويلة، أعلن الرئيس بوش ادارته من تمكن نائبه نقل رسالة الى القادة العرب فحواها ان الولايات المتحدة مصممة على التصدي للإرهاب ولن تفوت فرصة، ونبه الى اهمية ادراك قادة المنطقة طبيعة ادارته، بينما أضاف نائب الرئيس بأن القادة العرب أكثر قلقاً من واشنطن من امتلاك نظام بغداد أسلحة كيماوية وجرثومية، وانه ناقش مع القادة أفضل السبل لمواجهة هذه المشكلة. وجدد الرئيس بوش تصميم الإدارة على العمل ضد الارهاب، لأننا عندما نقول سنفعل شيئاً فذلك يعني اننا نعتزم القيام به، نحن عازمون على شن حرب على الارهاب، ولن نفوت فرصة. بينما العراق يتعامل بإهمال مع هذه المؤشرات، وبدلاً من التحاور الجاد والسريع طرح تسعة عشر سؤالاً على السكرتير العام للأمم المتحدة، بعضها مناسب وبعضها لا علاقة له بجدية التحاور المطلوب، مثل الطلب من السكرتير العام ضماناً بأن هؤلاء المفتشين الجدد ليسوا جواسيس ولن يقوموا بمهمة التجسس، وقد نشرت هذه الأسئلة في وقت لا مجال فيه للتسويف والمماطلة.