بيان الاربعاء: من الواضح ان تعيين انتوني زيني موفدا أمريكيا لمعالجة ما يسمى قضية «الشرق الاوسط « تحديدا في جانبها الفلسطيني ـ الاسرائيلي يحمل دلالة جلية، والدلالة الأمريكية، من ذلك هي ان اصل تفكيك الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يتمحور في ايجاد علاقة امنية تعاونية بين السلطة الفلسطينية واسرائيل لتحد من تفجر الاوضاع الميدانية وتنهي المواجهة المسلحة بينهما، ما استدعى ان يكون الموفد جنرالا متقاعدا على دراية بقضايا الامن، وليس بالضرورة بقضايا السياسة. باختصار ان مهمة زيني، كما يريدها الأمريكيون، محددة وتقنية وتتمثل بايجاد وتثبيت وقف لاطلاق النار بين الطرفين. ماذا يجني الجانب الفلسطيني من «وقف اطلاق النار» ليجعله يتعاون مع زيني في مهمته المحددة والتقنية قيل ان ذلك يعتبر ضروري لانه يشكل المدخل الوحيد للعودة الى مسار التسوية السياسية. ولكن مع هذه الاجابة تصبح الاسئلة الح وابلغ: ما هي محددات هذه التسوية، وما هي اركانها، وما الفترة الزمنية الواضحة والثابتة لانقاذها، وما هي النهاية التي ستنتجها؟ باختصار ما الذي سيتحقق بفعل هذه التسوية، ومتى؟ زيني لا يعرف ذلك، وليس مخولا بمناقشة ذلك، فهذه مهمة متروكة للسياسيين فيما بعد، اما مهمته فتتحدد في ادخالنا بالنفق، وليس في اخراجنا منه. والمدخل معروف يبدأ بتطبيق وثيقة تينيت وايصالنا الى تنفيذ خطة ميتشيل وكلتاهما لا تتعلق بالنهايات او تفصح عن مضمونها، فوثيقة تينيت وثيقة امنية صرفة، ولا يوجد بها أي افق سياسي بل هي تتعلق بما يدعى بانه تبادليات امنية فلسطينية ـ اسرائيلية، ولكنها بالفعل تضع العبء على الجانب الفلسطيني مقابل توقف اسرائيل عن القيام باعمال امنية بمبادرتها في المناطق الموجودة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وعدم تنفيذها أي نوع من الهجمات ضد منشآت رئيس السلطة الفلسطينية او قوات اجهزة الامن، الاستخبارات، الشرطة الفلسطينية، او السجون في الضفة الغربية وفي غزة، وتوصلها مع الجانب الفلسطيني الى تحديد جدول زمني متفق عليه لتنفيذ اعادة انتشار كاملة لقوات الجيش الاسرائيلي في مواقعها قبل 28 سبتمبر 2000، اما خطة ميتشيل فهي تقضي بفترة تهدئة من اجل تثبيت وقف اطلاق النار وتجميد الاستيطان من اجل ايجاد المناخ الملائم للعودة الى طاولة المفاوضات. عندما تيقنت الولايات المتحدة من ان مدخلها الامني المقترح لا يلبي المتطلبات الفلسطينية، مع انها ارغمت الجانب الفلسطيني على قبول هذا المدخل، اتجهت نحو التلويح بافق سياسي لاختتام عملية التسوية السياسية، من هذا المنطق جاء اعلانا بوش وباول عن الموافقة الأمريكية على قيام دولة فلسطينية واتبع ذلك مؤخرا بقرار من مجلس الامن الدولي يتحدث عن رؤية المنطقة والشرق الاوسط مفادها وجود دولتي فلسطين واسرائيل، تعيشان جنبا الى جنب ضمن حدود امنة ومعترف بها. ومع ان هذا التوجه الأمريكي مهم ويعتبر خطوة ضرورية وحيوية للتوصل الى تسوية سياسية، الا انه تطور غير كاف على الاطلاق لتأمين القبول الفلسطيني بالبدايات التي يحملها زيني. فالرؤية الأمريكية لا تحدد الدولة الفلسطينية بحدود الرابع من يونيو العام 1967، ولا تتعامل مع قضايا اساسية مثل المستوطنات والقدس وعودة اللاجئين بل تترك جميع هذه القضايا هلامية تخضع للمفاوضات بين الطرفين، الطرف الاسرائيلي المحتل والجانب الفلسطيني الخاضع للاحتلال وكان بينهما توازيا ومساواة. قد تكون الورطة الفلسطينية الاساسية بعد الموافقة على الدخول في عملية تسوية سياسية دون تحديد نتائجها مسبقا، تتمثل في القبول المفتوح بخطة ميتشيل.ولكن وطأة هذه الورطة تشتد في القبول الفلسطيني غير المشروط بوثيقة تينيت، فهذه وثيقة لا يمكن ان يستخلص منها فلسطينيا ان طبقت بحذافيرها (والحذافير المطلوبة من الجانب الفلسطيني كثيرة معيبة منها «تعقب واعتقال ارهابيين» و «وقف التحريض» و«التعاون الامني ضد الارهاب والاعمال الارهابية» و «العثور على الاسلحة غير القانونية ومصادرتها» و»القيام بعمليات وقائية ضد الارهابيين واماكن اختبائهم ومخازن الأسلحة ومصانع انتاج الراجمات» سوى عودة «الوضع على الارض مثلما كان قبل 28 سبتمبر الماضي « (أي العام 2000). قد يكون الجانب الفلسطيني استطاع سابقا التحايل على الورطة التي اضطر الى ابتلاعها بالموافقة على خطة تينيت ولكن الورطة تعود الى التجلي مجددا والامتحان يصبح الان اعسر، فزيني يأتي الان لتنفيذ هذه الوثيقة مسلحا بموقف امريكي متجدد ومتشدد لتحقيق «وقف اطلاق النار» مع تغطية شكلية بوجود افق سياسي أمريكي هلامي مفاده اقامة دولة فلسطينية من ناحية، وممارسة ضغط علني على اسرائيل لوقف اجتياحاتها للمناطق التابعة للسلطة الفلسطينية، اي ان الضغط الأمريكي سيتجه حاليا، وبقوة غير مسبوقة على الجانب الفلسطيني للايفاء بهذه الالتزامات ان وافق عليها اصلا، ولكن الافق الحقيقي للايفاء بهذه الالتزامات لن يتعدى عودة الوضع الى ما كان عليه قبل اندلاع الانتفاضة، وبالتأكيد فان الجانب الفلسطيني يجب ان لايقبل بهدر كل التضحيات المقدمة من اجل العودة الى المربع الاول مع وعود غير محكمة واليات غير واضحة وثابتة ونافذة. وما يزيد الامر تعقيدا ان الجانب الفلسطيني مضطر للتعامل مع الولايات المتحدة التي لايمكن تجاهلها او تحديها ضمن وضعية الخمول العربي والتبعية الدولية، ما يجعلها المحدد الاساسي للسياسة الدولية، اضافة الى كونها الراعي الاساسي لاسرائيل وحامية للمصالح الاسرائيلية. لا يمكن فلسطينيا القبول بتوريط الذات، ووثيقة تينيت توريطة اكيدة للذات، وزيني قادم لتنفيذ هذه الوثيقة والا جاءت الادانة الأمريكية للجانب الفلسطيني وهو المفتاح الذي ينتظره شارون لاستكمال مهمته والاجهاز على المشروع الوطني الفلسطيني. فكيف الخروج من الورطة الواقعة؟ قد يكون للجانب الفلسطيني التشديد على ما يلي: 1 ـ نظرا لتغير الاوضاع منذ صدور وثيقة تينيت، وخصوصا تصاعد العدوان الاسرائيلي وما قامت به اسرائيل من اجتياح وتدمير للبنى الفلسطينية المختلفة، فان الجانب الفلسطيني مدعو الى الاصرار على تغيير اولويات هذه الوثيقة بحيث تكون عودة الوضع على الارض لما كان عليه الحال قبل 28 سبتمبر 2000 المدخل وليس ناتج تنفيذ ما جاء في الوثيقة. 2 ـ الاصرار الفلسطيني على مكالبة زيني بدمج وثيقة تينيت مع خطة ميتشيل وربط تبادلية التنفيذ بالوقوف الفوري الشامل لعملية الاستيطان، خاصة وانه يجب ان لا يجحف عمليا من قبل اسرائيل بالرؤية الأمريكية التي تقول باقامة دولة فلسطين. 3 ـ التشديد على ضرورة انهاء الاحتلال الاسرائيلي لاراضي العام 1967، بالكامل واقامة الدولة الفلسطينية ضمن فترة زمنية محددة ومقلصة، وحصر التفاوض بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي باستكمال وثيقة طابا، في هذا السياق من الضروري ان يتم فلسطينيا سحب تفاهمات ابو العلاء ـ بيريز من التداول بشكل نهائي وقطعي لانها تشكل مدخلا التفافيا على المطالبة بانهاء الاحتلال الاسرائيلي. 4 ـ عدم مساعدة شارون للخروج من ورطته المتفاقمة، بل تصدير الورطة الفلسطينية المرتقبة اليه لتضاعف من الازمة السياسية التي يمر بها حاليا، يجب علينا عدم قبول خداع الذات بالوساطة الأمريكية فشارون والتسوية السياسية ذات الحد الادنى المقبول فلسطينيا لا يلتقيان على الاطلاق، والمهمة الفلسطينية الاكثر الحاحية الان تتمثل في محاصرته سياسيا واسقاطه فعليا. ضرورة التعاطي مع زيني لم تعد تعني، ويجب ان لا تعني، ان الجانب الفلسطيني مرغم على قبول الاجندة الاسرائيلية الملفعة بقشرة أمريكية فالصمود الفلسطيني اثبت نجاعته وقدرته على تغيير هذه الاجندة، وعلى اسرائيل والولايات المتحدة ان تتعاطيا مع هذه الحقيقة البنية.