بيان الاربعاء: تأتي أفكار الأمير عبدالله والتي أخذت صيغة مبادرة في مقدمة ما يطرح اليوم على قمة بيروت، وهو أمر كانت الأسابيع الأخيرة تدورحوله كمحور للحل في الشرق الأوسط. ردود أفعال كثيرة ومختلفة دارت حول المبادرة وأهميتها، فمن العرب من رأى انها جيدة ومنهم من رأى انها باهظة الثمن ومنهم من رأى انها انتكاسة عربية أخرى. تركزت ردود الأفعال العربية حول المبادرة على ان المبادرة: ـ تعمل على تقزيم الصراع وكأنه نزاع وتصويره على انه نزاع بين دولتين طبيعيتين، لا بين احتلال أو صراع وجود. ـ انقلاب في الفكر السعودي. ـ تعرض التطبيع الكامل مقابل الانسحاب واسقاط حق اللاجئين في العودة ويعني اعترافاً كاملاً باسرائيل مقابل حقن دماء الفلسطينيين على بقعة صغيرة من الأرض لاتتجاوز 13%. ـ جاءت في غير وقتها لانقاذ شارون. ـ محاولة للجم التطبيع الانفرادي واستخدام التطبيع الكامل كورقة لتعظيم المكاسب العربية. ـ استجابة للابتزاز الأمريكي بسبب اتهام 11 سعودياً بتفجيرات 11 سبتمبر في أمريكا. ـ محاولة لرفع اسهم السعودية لدى الأمريكيين وتحسين صورتها بعد التوتر الذي شاب العلاقات بين البلدين في أعقاب احداث 11 سبتمبر. ـ لا تعرض أكثر من ضمانات أمنية لاسرائيل سيتم استغلالها لفرض التطبيع دون سواه. وقبل الدخول في تفاصيل ما يمكن أو ما ينبغي ان تتضمنه المبادرة السعودية لابد ان نعرض لردود الافعال الاسرائيلية والأمريكية، فاسرائيل رأت ان المبادرة السعودية تنطوي على أهمية كبيرة لاسرائيل تتمثل في: ـ اعتراف 22 دولة عضوة في الجامعة العربية باسرائيل واقامة علاقات كاملة معها، وهو ما يوفر على اسرائيل تخبط الذي له الكثير من رؤساء الحكومة الاسرائيليين في السابق، والحيرة في الاجابة على تساؤل: هل يجب أولاً انهاء المفاوضات مع الفلسطينيين أو من الأفضل الحديث أولاً مع السوريين؟ (وفق يديعوت أحرونوت في 26 فبراير 2002). ـ ان السعودية بما لها من تأييد في العالم الاسلامي انتظرت قيام دولة اخرى بالخطوة الأولى تجاه اسرائيل سابقاً، لكنها هذه المرة تأخذ زمام المبادرة وهو ما ينطوي على أثر كبير على العالمين العربي والاسلامي. ـ ان الأمير عبدالله تغافل في مبادرته عن ذكر حق العودة وهو البند الذي لن توافق عليه أي حكومة اسرائيلية، اذ يجب حسم قضية عودة اللاجئين لصالح اسرائيل. المسئولون الاسرائيليون ومنهم بيريز رأوا ان المبادرة جيدة، فتقاسم المدينة المقدسة سوف يتضمن الابقاء على مواقع اسرائيلية في القدس الشرقية، حيث ستبقى بعض القطاعات بين أيدي اسرائيل، وان الحلول التي تطرحها المبادرة تقوم على تبادل أراض بين الفلسطينيين والاسرائيليين مع اعترافها في الوقت نفسه بأن وضع المستوطنات اليهودية يشكل واقعاً من الصعب جداً تغييره. المحللون رأوا ان صدور المبادرة من الأمير عبدالله نفسه ذات أهمية خاصة، فولي العهد السعودي يدرك انه يحتل أولوية مهمة في قائمة خصوم الصهاينة في المنطقة، نظراً لما ينطوي عليه خطابه من تشدد ازاء القضية الفلسطينية وروح توافقية في الشأن العربي، ومن هنا يبرز البعد الشخصي والمحلي في المبادرة التي أطلقها الأمير. وبينما أشار البعض إلى ان المبادرة لن تخرج عن كونها سعي للتنفيس عن الحملة التي تشن ضد السعودية، وانها لن تتجاوز البعد الإعلامي على أساس ان العرض الذي انطوت عليه كان ولا يزال متوفرا بين يدي اسرائيل، كما تأكد بعد أوسلو ووادي عربة عام 1994 والمؤتمرات الاقتصادية في الدار البيضاء وعمان، إلا انهم أشاروا إلى انها كانت مفاجأة لصدورها من ولي العهد السعودي وإلى انها خلت من شرط الانسحاب من الأراضي السورية واللبنانية المحتلة وهو ما قيل بعد ذاك انه يفهم ضمناً. بين فهد وعبدالله كثيرون ينظرون لهذه المبادرة على انها أفرغت من فكرة الانسحاب التي سبق ان اشارت إليها مبادرات كثيرة منها مبادرة عبدالناصر سنة 1967 ومبادرة الملك فهد في قمة فاس عام 1982م. والواقع ان مبادرة الملك فهد كانت أقل خسائر مما قد تقدمه مبادرة الأمير عبدالله، فقد عرضت الأولى فكرة عودة الدولية العبرية إلى حجمها الصغير الحقيقي قبل ان تتمدد وبالتالي محاصرتها وسط الطوفان العربي واجهاض فكرة التوسع الاستيطاني وهجرة يهود العالم لفلسطين، وينظر لهذه المبادرة على انها مكسب ـ لو تمت ـ وليس خسارة في زمن المساندة الأمريكية لاسرائيل، لكن هذه المبادرة ضاعت وسط التكتيك الاسرائيلي والدعم الأمريكي له في تفاصيل عملية سلام مجزأة تركز على الاحتياجات الأمنية الاسرائيلية، واهمال المطالب العربية بالانسحاب حتى حدود 4 يونيو 1967، وقد أعاد الأمير عبدالله الموضوع إلى السطح ولكن ليس بنفس القوة، فلماذا تعد خسارة للعرب؟ كثيرون اكدوا على ان توقيتها لم يكن مناسبا، إذ تقود اسرائيل حرباً شرسة ضد الفلسطينيين وبدت وكأنها تقدم المزيد من التنازلات والدعم للصهاينة، كما جاءت في وقت تقود فيه واشنطن هجوماً غير عادي على السعودية والأمير عبدالله نفسه عدا عن هجومها على العراق الذي تأمل أمريكا بتتويجه بضرب العراق. يضاف إلى ذلك ما يقال عن ان هذه المبادرة تأتي في سياق تفاهم أمريكي سعودي في صورة «صفقة مقايضة» بين القضية الفلسطينية والعراق بحيث توافق الدول العربية على اطاحة النظام العراقي عبر غزو يشبه أفغانستان مقابل تهدئة الأوضاع في فلسطين، واقامة الدولة الفلسطينية وقد كسر شارون شوكة الأخيرة، ولهذا تم التركيز في المبادرة على التطبيع الشامل. جاءت هذه المبادرة لتسرق الأضواء عما يحدث في الأرض المحتلة ولاخراج شارون من مأزق، إذ يتعرض لهزيمة حقيقية، فبدت كأنها تقدم تنازلات جديدة وتضع حدوداً دنيا للمطالب العربية، ولكن ماذا لو رفض الاسرائيليون هذه المبادرة بكل ما فيها من مكاسب لاسرائيل وخسائر للعرب؟ ينظر لما يمكن ان يتحقق من قرار اسرائيلي عبر تصريحات مسئوليه والمسئولين الأمريكيين، فاسرائيل حاولت تسويق فكرة التطبيع الشامل والاعتراف وتبادل الارض، الأمر الذي يتعلق بالغاء فكرة عودة اللاجئين على أساس ما يقابلها من المهاجرين اليهود. وقبل الدخول فيما ينوي الاسرائيليون طرحه بما يتعلق باللاجئين ينبغي النظر لمفردات المبادرة المقترحة والتي يتوقع ان تتطور عبر القمة العربية. وطرحت المبادرة فكرة انسحاب القوات الاسرائيلية المسلحة من الاراضي المحتلة في حرب 1967، وانهاء كافة الادعاءات أو حالات الحرب والاعتراف بسيادة وسلامة الاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة وحقها في العيش بسلام ضمن حدودها المعترف بها بعيداً عن أي تهديدات أو أعمال القوة. وكما هو ملاحظ فإنها أفكار عامة لم تتضمن قضايا: ـ اللاجئين. ـ القدس. ـ الحدود. ـ طابع الدولة الفلسطينية. ـ والخارطة النهائية. وهي ما تشكل ثوابت فلسطينية. عدا عن انها لم تشر إلى القرارات 242، 194، 338، كما لم تشر إلى سقف زمني، أو ربط بين المسارات العربية جميعاً بما يعني الأراضي السورية واللبنانية المحتلة. بشكل عام فإن اسرائيل رغم ابتهاجها بالمبادرة فإنها لاتستطيع ان تقبل بها لأن هذا القبول هو انهيار للمشروع الصهيوني القائم على التمدد والتوسع وعودة الدولة اليهودية إلى حجمها الصغير الأول مقابل علاقات سلام رسمية مع كل العرب ولهذا سعى الاسرائيليون والأمريكان لتفريغها من محتواها الحقيقي والالتفاف حولها. ومن ذلك ما قالته كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي: «لقد أبدينا اهتماماً بما قاله ولي العهد السعودي ولكن ترسيم الحدود النهائية للدولة الفلسطينية يجب ان يتم خلال عملية التفاوض، وهذا يعني تمييع الحل النهائي مقابل التطبيع أولاً. دليل آخر يمثله سعي المسئولين في واشنطن للاشارة إلى ان المقترحات السعودية التي تربط بين السلام والتطبيع مع اسرائيل بالانسحاب الشامل من الاراضي العربية المحتلة لا تكفي بحد ذاتها لاستئناف المفاوضات أو التوصل إلى اتفاق شامل. بعبارة أخرى سعى الصهاينة للتركيز على مبدأ التطبيع والتغافل عن مبدأ الانسحاب، وحدود هذا الانسحاب دورات المبادرة في نفس دورات المبادرات السلمية السابقة دون جديد. اللاجئون واحراج العرب ما يتوقع ان يواجهه العرب هو الاحراج الذي قد تطرحه ورقة اللاجئين، فاسرائيل تعرض مسبقاً شروطاً للتوصل إلى حل للصراع العربي الاسرائيلي منها ما يتعلق بمطالبات الأفراد والجاليات اليهودية الذين تركوا البلاد العربية إذ: ـ يجب ربط ايجاد حل للمطالبة بالأملاك من قبل اليهود الذين تركوا الدول العربية بحل المطالبات للتعويض للاجئين الفلسطينيين. ـ يجب ايجاد آلية دولية مرتبطة بالآلية التي ستوجه لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من أجل معالجة مطالبات اليهود الذين تركوا الدول العربية. ـ ستكون اسرائيل مستعدة في ترتيبات للسلام بالمشاركة في جهد دولي لتعويض وتأهيل السكان العرب الذين غادروا اسرائيل، ولكن يجب ان يؤخذ بحث مسألة التعويض للاجئين الفلسطينيين في الاعتبار حق اليهود الذين أجبروا على مغادرة الدول العربية وهجر أملاكهم. ـ الربط بين مطالب اللاجئين الفلسطينيين والمهاجرين اليهود من الدول العربية يجب ان يتم بإحدى طريقتين: أ ـ لاسرائيل الحق بخصم قيمة الأملاك اليهودية في الدول العربية من أي مبلغ يتفق دولياً ان تقوم بدفعه كتعويض للاجئين الفلسطينيين. ب ـ الصندوق الدولي الذي سيتم تأسيسه لتمويل وادارة التعويضات وتأهيل اللاجئين الفلسطينيين يجب ان يمول كذلك ويدير التعويضات ليهود الدول العربية. ـ يجب ان تدفع الدول العربية تعويضات لليهود الذين غادروها كما يجب ان تعيد للجالية اليهودية الأملاك الثقافية والدينية التي خلفوها وراءهم. ـ يدعو القرار 242 إلى ايجاد حل عادل لقضية اللاجئين ولم يميز بين عرب ويهود. ورغم ان اليهود لم يكونوا لاجئين بل مهاجرين بمحض اختيارهم ومعظمهم باعوا املاكهم قبل هجرتهم إلا ان هذا هو المسمار الذي ستدقه اسرائيل في كل مبادرة تطرح قضية اللاجئين لتحيلها إلى نعش لها. بشكل عام لا يمكن النظر إلى أي قرار سياسي اسرائيلي بعيداً عن استراتيجيتها المستقلبية الأمر الذي ينبغي تدارسه قبل اطلاق أية قرارات بمبادرات أو غيرها، فاستراتيجية اسرائيل الثابتة تدور حول: ـ تجزئة الدول العربية وبلقنة الوطن العربي. ـ تمكين الدولة اليهودية النقية من التكامل. ـ تحويل اسرائيل إلى قلعة صناعية ودولة خدمات سياحية. ـ ربط الاقتصاد العربي بالاقتصاد الاسرائيلي من منطلق السيطرة ومبدأ التبعية. ـ تجزئة دول المنطقة غير العربية. ـ تحويل القدس إلى عاصمة عالمية: مصرفية وصناعية. ان اسرائيل تواجه مجموعة من المخاطر ولا ينبغي الاستهانة بها. ونرى انها ستحقق ثلاثة أهداف فيما سيطرح من سعي: ـ أولاً: استيعاب النظام الاقليمي العربي من خلال التحكم في شرايينه الحيوية. ـ ثانياً: السيطرة الاقتصادية وفرض التبعية السياسية لاسرائيل. ـ ثالثاً: ان تصبح قوة ضاغطة لا في مواجهة أوروبا الغربية فقط بل في مواجهة الولايات المتحدة نفسها التي ستحقق ما تحققه من خلال الارادة الاسرائيلية. بقي ان نقول ان امام القمة مشاورات صعبة وحلول أحلاها مر، وهي ان لم تخرج ببدائل لمبادرة قد تنسفها اسرائيل لو أقرها العرب ان لم تكن بشروطها هي، فإن المنطقة ستتدهور إلى أكثر مما هي عليه الآن، ولن تستطيع اللاءات العربية ان تحقق ولو جزءًا يسيراً مما يمكن ان تحققه اليوم. ينبغي ان يكون الامن العربي أولاً والحقوق العربية أولاً، ثم يأتي بعد ذلك ما يأتي، فهل هي فرصة أخيرة حقاً، وهل ستأتي بما لم ينجح السلف في الإتيان به؟