بيان الاربعاء : مع انعقاد القمة العربية الدورية الأولى اليوم في بيروت تتزايد الأمور في الشرق الأوسط تعقيداً وتتصاعد لهجات مطالبة من القمة باتخاذ قرارات حاسمة للقضايا العربية. وعلى اعتاب خطوة مهمة قد يتخذها العرب اليوم أو غداً بتبني مبادرة الأمير عبدالله او رفضها أو تعليقها، تزداد الصورة قتامة، فالمبادرة غامضة التفاصيل، ومثلها الفعل العربي الذي يتسم بالغموض إلا فيما يتبنى أفكار لاتتسم بالمعقولية أو بما يمكن ان يسمى من حلول. وربما تأتي هذه المبادرة في اجواء تصعيد الحرب الاعلامية الشرسة ضد العراق، وضد السعودية، وضد العالمين العربي والاسلامي في محاولات أمريكية مستميتة لصرف الاضواء عن الارهاب الاسرائيلي والمجازر الشارونية. فما هي حقيقة الدور الأمريكي في لعبة الشرق الأوسط؟ وهل يمكن ان تشكل المبادرة المطروحة صورة للحل على غرار ما كان من كامب ديفيد الأولى والثانية والتي هي حلول مناسبة للهوى الأمريكي ـ الاسرائيلي؟ كيف ينظر لبوش الابن واطلاقه يد شارون، ولماذا اتسم الفصل العربي بالتراجع، وكيف ينظر إلى خطوات تشيني ـ زيني الممهدة احداهما للأخرى، وهل يمكن تحقيق ما حققه بوش الاب عند ضربه العراق وتقديمه تنازلات للفلسطينيين اتسمت باجبار اليهود على الجلوس لطاولة المفاوضات؟ ما هو موقف العرب تجاه الاحداث الحاصلة، وكيف نقرأ التحركات السياسية العربية، كيف نقرأ اجندة المبادرة وفق الأمن الاقليمي العربي، والأمن الصهيوني والأمن الأمريكي، ما هو المطروح في المبادرة وما الذي ينقصها، ما خسائرها وما فوائدها، ولماذا أخذت هذه الأهمية دون غيرها من المبادرات السابقة التي تشبهها؟ ولو أقرت قمة بيروت مشروع المبادرة السعودية، فما هي قوة العرب لتفعيل هذه المبادرة، هل ستلحق بسابقاتها، كيف يراها الشارع العربي الذي كان سلبياً في رد فعله عكس تاريخه الطويل ازاء أي تطبيع أو تنازل لاسرائيل، وهل يمكن وصف هذه السلبية بأنها نتيجة احباط من النظام العربي السياسي، وما هو النظام العربي السياسي بدءًا؟ وأخيراً كيف ينظر إلى استراتيجية اسرائيل المستقبلية في ضوء ماضيها وأهدافها الاستراتيجية الأمريكية ؟ مع انعقاد القمة العربية اليوم، تنعقد الآمال باحتمالات الخروج بصيغة عربية تنتشل القمة من التردي الذي آلت اليه نتيجة السياسات العربية. ولعل أهم ما في هذه القمة مبادرة الأمير عبدالله التي يعد الجميع العدة لاستغلالها بشكل ما يتماشى مع المصالح، فالأمريكيون والاسرائيليون يريدون تسخيرها للتطبيع وللحصول على تنازلات من العرب مستخدمين أوراق ضغط وابتزاز كثيرة. والعرب يريدون الاستفادة من ثقل المملكة العربية السعودية لتحقيق ضغط ما بدورهم على اسرائيل وأمريكا، والخروج بصيغة تضمن لهم ولشعوبهم السلم والأمان مع عدو محتل يؤجج نار الحروب منذ خمسة عقود أو يزيد. وبين مؤيد لها ومعارض، تراوحت ردود الأفعال السياسية بينما انصب الجهد الشعبي العربي للتركيز على الانتهاكات والارهاب الاسرائيليين ومجازر شارون التي تعيد مجازر صبرا وشاتيلا، وبدعم أمريكي واضح. ما يخشى ان تنساق القمة لتبني مبادرة غير مدروسة لم تتجاوز كونها أفكاراً مثلما يخشى أن يتبنى العرب قرار مجلس الأمن الأخير 1397 الذي يفصل المسارات عن بعضها للخروج من النفق المظلم الذي انحشروا فيه منذ أوسلو. وقبل الدخول في تفاصيل أجندة القمة التي ستجد مع مطلع هذا اليوم مكانها على طاولات العرب السياسية، ينبغي النظر للظروف الاقليمية والدولية المحيطة بالعرب وبالقضايا العربية المطروحة، مثلما ينبغي النظر لمفردات واقع الصراع العربي الاسرائيلي اليوم، والدور الأمريكي ومؤثراته. بدءاً ينظر للتطورات الداخلية في الدول العربية منذ أكثر من عقد من الزمان على انها اتسمت بالاخفاق السياسي الذي قاد الى الاخفاق في المجالات الأخرى. وأهم مؤثرات ذلك الاخفاق وفق دراسات كثيرة ضعف القاعدة التمثيلية للحكم وضعف الطبقة السياسية بسبب غياب الممارسات الديمقراطية وسنوات ادارة الحكم الطويلة، عدا عن المزج بين القمع السياسي وآليات افساد النخبة السياسية في بعض الدول العربية، كما يشار إلى تآكل روابط التماسك والانسجام السياسي بين المواطنين مقابل نمو روابط أخرى غير سياسية. يضاف الى ذلك سمة عدم الاستقرار السياسي الفعلي الذي اتسمت به معظم الدول العربية الأمر الذي جعل التغيير المفاجئ في الظروف الاقليمية أمراً قائماً ومحتملاً طوال الوقت. ومع هذه التطورات نجد ان تفاعل النظام الاقليمي العربي محدود بين أطرافه، وتتضح مؤشرات ذلك من خلال قياس معدل الزيارات الرسمية المتبادلة بين الدول العربية على مستوى القادة والزعماء ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية، الا في حالة الاقتراب من اتخاذ قرار سياسي أو حدوث ما يربك البحيرة الساكنة كانعقاد القمة مثلاً، الذي تشهد الفترة السابقة له حركة دبلوماسية سريعة وكثيفة مختلفة الأطراف والاتجاهات. ورغم مظاهر الركود السياسي على المستوى الرسمي، فاننا نرى بوادر للحركة تمثلت وفق مصادر متنوعة في: ـ عودة الجماهير العربية لساحة التفاعلات، رغم ان البعض يرى انها حركة باهتة قياساً للمد الجماهيري الذي كان يسبق قرارات عربية خطيرة. ـ تكون رأي عام عربي تفاعلي مع قضيتي فلسطين والعراق. ـ الدور المتزايد لوسائل الاعلام العربية العابرة للحدود والتي زادت أهميتها في تغطية انتفاضة الأقصى إعلامياً، وبخاصة منها القنوات الفضائية التي لا تقع داخل السيطرة الكاملة للحكومات العربية والتي أشار البعض الى دورها في تحديد الأجندة السياسية للشارع العربي. ـ محاولة تطوير مؤسسات النظام الاقليمي التي تمحورت حول آلية القمة العربية والتكامل الاقتصادي. الدور الأمريكي ارتسمت ملامح النظام الاقليمي العربي وفق ظروف قادت المنطقة بتداعياتها منذ أكثر من عقد من الزمان، وينظر للدور الأمريكي فيها على انه دور مؤثر وفاعل، وهو دور يمكن ارجاعه الى ما بعد الحرب العالمية الثانية. لكن الفترة التي شهدت تأثيراً فاعلاً في المنطقة العربية كانت أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات اذ حدثت تغيرات على المستوى العربي والدولي، وشهدنا مزيداً من الضعف والتفكك في الساحة العربية خاصة اثر الاجتياح العراقي للكويت في اغسطس عام 1990 ومانتج عنه من عداء بين البلدان العربية واستنزاف للموارد والثروات العربية. هذه الفترة شهدت أيضاً هجرة مئات الآلاف من الفلسطينيين من الكويت وحجب الدعم الخليجي للفلسطينيين، وبشكل عام يمكن القول ان ما استتبع ذلك من حرب الخليج كان له اثر كارثي على قضية فلسطين واستقرار الشرق الأوسط نفسه. في الفترة نفسها شهد العالم انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه، وكذلك كتلة الدول الشرقية وتحول هذه الكتلة من حالة العداء مع أمريكا الى حالة التوافق معها ومع حلفائها، وشيوع النزعة الانفصالية عن النظام السياسي القديم باتجاه الديمقراطية الغربية والحاجة للمساعدات الاقتصادية من الغرب، وقد اسهم ذلك في اختلال التوازن الذي كان يستفيد منه الجانب الفلسطيني والعربي الى حد ما. هكذا برزت الولايات المتحدة كقوة وحيدة أولى في العالم خصوصاً بعد حرب الخليج في أوائل التسعينيات ومعها تزايد النفوذ اليهودي، وشهدت الادارة الأمريكية فريقاً سياسياً كاملاً يهودي الجذور والأصل وصهيوني النزعة فشهدنا كلينتون ونوابه ووزيرة خارجيته اولبرايت ووزير ماليته روبين ووزير الدفاع كوهين عدا عن سبعة يهود من أصل أحد عشر في مجلس الأمن القومي ورئاسة المخابرات التي تسلمها جورج تينيت صاحب الورقة التي يضغط بها اليوم على الفلسطينيين. استثمرت الولايات المتحدة ذلك في فرض هيمنتها وادارتها وتصوراتها لنظام عالمي جديد وحركت الملف الفلسطيني بما يخدم مصالحها ومصالح حليفتها الاستراتيجية «اسرائيل» بينما قطف الكيان الصهيوني ثمار ذلك علاقات دبلوماسية مع دول كانت رفضته سابقاً وفتح اليهود ابواب تل أبيب لاستقبال موجات من الهجرة منها 92 ألف عالم سوفييتي متخصص في شتى المجالات بينهم عدة آلاف متخصصون في المجال النووي، فضلاً عن الكفاءات العسكرية العالمية ودعمت ذلك الولايات المتحدة بالسلاح والعتاد والمال لتزيد من خطورة الكيان الصهيوني ومشروعه في المنطقة. في مثل هذه الأجواء نجحت الولايات المتحدة في جر العرب الى مدريد، فضرب العراق زلزل معادلة التوازن العربية ووجد الفلسطينيون انفسهم عراة وسط عواصف النظام العالمي الجديد، ورغم ما يقال عن تقديم امريكا تنازلات للفلسطينيين بالضغط على الكيان الصهيوني، الا اننا نجد الواقع أمراً آخر مختلفاً، لقد استفاد الكيان الصهيوني من عقود المهادنة في تعزيز قوته وقدرته وقاد العرب الى هاوية التنازلات المتتالية. وكما هو معروف فوجئ الجميع باتفاق أوسلو الذي تمت صياغته أولاً بصورة سرية ووقع عليه الفلسطينيون في 13 سبتمبر 1993 برعاية بيل كلينتون الرئيس الأمريكي السابق والذي على أساسه قامت السلطة الفلسطينية الحالية والتي انساقت لتقديم المزيد من التنازلات والاتفاقات التي صيغت اساساً وفق المصالح الصهيونية فكان: ـ اتفاق القاهرة في 4 مايو 1994. ـ اتفاق طابا في 28 سبتمبر 1995. ـ اتفاقية واي بلانتيشن في 23 اكتوبر 1998. ـ مذكرة شرم الشيخ في 4 سبتمبر 1999. ووزعت مناطق الحكم الذاتي الى مناطق «ا» و«ب» كما هو معروف الا ان الادارة الأمريكية الجديدة والحكومة الاسرائيلية الجديدة نسفتا كل الاتفاقات بما فيها أوسلو عندما أطلقت يد شارون في انتهاك الأراضي الفلسطينية وذبح الفلسطينيين وتحويل الأمر إلى قضية أمن اسرائيل التي ارتبطت بشكل أقوى، بعد قيادة بوش الابن حملته ضد ما أسماه بالإرهاب. أجندة القمة حفلت القمم العربية منذ أول انعقاد لها عام 1946 في انشاص بقرارات تعلقت بالقضية الفلسطينية تراوحت بين الدعم للفلسطينيين ودفع الخطر الاسرائيلي سياسيا واقتصاديا واعلاميا وتأييد انشاء جيش فلسطين وتحرير الأرض المحتلة وصولاً إلى قمة فاس عام 1982 التي أقر فيها بند «تحقيق السلام القائم على العدل» استنادا لمشروعي الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة والملك السعودي فهد بن عبدالعزيز. وبقيت منذ ذاك الوقت القمم العربية تتداول مصطلح «استمرار الالتزام العربي بمقررات قمة فاس بشأن تسوية الصراع العربي الاسرائيلي» الأمر الذي يأخذ اليوم شكل السلام واستراتيجيته التي لا يتنازل عنها العرب مما يعني عدم العودة لاستخدام خيارات استراتيجية أخرى سبق ان اتخذها العرب مثل خيار «النفط كسلاح» في قمة 1973 التي انعقدت بالجزائر. وبقيت القضية الفلسطينية تحتل اولويات كل قمة يضاف اليها تفاعلات المحيط العربي، كقضية العراق مثلا، وجزر الامارات المحتلة من قبل ايران، تصاعد التحالفات الاسرائيلية في محيط العرب وتزايد حدة الصراعات الداخلية العربية ـ العربية والحاجة للمصالحة داخليا مع تعاظم المخاطر على الدول العربية جراء الانحياز الامريكي لاسرائيل. ومع صعود اليمين الاسرائيلي للحكم وتقويض عملية التسوية وصعود اليمين الامريكي للحكم وتقويض الامن العالمي، اصبحت الحاجة ضرورية لايجاد مخارج للتوريط العربي في تحالفات اخذت منهم الكثير ولم تعطهم شيئا. القمة الدورية المنعقدة اليوم تضع على اولوياتها كالعادة القضية الفلسطينية بتداعياتها وتطرح مبادرة الامير عبدالله كمشروع للاقرار حول التطبيع مع اسرائيل. وكما اشرنا فإن الدعوة للتطبيع ليست بجديدة اذ سبقتها قمة فاس عام 1982 وقمة القاهرة اكتوبر 2000 التي خرجت بمقررات كان من ضمنها اعادة النظر في الترتيبات الاقليمية «الشرق اوسطية» والتطبيع مع اسرائيل في ضوء انهيار عملية التسوية. وعدا المبادرة السعودية فان امام القمة قرار مجلس الامن 1397 الذي يعده المراقبون اساسا امنيا للافكار السعودية، وهو القرار الذي رفضته سوريا وتحفظ عليه اللبنانيون رغم ما قيل من انه حظي بترحيب كبير. القرار اعلاه يفتقر الى مقومات التسوية الشاملة كما انه احجم عن ادانة اسرائيل، وقد واجه العرب والسوريون بالذات ضغطا شديدا دفع سوريا الى الامتناع عن التصويت عليه بينما وافق بقية العرب. ومثل ورقة تينيت وكل مبادرة سابقة او لاحقة، عني هذا القرار بالمسألة الامنية حصرا حيال ما يجري في الاراضي الفلسطينية فجاءت نبوءة مركزه على وضع الارضية الامنية بالتزامن مع زيارة الموفد الامريكي للشرق الاوسط انطوني زيني، وشكل وقف اطلاق النار اولوية عدا انه اسفر بشكل غير مباشر عن ادانة للفلسطينيين نتج عنها الافراج المشروط عن الرئيس الفلسطيني للذهاب للقمة، لقد قالوا له: «كن مطيعا فتعود»، وهذه احدى النتائج الاولية للقرار الدولي 1397 واندفاع العرب لتأييد افكار لم تتضح بعد تلقفتها اسرائيل وامريكا. ومثلما يبدو واضحا فان المبادرة ستأخذ الحيز الاكبر من نقاشات القمة، نجد ان القضية العراقية احتلت اهمية في السلوك السياسي العربي فكان الرفض القاطع بالاجماع العربي لاول مرة منذ عقد من السنين لضرب العراق مؤشرا رآه البعض نقطة انطلاق لخروج القمة بمقررات قد تعيد للعرب توازن موقفهم الاقليمي. العراق بدوره، الذي تحولت دبلوماسيته من اقصى تشددها الى اقصى هدوئها ومرونتها، ابدى مرونة فعلية لافتة في التعامل مع القمة ونتائجها وحرص على التأكيد على عدم جعل مشكلته مع الكويت سببا للخلاف داخل القمة. ومع واقع مفهوم الامن اللا متكافيء بين العرب من جهة واسرائيل وامريكا من جهة تبدو اجندة القمة مثقلة، بما هو مطروح وما هو حاصل وما هو متوقع، فالعرب يدركون انهم يسيرون على حبل رفيع فوق نار مشتعلة، فكيف نقرأ المبادرة السعودية وكيف نفهم الاستراتيجية المستقبلية الاسرائيلية التي يمكن ان تنبني عليها وعلى اساسها مقررات القمة العربية اليوم؟