هذا الكتاب ثمرة جهد موضوعي، منصف، استمر طويلاً، سعى المؤلف من خلاله إلى إزاحة الستار عن أسرار إحدى الجرائم الاستعمارية الأكثر بشاعة، والتي ارتكبت في القرن الماضي وراح ضحيتها الزعيم الافريقي باتريس لومومبا الذي ناضل من أجل حرية وطنه، الكونغو، واستقلاله، ومن أجل وحدة القارة الافريقية التي ينتمي إليها. ومؤلف الكتاب، لودو دي فيتي، عالم اجتماع، وكاتب معروف، وقد ترجم كتابه إلى أربع لغات، وأدى نشره إلى قيام البرلمان البلجيكي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لبحث ملابسات عملية اغتيال باتريس لومومبا، بعد أن ظلت الشكوك تحوم حول هوية مرتكبيها والضالعين معهم لأكثر من أربعين عاماً، بينما كان واضحاً أن مسئولية مؤامرة الاغتيال تقع بكاملها على عاتق شركاء كثيرين تتصدرهم الحكومتان البلجيكية والأمريكية ووكالة ال«سي. اي. إيه» وهيئة الأمم المتحدة. كان قرار لومومبا القاضي بأفرقة جيش الكونغو ووقوفه الى جانب جنوده من ابناء وطنه تحدياً سافرا للمستعمرين البلجيكيين ولسلك ضباط بلجيكا، الذين فقدوا السيطرة على الجيش بعد تعيين قائد ورئيس أركان افريقيين، فتجمع عدد كبير من هؤلاء الضباط في اقليم كاتانجا حول حاكمه مويس تشومبي الانفصالي، الذي تآمر مع المستعمرين لفصل الاقليم عن بقية الكونغو، وإعلان استقلال الاقليم، ورفض قرارات الحكومة المركزية التي يتولى رئاستها باتريس لومومبا، وبدأ تدخل القوات البلجيكية التي تدفقت الى الاقليم المنفصل بحجة حماية الأوروبيين الموجودين هناك. ويرى مؤلف الكتاب ان ذلك التدخل السافر كان يستهدف اساسا منع افرقة جيش الكونغو التي انطلقت الى كاتانجا وهددت بحرمان الحكومة البلجيكية من جوهرة التاج الكولونيالي (أي ذلك الاقليم الغني). وسرعان ما برز سبب آخر، هو خوف المستعمر البلجيكي من ان يؤدي قرار لومومبا بأفرقة الجيش الوطني، وزيادة الاجور بنسبة 30%، إلى تحريض الموظفين العموميين والعمالة السوداء في المناجم والمصانع على دعم الاستقلال بالمطالب الاجتماعية اسوة بجنود الجيش، وفي 12 و 13 يوليو اندلعت موجة من الاضطرابات في القطاع الخاص في العاصمة، وأرسل رالف بانش، احد مسئولي الامم المتحدة في ليوبولدفيل، برقية الى الامين العام للمنظمة الدولية يقول فيها ان الاضطرابات استمرت وامتدت بتأثير وتشجيع تكتيكات الجيش الناجحة.وكان لابد من تحطيم تلك الدينامية الثورية مهما كلف الامر لانها تحول دون نجاح الكولونيالية الجديدة. وعلى الفور أخذ جان فان دن بوش، السفير البلجيكي في ليوبولدفيل، في البحث عن شخصيات جديدة لتحل محل لومومبا، وفي 13 يوليو بعث بالبرقية التالية إلى بروكسل: استقبلت بومبوكو في منتصف الليل، وانتقدت توجهات رئيس الوزراء واعضاء معينين في الحكومة ممن ارتاب فيهم، ولم اخف أملنا في ان يقوم هو (أي بومبوكو) بقيادة الجيش أو البلاد. وهو يتفهم موقفنا، وقد استهجن نواحي الضعف في حكومته. يشير السفير البلجيكي هنا إلى جوستين بومبوكو رئيس مجمع المفوضين، الذي على صلة بالمبعوثين البلجيكيين طوال أزمة الكونغو. لا لدولة النحاس في12 يوليو ـ بعد انفصال كاتانجا بيوم واحد ـ ارسلت السلطات الكونغولية برقية الى هيئة الأمم المتحدة تطلب فيها: «مساعدة عسكرية لمواجهة العدوان الخارجي الحالي». وفي 14 يوليو قرر مجلس الأمن الدولي امداد حكومة الكونغو بمساعدة عسكرية الى ان تصبح القوات المسلحة الكونغولية في موقف يجعلها «قادرة على القيام بمهامها بشكل صحيح». ونشأ ما يسمى «عملية الأمم المتحدة في الكونغو» وطلب من بروكسل ان تسحب قواتها دون صدور ما يدين التدخل البلجيكي الذي اعتدى على السيادة الكونغولية وخرق ميثاق هيئة الأمم المتحدة. ولم يحدد القرار تاريخا لانسحاب القوات البلجيكية، وبل واتضح ان المنظمة الدولية قد تبنت الحجة البلجيكية، وذلك بخفض ازمة الكونغو الى مجرد مسألة الحفاظ على القانون والنظام، أي حماية الأرواح وحرية التصرف في حالة الفوضى، وبهذا منحت تلك الحجة بعض المشروعية. وقد صوتت ثماني دول لصالح القرار، ولم يعترض احد، وامتنعت عن التصويت كل من الصين وفرنسا وبريطانيا. وفي 23 يوليو غادرليوبولد فيل آخر جندي بلجيكي، واقام جنود الأمم المتحدة معسكرات في انحاء الكونغو باستثناء كاتانجا، وبينما عملت بلجيكا على تقوية نظام تشومبي في كاتانجا، ومنح قواته حرية الحركة، شددت الأمم المتحدةئقيودها على الحكومة الكونغولية الشرعية، ورفض داج همرشولد الأمين العام للمنظمة الدولية جميع المساعدات متعددة الأطراف من موسكو وغانا وغينيا ودول اخرى، زاعماَ ان اي مساعدة للكونغو لابد وان تكون من خلال الأمم المتحدة. وعندما اخطر لومومبا بأن المساعدة لن تمر من خلال الحكومة الكونغولية. اعلن جيزنجا نائب رئيس الوزراء ان: شعب الكونغو لا يفهم كيف اننا نحن ضحايا العدوان، نحن الذين نقيم على ارضنا، يتم تجريدنا من السلاح بانتظام، بينما يظل المعتدون البلجيكيون في وطننا المهزوم يحتفظون بأسلحتهم وبكل قوة نيرانهم. إن قوات الأمم المتحدة تسمح لكاتانجا بتدعيم الانفصال وتدع البلجيكيين يتصرفون وكأنهم في بلد تحت الاحتلال تحت ستار حكومة كاتانجا الاقليمية، الباطلة والتي قمنا نحن مسئولي الحكومة الشرعية للكونغو بإعلان عدم شرعيتها. ومع ذلك، ادت ضغوط حكومة الكونغو والرأي العام الافريقي الى اضطرار همرشولد للبحث عن حل ما للمأزق الكاتانجي. وفي 26 يوليو اشار في وثيقة سرية موجهة الى مساعديه، إلى انه ربما يتفاوض مع تشومبي «ليعطيه نوعا من التأكيد على انه لن يخاطر بمستقبله السياسي أو بالاهداف المشروعة التي من اجلها يقف الى جانب قبول قوات الأمم المتحدة». ويتساءل المؤلف: اي اهداف يقصدها؟ لقد كان الكونت هارولد داسبريمونت ليندن، المساعد السابق لسكرتير رئيس الوزراء البلجيكي ايسكنز، هو ممثل بلجيكا في كاتانجا ورئيس البعثة الفنية البلجيكية ومركز السلطة الحقيقي في اليزابيث فبل. ولم تكن بروكسل لتعترف بدولة النحاس لأن ايسكنز كان يأمل في اعادة بناء جمهورية الكونغو البلجيكية حول كاتانجا المحافظة القوية. وكانت هناك اشارات واضحة وصريحة في احاديث وخطب المسئولين وحملات الصحفيين والسياسيين في بلجيكا وعلى رأسهم الملك بودوين ورئيس الوزراء ايسكنز وتحليلات الصحف البلجيكية، وكذلك في كلمات رجال الكنيسة في بلجيكا. وعندما بلغت الحملة على لومومبا مداها، قالت احدى الصحف «إن الصحف لم تعامل هتلر بالحنق والحقد نفسيهما اللذين تعاملت بهما مع لومومبا». في الرسالة السرية في 28 يوليو بعث الملك بودوين رسالة سرية الى سكرتير عام الأمم المتحدة يطالبه فيها برفض اي مطلب بفرض السيادة على كاتانجا من قبل الحكومة الكونغولية بعد وصول جنود الأمم المتحدة. ويرى دي فيتي ان الأمم المتحدة لم يكن لديها النية لأن تلمس سلطة تشومبي في كاتانجا. وفي 12 اغسطس وصل داج همرشولد الى اليزابيث فيل ليتفاوض مع تشومبي. واثناء المفاوضات كان الوزير الكاتانجي جودفريد مونوجو واثقا من الدعم الغربي، ولذلك كان صريحا صراحة فجة في التعبير عن قلق النظام الانفصالي وقال لهمرشولد: يجب على قوات الأمم المتحدة، التي تحل محل القوات البلجيكية، أن تمنع بأية وسيلة تدخل الحكومة المركزية في شئون كاتانجا. وهنا نلاحظ المزيد مما يكشف عن الدور المخادع الذي قام به الأمين العام للأمم المتحدة ضد الحكومة الكونغولية الشرعية برئاسة لومومبا إذ يجيب همرشولد قائلا: «في هذه الحالة فإن قوات الأمم المتحدة لا تستطيع اتخاذ موقف غير مبال، وسوف يكون موقفكم في نظري اقوى من موقف لومومبا». ويشير الامين العام الى قاعدة كامينا التي اقيمت على التراب الكاتانجي والتي تتمتع بأهمية عسكرية استراتيجية هائلة بالنسبة لمنطقة جنوب شرق الكونغو بأسرها. يقول همرشولد: «عليكم ان تكونوا شاكرين لأن هذه القاعدة لن تكون ملاذا للومومبا ونقطة انطلاق لينقض منها على كاتانجا، ولأن القاعدتين (كامينا وكيتونا) سوف يقتصر استخدامهما على قوات الأمم المتحدة التي سوف تكون مسئولة عنهما مسئولية كاملة». ويعلق المؤلف على ذلك بقوله: لذلك لم يكن امراً مدهشاً بعد اشهر قليلة، ان يهدد تشومبي بنشر محضر تلك المحادثات، بعد ان شعر بالاستياء من عجز قوات المنظمة الدولية عن وضع حد لتمرد رجال البالوبا ضد نظامه. وفي 13 و 14 اغسطس حل اصحاب القبعات الزرق محل القوات البلجيكية في اليزابيث فيل عاصمة كاتانجا. ومنذ ذلك الوقت تصرفت الأمم المتحدة على انها قوة سياسية عازلة لا قوة عسكرية فقط، بين الحكومة الكونغولية وتشومبي. والأكثر من ذلك أن قادة المنظمة الدولية تجاهلوا سيادة حكومة الكونغو الشرعية، وتغاضوا عن حقيقة استمرار الاداريين والمستشارين البلجيكيين في البقاء لاقامة دولة تشومبي. كذلك كان للجنود البلجيكيين حق البقاء ولجأوا الى ارتداء الزي الافريقي تمهيداً لانشاء جيش كاتانجا. وهكذا اصبحت بروكسل واليزابيث فيل (عاصمة الانفصال) تشعران بالرضا عن هذه الترتيبات التي جعلت قوات الأمم المتحدة عقبة تحول دون اعادة توحيد الكونغو. وكان معنى ذلك تثبيت دعائم الانفصال ومركز تشومبي في اطار مركزي. وقد كتب الصحفي بيير دافيستر يصف ردود افعال اليزابيث فيل ازاء الاتفاق المبرم مع الأمم المتحدة يقول: لم يصدق فريق داسبريمونت ليندن ـ روتشيلد اذنيه(الأول هو وزير الشئون الافريقية في حكومة بروكسل، اما روبرت روتشيلد فكان سفيرا في وزارة الخارجية البلجيكية). لقد كان الحل الكاتانجي حتى ذلك الوقت يعتمد على خدعة هائلة سمحت بحدوث شيء مثير وفريد في تاريخ العالم.. ألم نر سكرتير عام الأمم المتحدة وهو يدخل بالفعل في مفاوضات رسمية مع دولة غير معترف بها؟! لقد خسر لومومبا المباراة. وفي برقية الى بروكسل اخذ داسبرويمونت ليندن وروبرت روتشيلد يكيلان المديح لداج همرشولد وأضافا قائلين: «من الآن فصاعدا يمكن ان نتفاءل بشأن تطورات الموقف العام في كاتانجا، وسوف تكون البنى الكاتابنجية في حماية قوات الأمم المتحدة، وفي المستقبل غير البعيد جدا سوف تتولى ذلك قوات كاتانجية بقيادة ضباط بلجيكيين بدلا من الاعتماد الكامل على القوات البلجيكية والمحفوف بالمخاطر. ويتساءل مؤلف الكتاب: كيف يمكن تفسير احترام الأمم المتحدة لتشومبي؟! ويستطرد دو فيتي قائلا: لقد كان همرشولد يدرك تماما الطبيعة المصطنعة لدولة النحاس. وقد اوضح مساعده رالف بانش ايضاحا كاملا في برقياته ان تشومبي كان «دمية يناور بها البلجيكيون» وانه «لم يتخذ أي قرار إلا بوحي منهم، ولم يعقد اي اجتماع إلا بحضور شخصي بلجيكي، ولم يكن تشومبي ليصل الى السلطة دونهم». ويؤكد المؤلف ان قيادة الأمم المتحدة ساهمت في استراتيجية الغرب القائمة على استغلال الانفصال كأداة لتحطيم حكومة الكونغو. ويكشف المؤلف عن رسالة سرية في يوم 26 يوليو تحدث فيها همرشولد عن «أهداف تشومبي المشروعة»، كما تكشف برقية له في اول اغسطس ارسلها من ليوبولدفيل ان قيادة الأمم المتحدة كانت مقتنعة بضرورة تحطيم حكومة لومومبا الوطنية. وشهد يوما 14 و 15 اغسطس تبادلا لرسائل ملتهبة بين لومومبا وهمرشولد الذي كان في العاصمة الكونغولية. وكان واضحا لباتريس لومومبا، في ضوء قرار 14 يوليو، أن «الأمم المتحدة لن تتصرف باعتبارها منظمة محايدة.. كما ان مجلس الأمن لن يضع جميع الموارد في متناول حكومتي» واحتج لومومبا على الاتفاقية التي عقدها همرشولد مع تشومبي من دون التشاور مع الحكومة الكونغولية. واصر رئيس الوزراء الكونغولي على ارسال قوات افريقية وكونغولية فقط الى كاتانجا. وفي اول رد يبعث به همرشولد رفض التعامل مع هذا الموضوع قائلا: «ليس هناك ما يدعوني الى الدخول في مناقشة هنا». وذكرت صحيفة «التايمز» في 16 اغسطس ان رسالة همرشولد الثانية «عبرت بوضوح عن شكه في حق لومومبا في التحدث باسم حكومته» وانهى لومومبا المراسلات في 15 اغسطس مخاطباً اياه على الوجه التالي: «بعد تبني القرار الأخير عمدت الى تأخير سفرك الى الكونغو لمدة اربع وعشرين ساعة لمجرد انشغالك في محادثات مع مستر بيير ويجني وزير الخارجية البلجيكية، ومدير شركات التعدين في الكونغو، وأحد الضالعين في التآمر لانفصال كاتانجا، وتجاهلت الحكومة الشرعية للجمهورية تجاهلا تاما بارسالك برقية الى تشومبي قائد التمرد في كاتانجا، والى مبعوث الحكومة البلجيكية.. ووفقا لما ذكره تشومبي فإنك اذعنت للمطالب التي صاغها البلجيكيون مستخدمين تشومبي لينطق بلسانهم. وبالنظر الى كل ما تقدم فإن حكومة الكونغو وشعبها قد فقدا ثقتهما في الامين العام للأمم المتحدة. وبناء على ذلك فإننا نطالب مجلس الأمن الدولي اليوم بارسال مجموعة مراقبين محايدين الى الكونغو على الفور.. وستكون مهمتهم ضمان التنفيذ الفوري والكامل لقرارات مجلس الأمن». الطريق الى الصدام في 16 اغسطس ذكر دبلوماسيون امريكيون في برقية داخلية لهم ان الامين العام للأمم التحدة يتجه مباشرة نحو الصدام مع لومومبا، وأن «ه» (الحرف الأول لاسم همرشولد) توصل الى ان جهود المنظمة الدولية لا يمكن ان تستمر مع وجود لومومبا في السلطة، ولابد لواحد منهما ان يذهب». وفي 21 و 22 اغسطس ناقش مجلس الأمن ازمة الكونغو مرة اخرى، ونحى همرشولد انتقادات لومومبا له جانبا، وطلب من حكومة الكونغو، والنظامين غير الشرعيين في اليزابيث فيل وباكوانجا (التي اعلنت انفصالها هي الاخرى» الى التوجه الى مائدة المفاوضات في نيويورك. وتحول الاهتمام مرة اخرى الى الكونغو، ومع تجاهل الأمم المتحدة للحكومة الشرعية الكونغولية، قررت الأخيرة التعامل بنفسها مع الانفصاليين في كاتانجا وجنوب كاساي. وطلبت ليوبولدفيل طائرات من الاتحاد السوفييتي وشاحنات واسلحة ومعدات اخرى. وصادرت جميع طائرات شركة سابينا. وبعد ذلك بقليل توجه نحو الف جندي الى اقليم كاساي في 22 أو 23 اغسطس. ويرى المؤلف ان الحكومة الكونغولية كانت تمثل سيادة امة مع تملكها الشرعية المطلوبة لمواجهة الانفصاليين، الذين لم يهددوا وجود الحكومة وحدها، بل وكذلك المؤسسات المنتخبة وهيكل الدولة نفسها. وذكرت صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية ان الحركة الوطنية الكونغولية بزعامة لومومبا هي الحزب الوحيد الذي يلقى التأييد على مستوى القطر كله بينما الاحزاب الاخرى المؤسسة على اسس محلية او قبلية لا نفوذ لها على المستوى القومي. دور موبوتو استولى جيش الكونغو الوطني على مدينة باكوانجا عاصمة البرت كالنوجي زعيم الانفصال في جنوب كاساي وذلك في ليلة 26 ـ 27 اغسطس من دون مقاومة كبيرة، وخلال اليومين التاليين انهت انفصال كاساي بشكل مؤقت. ووصل لومومبا الى ستانلي فيل، معقل الوطنية، في 28 اغسطس للتحضير للمرحلة الثانية وهي التوجه الى كاتانجا. وتعرض الجسر الجوي بين ليوبولدفيل وستانلي فيل للفشل، فقد كانت طائرات الاليوشن السوفييتية رابضة في مطار لولوابورج عندما رفضت الأمم المتحدة في 5 سبتمبر تزويدها بالوقود. وفي بداية سبتمبر كانت مجموعة ثانية من الجنود قد غادرت ستانلي فيل، ووصلت بسرعة الى الحدود مع كاتانجا، ثم توجهت نحو كونغولو في شمال الاقليم، حيث يعلن سكانه عداءهم لتشومبي، ولكن الهجوم عجز عن التقدم طوالي يوم 8 سبتمبر وسط حالة من الفوضى العارمة، ذلك ان الكولونيل موبوتو رئيس اركان الجيش قرر يوم اول سبتمبر، من جانبه وحده انهاء الحرب في كاساي دون العودة الى الحكومة الكونغولية. وكان هذا القرار منسجما مع معلومات سرية تسربت عن التحضير لانقلاب ضد لومومبا. وادت هذه الخيانة الى تجريد لومومبا من سلطاته في 5 سبتمبر فقام القادة العسكريون والسياسيون الجدد في ليوبولدفيل وبمساعدة الأمم المتحدة، ببذل كل الجهود الممكنة لسحب جيش الكونغو الوطني. وبعد انهيار العلاقات بين همرشولد ولومومبا برزت الولايات المتحدة على المسرح. ففي 26 اغسطس بعث ألان دالاس مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية برقية الى لورانس ديفلين رئيس محطة سي. آي. إيه في ليوبولدفيل، ويقول دالاس في برقيته: «توصلت الدوائر العليا هنا الى نتيجة واضحة هي انه لو استمر لومومبا على رأس الحكومة فإن النتيجة الحتمية هي الفوضى في احسن الاحوال، ولكنها في اسوأ الاحوال سوف تمهد الطريق لاستيلاء الشيوعية على الكونغو مع ما يترتب على ذلك من نتائج مفزعة بالنسبة لمكانة الأمم المتحدة ومصالح العالم الحر عامة. ولذلك فقد توصلنا الى ان ازاحته يجب ان تكون الهدف العاجل والأول، وانها لابد ان تكون لها الأولوية المطلقة في عملنا السري في ظل الظروف الراهنة». وفي وقت لاحق ذكر ريتشارد بيسك نائب مدير ال«سي. آي. إيه» للتخطيط ورئيس العمليات السرية أن «الوكالة ربما جعلت الأولوية المطلقة لسلسلة من الوسائل المختلفة للخلاص من لومومبا بمعنى انها تتراوح بين القضاء عليه جسديا، او اصابته بالعجز، او القضاء على نفوذه السياسي. وفي وقت قريب من ذلك صدر أمر الى عالم في الـ «سي. آي. إيه» يدعى سيدني جوتليب لجمع مادة بيولوجية واضعا في اعتباره استخدامها لاغتيال زعيم افريقي لم يذكر اسمه. وقفز اسم جديد الى هذا النشاط السري وهو السفير الأمريكي تمبرليك. وفي برقية له في منتصف اغسطس اشار الى ان كازافوبو (رئيس الجمهورية) سوف يستمر في كونه صفرا سياسيا طالما ظل لومومبا يمارس نشاطه واخذ السفير يتغنى بمدح جوزيف إيليو رئيس مجلس الشيوخ وبومبوكو وزير الخارجية قائلا انهما لا يملكان رباطة جأش لومومبا في الامور السياسية. وأصر قادة الأمم المتحدة على تنفيذ مشروعهم الخاص للقضاء على لومومبا سياسيا. وفي 26 اغسطس بعث الوفد الأمريكي الدائم في الامم المتحدة ببرقية الى حكومته يذكر فيها ان: «داج همرشولد مقتنع بضرورة تحطيم لومومبا» وهكذا تواطأ الجميع على الخلاص بأية وسيلة من الزعيم الافريقي المشاكس، المتمسك باستقلال وحرية وطنه، ومضت خيوط المؤامرة في التكامل سريعا.