كشف خليل الهراوي وزير الدفاع اللبناني ان بلاده ستدعو القمة العربية المقرر عقدها اواخر هذا الشهر ببيروت الى مساعدتها على التصدي لفكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على ارضها، وحدد اربعة شروط لإحلال السلام في المنطقة. وأشار الوزير في حوار اجرته معه «البيان» في بيروت الى ان قرار لبنان بعدم ارسال جيشه الى الحدود الجنوبية سببه رفض تحويل الجيش الى شاهد على سلام الأمر الواقع المرفوض لبنانياً، مؤكداً على وجود قناعة لبنانية راسخة بأهمية وضرورة استمرار التواجد العسكري السوري على اراضي لبنان خلال هذه المرحلة. وأعرب عن اعتقاده بأن القمة العربية لن تكون ازمة او حلا بالنسبة لبنان مستبعدا حدوث اي تغيير حكومي مشددا على ان السلام سيصبح ممكناً اذا تغيرت ذهنية المجتمع الاسرائيلي باتجاه الشعور بأن له مصلحة حقيقية في احلال السلام. فإلى نص الحوار: ـ هل انعقاد القمة العربية في بيروت مأزق أم حل في ظل الحديث المتكرر عن خلافات عربية عربية، من جهة، وضغوط دولية، وعلى الاخص امريكية، من ناحية اخرى؟ ـ القمة ليست مأزقاً ولا حلاً. لا يأتي الحل من القمة، بل يأتي منها موقف عربي تضامني في سبيل تحقيق السلام في المنطقة، ضمن الشروط العربية والمصالح العربية، ما ننتظره من القمة ان يكون هناك تضامن عملي، وإبلاغ القوى الدولية بأن هناك تماسكاً عربياً بهدف انجاح مشروع السلام، كما اتمنى ان تكون قمة عودة المساعدات العربية الى لبنان ايضاً. ـ كيف جاءت زيارتكم لأوكرانيا وكيف تنظر حكومتها وشعبها للوضع في لبنان؟ ـ يعتبر الاوكرانيون، كما المسئولون في معظم دول العالم، ان لبنان بوابتهم الى الدول العربية، وهم يعرفون ايضا انه يعيش ازمة جنوبه، والقضية الفلسطينية. ومن هذا المنطلق توجه اليّ الاسئلة عادة، ويكون الامر مناسبة لي لأتحدث عن مواقف لبنان على المستويين الاقليمي والدولي، واشرح ان لبنان تحمل اعتداءات اسرائيل لمدة خمسين عاما، وهو لم يكن في موقع الاعداء يوما ضد اسرائيل، ولم يخض حرباً ضدها ايضاً. ولو كان في المبدأ ملتزما القضية الفلسطينية والعربية. ولكن عملياً لم يقم يوما بأي اعتداء على اسرائيل. إضافة الى ان لبنان نجح في عملية مكافحة الارهاب الداخلي عام 1989 بعد اتفاق الطائف، وقيام السلم الاهلي، وفي مكافحة الارهاب الاسرائيلي خارجياً بعد التحرير سنة 2000، لكنه مازال يعاني من الارهاب الاسرائيلي واحتلال مزارع شبعا وعدم التنفيذ الكامل للقرار الدولي 425، ومن خلال الاعتداءات والخروقات اليومية للسيادة اللبنانية برا وبحرا وجوا. الجيش خارج «الحدود» ـ لماذا لا يتم ارسال الجيش للجنوب لوقف الاعتداءات؟ ـ عدم الارسال هذا غير خاضع للمزايدات، وهو قرار الحكومة السابقة، كذلك الحكومة الحالية، وهذا واضح في «البيان الوزاري» واسباب عدم ارسال الجيش باتت واضحة لكل من راجع في الامر من الداخل والخارج، نريد ان نطرح الامر بصورة مختلفة فنقول: ما الهدف من ارسال الجيش الى الجنوب؟ فاذا قيل ان ارساله من اجل ان يحفظ الامن في القرى وبين الاهالي ويحمي مؤسسات الدولة، فاننا نقول ان الجيش موجود ضمن القوى الامنية، وهو اساسي وله ثكنات في الجنوب. لكن المتسائلين، بمعظمهم، لايريدون اقتصار الامر على ذلك اذ ان سؤالهم ذاك يرتبط بحديث سياسي يتناول ارسال الجيش الى الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية بالتحديد. نقول شيئا هنا، ان لبنان داخل في عملية السلام عبر مؤتمر مدريد، وهو تواق للسلام، لكن مانريده هو سلام قادر على الاستمرار ضمن الشروط التي يضعها لبنان لاستمرار السلام، وهي شروط معروفة: الانسحاب من كل الاراضي التي لاتزال اسرائيل تحتلها، تعويض لبنان عن خسائر من جراء الاحتلال والاعتداءات، اطلاق الاسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية، والشرط الرابع والاساسي هو عودة الفلسطينيين اللاجئين في لبنان الى فلسطين. واذا لم تتوافر هذه الشروط الاربعة، وخصوصا الاخيرة منها، لا يمكن للبنان ان يدخل في سلام مع اسرائيل، لا يمكننا قبول السلام اذا كان من بنوده توطين الفلسطينيين بلبنان، فلبنان، شعبا ودولة وقوى سياسية يجمع على رفض التوطين، ولا سلام مع التوطين. لذلك فاننا عندما نرسل الجيش اللبناني الى الحدود، فاننا نهدف الى تحقيق امرين: اما سلام الامر الواقع، واما المواجهة، جيش في مقابل جيش، الامر الاول يوجد هدنة بيننا وبين اسرائيل قد تستمر عشرات السنين، يكون خلالها عدد الفلسطينيين في لبنان قد تضاعف مرات، وعندئد يصير الكلام عن التوطين فيه اكثر واقعية نتيجة امتداد الوجود الفلسطيني زمنيا، ونكون مضطرين لايجاد حل جذري. اننا بحاجة لدعم من الاشقاء العرب والاصدقاء في العالم لمواجهة تمرير اسرائيل لمشروع التوطين بذرائع عديدة، وهذا محور اهتمام لبنان في القمة العربية، او في اي مؤتمر عربي او اقليمي او دولي يشارك فيه مباشرة او مداورة. البحث عن السلام ـ الى اين يسير لبنان واللبنانيون والمنطقة في تقديرات اهل الحكم والسياسة والعارفين؟ ـ انني اثق بالمستقبل اكثر فاكثر، لاننا اصبحنا نشعر ان القوى السياسية في لبنان تتماسك افضل من الماضي وهي تنمو باستمرار، رغم اننا لا ننكر ظاهرة تبعثرها، ويعود ذلك الاجماع على وجوب مواجهة الصعوبات التي تعترض لبنان، او قد تعترضه لاحقا. على الصعيد الاقليمي، يمكن القول انه بمقدار ما تفكك امريكا التزامها الاعمى بمصالح اسرائيل بمقدار ما نكون نقترب الى السلام في الشرق الاوسط، لقد اظهر العرب رغبتهم في السلام العادل والدائم والشامل، وقاموا بخطوة متقدمة وكبيرة جدا عندما ذهبوا عام 1991 الى مؤتمر مدريد فالذهاب الى ذلك المؤتمر هو بشكل او باخر، اعتراف باسرائيل، فنحن ذهبنا لنفاوض اسرائيل انطلاقا من حدود 1967 هذا اعتراف بها. ـ لكن بماذا قابلت اسرائيل مثل هذه الخطوة الكبيرة؟ ـ لقد قامت بدورها فعلا بخطوات واسعة، لكن بعكس ما هو مطلوب، فبانت اكثر فاكثر على حقيقتها، كانت اسرائيل تقول لنا بعد العام 1948 وحتى 1991: «يا عمي اقبلوا بي انا دولة مقابلة لكم، فلماذا تريدون رميي في البحر» لكن مع الوقت بعد 91، ومؤتمر مدريد تبين انها لاتريد السلام، وقد كشف هذا المؤتمر عدم استعداد المجتمع الاسرائيلي «وليس القادة الاسرائيليين وحدهم» وجهوزيته لتقبل السلام، هذا ما يخيفنا، لقد وقع العالم العربي بداية اتفاق مع اسحاق رابين كمشروع سلام، فمن اختاره رابين؟ من انتخب بنيامين نتانياهو مرتين؟ من «طير» ايهود باراك الذي كان يتقدم، ولو بصورة وهمية، نحو مشروع سلام؟ ومن عاد وانتخب ارييل شارون بحماس وتطبيل وتزمير؟ لماذا؟ لانه فقط، رافض للسلام، وقادر على ارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين وسلطتهم الوطنية. وهذا ما هو حاصل الان. انا اقول، ان هذا المجتمع الاسرائيلي الذي انتج شارون، وليس الاخير هو الذي عمل هذا المجتمع، لن يكون جادا ولاراغبا ولا قابلا بالسلام، ولا بأي نوع منه، هذا ما يفزعني. لذلك فان على المجتمع الدولي الداعم لاسرائيل ان يعمل على حث المجتمع الاسرائيلي على عدم انتخاب شارون كيف؟ الاسرائيلي هو مواطن مثل مواطني هذا العالم، ما يهمه هو الرخاء من خلال النمو الاقتصادي، والامن من خلال الترسانة العسكرية الموجودة فلماذا يفكر بعد ذلك بالسلام. يقول الاسرائيلي طالما ان امريكا معي، وترسل الى الطائرات والمدافع والصواريخ والمساعدات، وتضغط على العالم كله من اجلي، فلماذا اريد السلام؟ لماذا اتجه اليه؟ وليس لنا فيه اية مصلحة؟ لذلك يجب ان يشعر المجتمع الاسرائيلي بأن السلام في مصلحته وليس العكس. وبانتظار ذلك فان الشرق الاوسط كله، وبالتالي العالم هو الذي يدفع ثمن واقع الحال، او انتظار مثل ذلك التغيير المجتمعي في اسرائيل. كما نأمل ان يعود الامريكيون الى مبادئهم، ويحافظوا على حقوق الشعوب في العدل والعيش بأمان واستقرار ونمو اقتصادي، ونحن كعرب جاهزون لمشروع السلام، لكن جهزوا المجتمع الاسرائيلي اولا. اللغط اللبناني سورياً ـ استمرار الوجود العسكري السوري في لبنان يتعرض بين فترة واخرى لنقاشات حادة، وتردد مؤخرا ان بعض الشخصيات الروحية والسياسية تلقى «نصائح» من الياس المر، وزير الداخلية بعدم اثارة ذلك الموضوع هل هذا صحيح؟ ـ الدولة اللبنانية سيدة قراراتها، لانها نابعة من مشروع ونظرة لمستقبل لبنان، ورئيس الجمهورية اميل لحود واضح، ولم يقابله احد من الدبلوماسيين او الزائرين الاجانب الى لبنان، الا وخرج بانطباع ان كلام رئيس الجمهورية «عن اهمية استمرار الوجود العسكري السوري» ليس مناورة، ولا مسايرة لاحد بل هو نتيجة قناعات ذاتية لديه هو نفسه. اريد ان اتوقف عند نقطة من حيث الشكل على الاقل، وهي ان مثل الكلام عن السوريين و «النصائح» لا يجب ان يظهر او يعلن عنه اطلاقا في حال كان صحيحا، وانا اقول هذا الكلام كوزير للدفاع، اي كمسئول امني، فمن يريد خريطة الوضع في لبنان يقوم هو بنفسه بذلك، ثم يلقى التهم وتبعات الامور على الاخر، او الاخرين. اما من حيث المضمون، فأين هي تلك «النصائح» التهديدات؟ انا كوزير للدفاع لم تتم مراجعتي من قبل اي كان حول ذلك، ولم يطرح احد امام اي موضوع من هذا القبيل، ربما تكون قد حصلت اية معاتبة بين اصحاب تلك الاتهامات وبين وزير الداخلية الياس المر في احد الاجتماعات مثلا، فسرها هؤلاء بأنها نوع من التهديدات. لكن مهما يكن، فانه من الخطأ تصوير ذلك الموضوع بالشكل والمضمون اللذين ظهرا به. ـ الضغوط الامريكية على لبنان ادت الى تجميد تمويل دولي لمشاريع اقتصادية، وتأجيل مؤتمر باريس؟ وارجاء مشاريع الخصخصة، الى اين يتجه لبنان اقتصاديا في ظل تلك الضغوط وغيرها الكثير، مما هو معلن، والاكثر ربما، غير معلن؟ ـ لا معلومات لدي عن ضغوط امريكية، لكنني احللها، فالرد عليها يكون بانجاح مشروع الاصلاح المالي وضبط الانفاق، واذا ما سارت الدولة في هذا المشروع فأنها ستكون قادرة على تحصين العملة الوطنية «الليرة» وعملتنا مضمونة وقوية. تغييب الحياة السياسية ـ تشكل المعارضة جوهر الحياة السياسية الديمقراطية في لبنان، لكن البعض يرى ان المشروع المعارض لم يقم حتى الان، رغم كل ما مر بالبلاد، ويمر بها، وثمة من يقول ان لدينا معارضين افرادا لا معارضة سياسية حقيقية، وان الدولة مضطرة، في ظل ذلك الواقع، على مجاراة المحيط الاقليمي ومسايرته، فهل مثل تلك المعادلة صحيحة؟ ـ ذلك صحيح، لدينا معارضون لا معارضة، لان العادة وقواعد اللعبة السياسية تقتضي بأن يكون للمعارضة برنامج، اما لدينا فهناك معارضة لافراد، يعارض احدهم مثلا لامر يخصه وحده، ولا علاقة له بالبلد. فعندما تكون عندنا معارضة تطرح برنامجا متكاملا، وتلتزم به ثم تسقط الحكومة، او ترحل، فان الحكومة الجديدة ستأتي انطلاقا من ذلك البرنامج، وتتوجه بالتالي لوضعه موضع التنفيذ العملي، هذه هي اصول اللعبة الديمقراطية التي نأمل ان تحققها حياتنا السياسية بالكامل، وبتكامل. ـ هل من حكومة لبنانية جديدة قريبا؟ ـ لا مصلحة لتغيير آنٍ للحكومة الحالية، لان اي تغيير اذا لم يكن مرتبطا بالمجيء بسياسة جديدة، فلماذا تستقيل هذه الحكومة وتأتي اخرى. ان تغيير الحكومات يتطلب وقتا، وذهاب حكومة ومجيء ثانية يحتاج الى تضييع في الوقت، ونحن في مرحلة دقيقة لا نستطيع فيها اضاعة اية لحظة دون عمل وانتاج وتماسك واندفاع بحثا عن الافضل من قبل الجميع، فتشكيل حكومة يحتاج الى فترة لاجراء المشاورات، واعداد البيان الوزاري، وجلسة الثقة في مجلس النواب، وبين فترتها سماح للحكومة الجديدة لتقلع بمشروعها، سنحتاج الى مالايقل عن سنة حتى يصبح بامكاننا محاسبة اية حكومة جديدة لهذا افضل استمرار الحكومة الحالية، من اجل تلك الاسباب مجتمعة، بغض النظر عن كوني وزيرا فيها، انني افضل ذلك كنائب، افضل ان تبقى الحكومة الحالية، وان نحاسبها على مشروعها، فاذا تعثر هذا المشروع، وجاءت حكومة جديدة لوضع مشروع بديل والانطلاق به فيبقى هذا ممكنا ومنطقيا، لكن طالما ان الحكومة الحالية تعمل على تنفيذ مشروعها، وماتزال، فلماذا لا تبقى وتستمر. ـ الحكومة الحالية مازالت مستمرة على قيد الحكم، رغم ان الانتقادات ضدها تأتي من الموالين والمعارضين لها على حد سواء، هل من تغيرات سياسية وحكومية قد تنتج عن ذلك وماهي حدودها؟ ـ ان ذلك يعكس تحسسا مع القاعدة الشعبية على الاقل، لقد شعرت مختلف الفئات السياسية ان هناك تذمرا وتمملا داخل هذه القاعدة، فنقلت ذلك الى الاروقة والمنابر السياسية ـ وهذا ما قلته انا منذ بداية الحديث عن هذه الامور مؤخرا، اما لماذا تململ تلك القاعدة، فالسبب الاساسي يعود الى انه لايوجد احد يشرح لها ما يجري في البلاد. هل قال أحد للناس كيف يمكن للوضع المالي والاقتصادي أن يتحسن؟ عندما أقول للناس انني أريد تضامنا شعبياً لمعالجة هذا الوضع، فإنني لا أطلبه لي أنا كمسئول أو سياسي أو ما شابه، بل أطلبه من أجل المواطنين أنفسهم الذين مطلوب منهم أن يساعدوني على ذلك. بأي حال يبقى الحكم هو المسئول، كذلك الحكومة التي تقدم خطابها للناس. وقد قلت هذا في مجلس الوزراء، قلت ان المشروع السياسي غائب لدى الحكومة. لكن رئيس مجلس الوزراء (رفيق الحريري) عاد وشرح هذا المشروع، من داخل مجلس النواب، وبرز توافق عام عليه داخل البرلمان وخارجه. لكن مشكلة حكومات لبنان، سواء هذه الحكومة التي نحن جزء منها أم غيرها، هي في انه ليس لديها مشروع واضح للناس الذين مازالوا لأكثر من عشر سنوات ضمن حالة السلم الأهلي، دون أن يكون مثل ذلك المشروع واضحاً أمامهم. كان العنوان العريض لهذا المشروع قد تحدد في العام 1992 ضمن اطر: البحبوحة والنمو الاقتصادي واعادة الاعمار. لكن منذ العام 1995 لم يعودوا يرون أمامهم أي تحقيق لمثل هذه الوعود. وبالتالي توجب علينا الانتقال من المشروع الذي أطلقناه منذ العام 1992 الى مشروع آخر، اسمه الاصلاح المالي الذي يعكس ضمناً كونه مشروعاً تقشفياً. بعد ذلك جاءت حكومة الرئيس سليم الحص، وقالت بالكلام انها تريد أن تضبط الانفاق العام، وتحقق مشروع اصلاح المالية العامة، لكنها صرفت أكثر مما صرفته كل حكومات الرئيس الحريري، عملت (حكومة الحص السابقة) مشروعاً للتقشف، ووضعت له عنواناً، لكنها استدانت ثلاثة مليارات دولار في السنة، مشروع الاصلاح المالي أساسه ضبط الانفاق لا زيادة الواردات. عندما أقول ان الضريبة الجديدة على «القيمة المضافة»، ستعطي خزينة الدولة 800 مليار، فإنني لا أستطيع أن أنفق هذا المبلغ، وبالتالي فإن ضبط الانفاق يجب أن يستمر حتى يصبح في الخزينة ال800 مليار تلك. وضبط الانفاق يمكن أن يتحقق من خلال التقشف وترشيد النفقات، اضافة الى الخصخصة، ثم التفتيش بعد ذلك على ديون بفوائد أقل. لا أحد يعرقل مثل هذا المشروع، لا المعارضة، ولا الموالاة، ما يتحقق هو ما قلته في مجلس الوزراء لجهة التأكيد على وجوب أن نضع مشروعاً مالياً والذي يبقى في حقيقة الأمر وواقعه مشروعاً سياسياً. من أين يأتي الآن الضغط على النفقات؟ من وضعنا المالي بمد الخزينة اللبنانية بقروض أو سندات خزينة، أو مساعدات مالية، حيث تستطيع أن تتحمل العجز في الموازنة العامة. لماذا يحصل مثل هذا الأمر؟ لأنني أقول انه لديّ كدولة المال، وأريد أن أصرف وأنفق، أقول: «أريد أن أصرف». لكن عندما أقول انني لا أريد الصرف، وليس لدي الرغبة في أن أصرف، لأنه ليس لدي القدرة على ذلك، انذاك استطيع أن أقول للمرابي السياسي الذي يقف خارج الحدود ويقول لي: «أتريد منا مالاً، أريد منك هذا الموقف السياسي»، (أقول له) «هذا هو موقفك السياسي الذي تريده مني، خذه وارحل عنا». لدى لبنان مواقف سياسية لا يمكن أن يبيعها بسندات خزينة، أو بمساعدات مالية، اذا بعت مثل هذه المواقف الوطنية والقومية، أكون كمن يبيع لبنان نفسه. والمطلوب من الحكومة، المقتنعة أساساً بذلك التوجه أن تشرح للناس، جميعهم، ولقوى المعارضة، والموالاة أيضاً ان المالية العامة لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الانفاق المالي العام على الخدمات. وفي هذه الحالة أيضاً ينزل المعارضون والموالون معاً الى الناس، ليقولون لهم بكل قناعة ان الوضع المالي لا يسمح بأن نعيد رصف هذه الطريق أو تلك بالاسفلت ثلاث مرات، مثلاً، مرة واحدة تكفي وزيادة، حتى نتمكن من مواجهة ما نحن فيه، وتجاوزه بحلول ومعالجات واقعية. الديمقراطية التوافقية ـ أين المؤسسات والحياة السياسية الديمقراطية في لبنان، البعض يقول انها غائبة لأنها «مصدومة» والآخر يؤكد انها «مغيبة» عن سابق اصرار وتصميم، فأين هي حقيقة الأسباب الكامنة وراء هذا الوهن المؤسساتي السياسي في البلاد؟ ـ هناك ما يمكن تسميته بنهج سياسي لبناني، وهو الذي يبقى قائماً دائماً، هل لدينا حكومة سقطت في مجلس النواب عبر التاريخ، منذ مطلع الاستقلال عام 1943 حتى الآن؟ الحقيقة ان المشكلة ليست في اسقاط حكومة أو استمرار أخرى، بل في التركيبة الاجتماعية ـ السياسية في لبنان تفرض عنواناً عريضاَ، نحن نطرحه، كلبنانيين، ونحن من يتبناه، وهو: الديمقراطية التوافقية التي ليس فيها ديمقراطية تعددية أو حزبية، يعني اننا لا نستطيع أن نقول في لبنان اننا نريد هذه الديمقراطية التوافقية، ونقول في الوقت نفسه انه بامكان هذا الحزب أو ذاك اتخاذ القرار، لأن لديه أكبر عدد من النواب في البرلمان مثلاً. أعطي مثالاً على ذلك، فقد حصل مشروع قانون «الزواج المدني» على موافقة أكثر أعضاء مجلس الوزراء في عهد الرئيس السابق للجمهورية الياس الهراوي، لكن رغم هذه الأكثرية الوزارية لصالحه، لم يتم تمويله من الحكومة الى مجلس النواب، لماذا؟ لأنه ليس هناك توافق عليه. هذا يعني أيضاً ان في الديمقراطية التوافقية التي ارتضيناها، ونعمل بها، يجب أن يتم التوافق على كل شيء، حتى على تعيين مدير يجب أن يكون ثمة توافق على اسمه، وطائفته ومذهبه. هل يمكن أن نضع معياراً للأمور، يكون عملياً؟ وقد وضعنا معياراً فعلاً. فعندما كنا ندرس في لجنة المال في مجلس النواب والتي أرأسها قانون سلسلة الرتب والرواتب، وضعنا ضمن هذا القانون معيار: «التعيين والمحاسبة»، وقلنا ان المدير الذي سيعين يجب أن يترشح لهذا التعيين، ويقدم بياناً بالأفكار والبرامج والطموحات التي ينوي تحقيقها في حال جرى تعيينه في ذلك المنصب، لكن هل طبق ذلك المعيار؟ للأسف، الدنيا تتغير، والزمن يتغير، والمجتمع اللبناني يبقى هو ذاته، تركيبته مازالت هي نفسها. ـ رغم كل الظروف التي مرت لم يحصل التغيير لماذا؟ ـ تغيير ذلك ممكن لكن ضمن الممكن، لا نستطيع أن نحدث تغييراً في اطار «اللا ممكن»، لنأخذ مثلاً اذا وضعنا معياراً علمياً لتعيين مدير عام للضمان الاجتماعي، وفاز في المرتبة الأولى والثانية اثنان ينتميان الى الطائفة المارونية، فيما ذلك المنصب مخصص للطائفة الشعبية، فماذا نفعل؟ الأمر نفسه يمكن أن يتكرر في وظائف أخرى، وطوائف أخرى أيضاً، المهم ماذا نفعل في مثل تلك الحالة؟ هناك تركيبة لبنانية خاصة يجب أن نراعيها، ونأخذها بعين الاعتبار، لا أستطيع أن أقول ان هذا يحصل في أمريكا والسويد، مثلاً، ويجب أن أطبقه هنا في لبنان.