أجرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» حوارا مؤخرا مع الملكة رانيا العبدالله ملكة الأردن وهي في طريقها لحضور اجتماع الأمم المتحدة حول التجارب والتنمية والتمويل في مونتيري بالمكسيك. وخلال وجودها في لوس انجلوس اطلقت الملكة الأردنية صندوق «المنح العالمية للفقراء» وهو منظمة توصل المتبرعين الأفراد بمتلقي القروض في أنحاء العالم. ولدى وصولها الى مدينة مونتيري وزعت 15 قرض تمويل صغيرا قيمة الواحد منها 200 دولار على 15 امرأة مكسيكية. وفيما يلي نص الحوار: ـ لقد ناصرت قضية القروض الصغيرة كوسيلة للنهوض بحال الفقراء المعدمين، وبصفة خاصة النساء، من حالة اليأس والتبعية إلى الاستقلال والاعتماد على النفس. وفيما يتوافد زعماء العالم للمكسيك برعاية الأمم المتحدة لمناقشة قضايا التنمية والتجارة والاعانات، ما هي طبيعية الأولوية التي ينبغي أن تعطى لهذا الموضوع؟ ـ أصبح لقروض التمويل الصغيرة الآن تاريخ جدير بالثقة، كوسيلة لمساعدة الناس لا سيما النساء على سد الهوة بين الموسرين والمعوزين، وهو أمر يكتسب أهمية متزايدة على أجندة التنمية، وحتى الكونجرس الأمريكي خصص مبلغا كبيرا من المال لقروض التمويل الصغيرة عبر وكالة التنمية الدولية. ـ كيف يمكن لهذه القروض الصغيرة ان تغير أي شيء في حياة الناس؟ ـ يمكن لتلك المبالغ اليسيرة ان تحدث تغيرا، لانها توجد الأمل. واليوم نسمع كثيرا عن العوامل التي تقسمنا، الانقسام الرقمي، والفجوة التقنية وجميع أشكال التفاوت بين العالم المتقدم والعالم النامي. لكن التحدي الأكبر، باعتقادي، يكمن تحت ظل هذه الأخطار. انه فجوة الأمل. فهذه الفجوة تقسم البشر الى مجموعتين: أناس لهم مستقبل وغيرهم لا مستقبل لهم. وتتسع فجوة الأمل عندما تترك مجتمعات بأكملها وراء ركب التقدم والرفاه. وذلك ليس لانها غير راغبة بالعمل. بل لانها لا تمتلك مقومات الموارد والتقنية والتعليم. وعندما يتجاهل ركب النمو الاقتصادي العالمي أمماً بأكملها، تتحول هذه الفجوة الى هوّة عميقة يتلاشى فيها الأمل. أنفقت الحكومات والجمعيات الخيرية مبالغ طائلة وبذلت جهودا جبارة لايجاد طرق لمعالجة هذه المشكلة، لكن المساعدات التقليدية تشكل الى حد كبير مجرد انعطافات مؤقتة. واسلوب المعونات التقليدية لا يقدم الاستقلالية والفرص التي يحتاجها الفقراء. وفي السنوات التي أمضيتها في العمل على حل هذه المشكلة في الأردن وفي أمكنة أخرى في العالم، شاهدت أشخاصا استطاعوا أن يعبروا هذه الفجوة بفضل قروض التمويل الصغيرة. وتلك القروض الصغيرة التي تمنح لأشخاص مسئولين على مستوى محلي تؤدي في حال تعميمها على نطاق واسع الى تغيرات كبيرة لملايين الأشخاص على مستوى العالم. وبرامج قروض التمويل الصغيرة غير معنية بايجاد فرص عمل للبيروقراطيين، بل هي تهتم بانشاء شراكات بين الأفراد من خلال اقامة علاقة احترام ومسئولية بين المقترض ومقدم القرض. وليست هناك طريقة أفضل لانفاق المال، وكون أموال القروض الصغيرة تجدد نفسها بنفسها، فإن المال الذي تتبرع به الحكومة والافراد على حد سواء، يصبح وقفا، لانه قابل للتجدد. فالقروض التي يتم سدادها يتم تدويرها مجددا الى مجتمعات اخرى لايجاد مزيد من فرص العمل. وأظهرت تجربة القروض الصغيرة في أنحاء العالم إلى الآن ان نسبة سداد القروض بلغت 97%، وهي نسبة عالية جدا بكل المقاييس وتنم عن نجاح فكرة القروض. ـ هل يمكنك اعطائي مثلا او مثلين محددين في هذا الصدد؟ ـ في كوسوفو، قمت بزيارة مجتمعات مزقتها الحروب تتم اعادة بنائها بمساعدة القروض الصغيرة. وفي الامثلة التي ترد الى ذهني الآن امرأة تدعى جانيميت ماريكو. كان زوجها قد اعتقل من قبل القوات الصربية واقتيد الى مكان مجهول مع رجال آخرين لم يظهر منهم احد منذ ذلك الحين. وكان عليها ان تعيل اطفالها الثالثة. وكان من الممكن ان تساعدها المعونات التقليدية على ان تعيش حياة الكفاف، لكن عندما تتوقف الاعانات، ستتلاشى كل آمالها. ومن حسن الحظ انها وجدت طريقها الى «مؤسسة مساعدات المجتمع الدولي الوقفية» المعروفة اختصارا باسم (فينكا)، وهي منظمة تعتمد اسلوب القروض الصغيرة، وتطمح لان تكون شيئا اشبه ببنك دولي للفقراء. وهكذا حصلت هذه المرأة على قرض بقيمة 250 دولارا وفتحت دكاناً صغيراً لبيع الخبز والخضر والفواكه. وكان ذلك في عام 1999 واليوم وسعت هذه المرأة نطاق اعمالها، واصبحت تبيع اغطية طاولات قماشية يدوية الصنع. وهذه العملية نفسها مهمة جدا اليوم بالنسبة للمجتمعات التي مزقتها الحروب، مثل افغانستان، لانها تقدم املا جديدا للعائلات واملا جديدا للنساء اللائي يسعين للاستقلال ولاستعادة الثقة بالنفس. ـ اذا اردنا توخي الجدية في اعمال التنمية، أليس من الافضل ان تكون هذه مهمة المعونات الحكومية في نهاية المطاف لان المبالغ اللازمة لمثل هذه البرامج هائلة؟ ـ افضل النظر الى الامر من زاوية اخرى، وهي ان الفرص في المجتمع المدني هائلة ايضا. وباعادة تفحصنا للعالم من حولنا منذ 11 سبتمبر، فوجئ الكثيرون منا باكتشاف هذا الكم الكبير من المعاناة والكفاح في أنحاء العالم. هذه المعرفة الجديدة بالمحن والمصاعب التي يختبرها الاخرون اوجدت نوعا من الشعور العالمي. واصبح الناس حقا راغبين في التدقيق لمعرفة ما يجري في بقية العالم وتقديم يد العون للمجتمعات الممزقة. لا ينبغي لنا دائما ان ننتظر تحرك زعمائنا وحكوماتنا. بل يجب على المجتمع المدني ان يلعب دوراً قيادياً، ويأخذ على عاتقه مهمة التغيير، ومن الطبيعي ان يكون المرء محتاطا. لذلك اذا عرف الاشخاص الذين يتبرعون بالمال اين تذهب اموالهم ومن اجل ماذا، فانهم سيدفعون بمبالغ كبيرة، وبمبلغ مليون دولار فقط يمكن تغيير ظروف الحياة لقرية كاملة لمدة ستة اعوام أو سبعة اعوام. وهذا امر لا مجال للاستهانة به. خدمة « لوس انجلوس تايمز » خاص لـ « البيان »